Warning: Illegal string offset 'Hits' in /home/gomhuriaonline/public_html/class/PortalNews_class.php on line 560
رجل يسير عكس التاريخ بقلم مؤمن الهبـاء
هيرميس
الجهاز القومى لتنظيم الاتصالات

شهادة

رجل يسير عكس التاريخ

 

ليس معروفا متى وكيف ستنتهى المظاهرات فى أمريكا بعد مقتل المواطن ذىالأصول الأفريقية جورج فلويد على يد شرطى أبيض ، لكن المؤكد أن أمريكا سوف تتغير بدرجة ما بعد الأزمة ، فالدولة تتعرض لهزة عنيفة تطال السلطة والمؤسسات والشعب ، كأن البلد يعيد اكتشاف نفسه ، ويتعرف على مواطن القوة والضعف فى داخله ، وكأن رئيسه دونالد ترامب يحمل وجها آخر غير الوجه المشاكس الذى نعرفه ، بعد أن قيل له بصوت عال إنه جزء من الأزمة ولا يمثل حلا ، وأن سنواته الرئاسية هى المسئولة عن تأجيج العنصرية الكامنة فى الشخصية الأمريكية ، شخصية الكاوبوى ، وأن  تصريحاته المتعجرفة هى التى أشعلت فى البلاد جمرة الكراهية والعنف .

صحيح أن أمريكا صاحبة إرث تاريخى عنصرى معروف ضد المواطنين الأفارقة يمتد لأكثر من أربعة قرون، وهو إرث دموى حقير ، لكن الصحيح أيضا أن النخبة الثقافية والإعلامية والسياسية ، وفى مقدمتها الرؤساء وقادة الأحزاب والكونجرس ، اجتهدت فى تقديم خطاب عام يهذب هذا الإرث الخبيث ويخفف من غلوائه ، إلى أن ظهر ترامبعلى المسرح السياسى بخطابه الاستعلائى الإقصائى الفج فصار المناخ مواتيا لتصعيد التيار العنصرى المتطرف كى يتصدر واجهة الحياة الأمريكية ، و يتفاعل كالماء المغلى فى المرجل حتى انفجر فى حادثة مقتل جورج فلويد .

منذ الأيام الأولى لدخولهمعترك الانتخابات الرئاسية  تبلورت صورة ترامب كرجل يسير عكس عجلة التاريخ ، منفصلا عن الزمن ، حملته إلى البيت الأبيض أصوات التيارالمسيحى الصهيونى المتعصب والمحافظين الجدد والشعبويين والصهاينة الليكوديين ، وكلها تيارات تؤمن بالتفوق الأنجلو ساكسونى ، وتمقت التنوع العرقى ، وتسخر من المساواة بين أصحاب البشرة البيضاء وغيرهم ، وصار على الرجل بعد استقر على المقعد الرئاسى أن يترجم قناعات هذه التيارات إلى سياسات مهما كانت غريبة عن العصر، ومتخلفة عن القيم والثقافات السائدة فى عالم اليوم ، وهى ثقافات بشرت بها أمريكا وشاركت فى صناعتها .

وجاءت تصرفاته منذ البداية صادمة ، إذ تعمد نسف الثوابت الأمريكية سواء فيما يتعلق بالاقتصاد الحر أوممارسة الكذب وإعلان الرغبة فى الإنغلاق وبناء الأسوار على الحدود، أوالانقلاب على العولمة والانسحاب ـ أو التهديد بالانسحاب ـ من المنظمات الدولية كاليونسكو والأونروا ومنظمة الصحة العالمية ،والتنمر ضد المهاجرين ، ومنع دخول مواطنى معظم الدول الإسلامية إلى أمريكا ، كما تعامل بفاشية  مع معارضيه السياسيين والإعلاميين ، خاصة سود البشرة ، واتهمهم بالجنون والعفن ، وحين أراد أن يرد على انتقادات النائبتين إلهان عمر "الصومالية الأصل" ورشيدة طليب "الفلسطينية الأصل" اتهمهما بتشجيع الإرهاب وطالب بمقاطعتهما وعزلهما وإعادتهما من حيث أتيا .

وعلى المستوى الاستراتيجى تجاوزأيضا القواعد المستقرة، ودخل فى صدام مع حلفائه المقربين من أجل تمويل ، وأدخل مصطلح "الصفقات" فى العلاقات السياسية ، وتخبطت سياساته تجاه الصين وروسيا تحديدا ، وأسقط المبدأ المعروف بعدم المواجهة مع الدولتين اللدوتين فى وقت واحد ، حتى لايتحالفان ضد واشنطن ، ولم ينجح فى اللعب على تناقضاتهما كما فعل أسلافه ، وتبرع بلقاء علنى مع رئيس كوريا الشمالية لإخراجه من عزلته الدولية دون مقابل ، وتخلى عن السياسة الأمريكية تجاه الصراع العربى الإسرائيلى معلنا انحيازه غير المشروط لمعسكر التطرف الليكودى فى صفقة القرن ، فاعترف بالقدس عاصمة لإسرائيل ، وشجعها على ضم الجولان والضفة الغربية المحتلة ، ودمر بذلك كل فرص السلام .

على الجانب الآخر مارس أسوأ ألوان الابتزاز للحصول على أموال العرب بشكل مهين ، ومنى بفشل استراتيجى فى جبهات المواجهة على أراضيهم ـ سوريا وليبيا واليمن ـ وأعطى الأطراف الأخرى فرصة التفوق واكتساب مزيد من الأرض ، وكثيرا ماأحرج حلفاءه بتصريحات مسيئة ، مسكونة بالاستعلاء والكبر واحتقار الآخر .

ورغم  التراجع الواضح فى مكانة أمريكا الاستراتيجية خلال سنوات حكمه ، وانسحابها من مواقع عديدة كانت تمتلك فيها نفوذا تقليديا ، إلا أن الرجل ظل يتحدث عن أمجاد لا يراها غيره ، ويقنع نفسه وحاشيته بأنه المنقذ الذى جاء لاستعادة قوة أمريكا ، ووصل به الأمر حد التباهى بسلوكه المذموم معترفا : " أنا شخص مثير للغضب دائما ".

ويعتقد كثيرون أن ما يحدث فى أمريكا اليوم هو نتيجة لحكم ترامب المليء بالكراهية والغضب ، وأنه نجح على مدى سنواته الأربع فى تمزيق نسيج المجتمع وتفكيكمؤسساته ، وتمجيد العنصرية والعنف ، وهو ما أدى فى النهاية إلى حالة الغليان التى نراها ، ، وارتفاع معدلات جرائم الكراهية  20 % عما كانت عليه قبل عهد ه .

يقول دانا ميلبانك فى "واشنطن بوست" :"صحيح أن ترامب ليس هو من قتل جورج فلويد بالضغط على عنقه لمدة خمس دقائق و46 ثانية ، ولكن وحشية الشرطة ضد الأمريكيين من ذوى الأصول الأفريقية والعنصرية بشكل عام التى ابتلينا بها منذ قرون هى المسئولة ، وأيضا ترامب هو من أثار الغضب فى البلاد من خلال تعصبه المستمر ، وتدميره للإصلاحات التى تتم فى جهاز الشرطة ، وتشجيعه على وحشية الشرطة وخطابه العنيف ".

ومع اتساع نطاق الأزمة بدا واضحا أن ترامب لايملك غير منطق القوة والمواجهة ، وخلا خطابه من أية مبادرة سياسية لوقف الاحتجاجات ، بالعكس حاول اغتيال المتظاهرين معنويا ، ووصفهم بأنهم يساريون وبائسون وإرهابيون محليون وحثالة ، كأنه يهتف مع على عبدالله صالح والقذافى " من أنتم ؟! ..هيه دى آخرتها ياشعب !! " ، ثم سارع إلى التقاط صورة أمام الكنيسة رافعا الكتاب المقدس فى توظيف بائس وممجوج للدين ، وهو ماجعل رجاله يجاهرون برفض سلوكه علنا ، فقد عارض وزيرا الدفاع السابق والحالى ورئيس الأركان وقائد قوات الحرس الوطنى وقادة الشرطة وحكام الولايات تصعيد المواجهة مع المتظاهرين وتدخل القوات العسكرية ،  مؤكدين أن دورهم هو حماية حرية التظاهر والتعبير التزامابالقانون والدستور.

لكن الضربة الأعنف جاءت من رؤساء أمريكا السابقين ، كارتر وبوش الإبن وأوباما ، الذين  تحدثوا للشعببكلمات تنطوى على إهانة ترامب وإدانة طريقته فى إدارة الأزمة ، وتبنيه خطابا ستينيا متخلفا ، والاستخفاف بخبراته السياسية ، وهو ما دفعه إلى تغيير لغة التعالى والعنجهية الفارغة ، والتراجع عن طلب تدخل القوات العسكرية ، أما زعيم الأمريكيين السود لويس فرقان فقد أكد أن الآحتجاجات ستستمر وستتسع داخل أمريكا وخارجها ، وأن أمريكا لن تعود دولة عظمى ، لكنها ستحترق وتخرج لنا أمريكا جديدة أكثر إنسانية وعدلا .

بقى تساؤل مهم للشعب الأمريكى وليس للرئيس : كم فلسطينى قتل تحت أقدام القوات  الإسرائيليةبنفس الطريقة وهو يصيح مثل فلويد " لا استطيع التنفس "، قلماذا لم تتحركوا ؟!

العنصرية لاتتجزأ ، والإنسانية ليست انتقائية  .