• مصر
  • Loading...

رئيس مجلس الإدارة
سـعــــد سـليــــم
رئيس التحرير
عبد النبى الشحات

علاء طه

أبيض وأسود

ذكريات سعادة من سنة قديمة

بقلم .... علاء طه

الجمعة 28 ديسمبر 2018

ساعات قليلة تفصلنا عن ميلاد سنة جديدة، ووضع سنة منتهية في دولاب الذكريات.. السؤال الذي يحيرني في هذا التوقيت المتكرر سنويًا، هل احتفل فرحًا بسنة جديدة، أم أنزوي في سرادق العزاء بكاءً علي سنة انتهت؟! الأمر مربك دائمًا، غالبًا ما تحسمه العواطف، وحماسة الآخرين المحيطين للبهجة أو النكد، وما بين يد تحنو عليك، أو أخري تستغلك يتم الأمر في عجالة.
دعك من الكلام المُعلب عن إنجازاتك في العام الذي ينتهي، وقدراتك المالية في رأس السنة علي شراء الديك الرومي والبط واللحوم والحلويات والفواكه، أو شراء تذكرة لحفلة الهضبة في شرم الشيخ، أو الإكتفاء بالسهر في فندق خمس نجوم مع خليط المطربين المصريين والعرب والراقصات الدرجة الأولي، الأمر أكثر عمقًا، فنحن في حاجة دائمة إلي الحصول علي جرعة سعادة ولو قليلة، وهذا لا يرتبط بالثراء، فأسعد إحتفالاتي برأس السنة كانت عام 1991.
كنت في الفرقة الثالثة بكلية الإعلام في جامعة القاهرة، كان رفيقي بغرفة المدينة الجامعية أحمد طالب كلية الحقوق، ابن صاحب أكبر المصانع بالدلتا، كنت أقرأ بشغف للمرة الأولي رواية نجيب محفوظ "أولاد حارتنا"، الممنوعة وقتها من البيع والنشر في القاهرة، الطبعة كانت آتية للتو من لبنان واستعرتها من صديقي بهاء عواد، فخطفها أحمد طالبًا أن نسهر ونحتفل بالعام الجديد، ودونما تخطيط خرجنا وركبنا أول تاكسي لميدان التحرير، ودخلنا السينما، التي كانت مكتظة كأنما كل المصريين قرروا الاحتفال بمشاهدة فيلم أجنبي، وقبل أن ينتصف الليل عدنا للشارع، وتقدمني أحمد وأعلنها سهرة للصباح، قائلاً: هنكمل الإحتفال في شيراتون الجزيرة حتي لو ضيعنا كل اللي معانا.. كان يقفز كأنه يمتلك العالم، وكنت سعيدًا ببهجته، لا يهمني الفندق الكبير ولا السهر ولا الطرب والرقص الذي ينتظرنا وسيلتهم ما نملك، تهمني لحظات الفرحة والمشي، وفجأة وجدنا طفلًا لا يتجاوز الخامسة يرتجف من البرد، ويبكي، في قلب ميدان التحرير. هيئتة تبعده عن عالم أطفال الشوارع الذين كانوا يملأون الميدان يطلبون الفكة وبقايا الطعام وسيجارة.. دونما تفكير خلعت الجاكت وووضعته عليه، قال إن اسمه محمد، ومن الدرب الأحمر، ترك منزله منذ الصباح هربًا من ضرب زوجة أبيه المفترية. أرانا علي ظهره وبطنه الرقيقة آثار الكي والضرب المبرح، بقعات زرقاء مشوهة، اشترينا له ساندويتشًا وعصيراً، فبانت ضحكته، وأخذ يأكل ويشرب بنهم.. ودونما تفكير سألناه: تعرف عنوان بيتكم؟! فتمتم مكسورًا: آه.. وعندما وصل التاكسي إلي باب الخلق، قال الطفل هنا، فنزلنا، ومشينا وسط شوارع الدرب الأحمر النائمة والمظلمة، تسربت لنا مشاعر الخوف، ولهثنا خلفه حتي وصلنا لحارة ضيقة وخانقة، وأشار إلي بيته، صعدنا سلالم حتي وقفنا أمام شقة بالدور الثاني، وخبطنا علي الباب فخرج لنا رجل أربعيني بجلباب رمادي غاضب.. ما إن رأي الطفل حتي احتضنه، وبكي. قلنا بسرعة كمن يهرب أننا وجدناه تائهًا بالتحرير. شكرنا وطلب مننا الدخول، فاعتذرنا ونزل معنا للشارع، فقلنا له سريعًا أن زوجته تضربه وعن آثار التعذيب علي جسده النحيل التي شاهدناها، سب وشتم، وعرفنا أنه تاجر أقمشة كبير بالأزهر، وقال والدموع تطفر من عينيه، انه تزوج بعد وفاة أم محمد لتربية الطفل الوحيد، وفجأة صاح: يا سعاد، فأطلت زوجته من الشباك، فباغتها بأعلي صوته: أنت طالق يا بنت الـ...، لمي هدومك وعلي بيت أبوكي.. كل شئ تم سريعًا، خرج رجال من عدة بيوت وأطلت نسوة، وعرفنا أنهم جميعًا صاحبوه لساعات بحثًا عن الطفل قبل من المغرب حتي منتصف الليل، وخرجت سعاد من باب المنزل وسط نظرات تلقي بشرر، لم يُصاحبها أحد، ولم يراجعه في قراره أحد، طلب مننا الإنتظار دقائق، وتقدمها مسرعًا، كانت تتمتم بكلمات غير مفهومة، وعاد ووجهه يضحك كأنما استرد الحياة، اصطفت عدة كراسي وجاء الشاي، وأدارت الحكايات والنكات والقفشات رؤوسنا، كانت المحبة صافية، وبينما كان آذان الفجر يصدح، كنا نعانق الجميع وننصرف.. كان عام جديد يُولد، وكنا أكثر الناس الناس سعادة.

[email protected]