Warning: Illegal string offset 'Hits' in /home/gomhuriaonline/public_html/class/PortalNews_class.php on line 560
ديليسبس وحرب التماثيل بقلم مؤمن الهبـاء
هيرميس
الجهاز القومى لتنظيم الاتصالات

شهادة

ديليسبس..وحرب التماثيل

 

على هامش الحروب الكثيرة التى يخوضها العالم هذه الأيام هناك حرب أخرى اندلعت فى عدة دول بعد مقتل المواطن الأمريكى ذى الأصول الإفريقية " جورج فلويد " على يد شرطى أبيض بمدينة مينيابوليس فى مايو الماضى والمظاهرات والاحتجاجات العنيفة التى أعقبت الحادث داخل أمريكا وخارجها ، هذه الحرب الجديدة هى " حرب التماثيل " التى بدأت بتحطيم تمثال لتاجر قديم للعبيد فى مدينة بريستول البريطانية ، ثم تمددت وانتشرت لتستهدف قادة الاستعمار والعبودية والعنصرية فى العديد من الدول .

وليس صعبا اكتشاف الخيط الذى يربط حرب التماثيل بصراع الأفكار والأيديولوجيات والهويات والانتماءات ، فرفع التمثال يعنى تمجيد صاحبه وتمجيد الأفكار والمثل التى يجسدها ، وتحطيم التمثال يعنى إسقاط صاحبه ودهس أفكاره ومثله ، وآخر مشهد لتجليات هذه الحرب كان فى جنوب أفريقيا ، حيث قامت مجموعة من المواطنين ليلا بقطع رأس تمثال  لعراب الاستعمار البريطانى سيسيل رودس الذى كان يروج لتفوق البيض ، وقاد الجيش الانجليزى لاحتلال جنوب أفريقيا خلال القرن 19 وحقق ثروة هائلة من التعدين وتجارة الألماس. 

وكانت روسيا ودول شرق أوروبا قد شهدت بعد سقوط الاتحاد السوفيتى فى ديسمبر 1991 موجة من تحطيم تماثيل زعماء الحقبة الشيوعية ، وفى 2003 أسقطت قوات الاحتلال الأمريكى تمثال صدام حسين عقب دخولها بغداد ، ويمكننا اعتبار ذلك ضربة البداية لحرب التماثيل التى تنتشرحاليا. 

 فى الأسابيع الأخيرة تم إسقاط عدة تماثيل فى أمريكا وتخريب نصب تذكارية مرتبطة بالعبودية ، من أشهرها تمثال المستكشف كريستوفر كولومبوس الذى فتح الطريق للاستعمار الأوروبى للأمريكتين" رمزا للإمبريالية "، كما قام بعض حكام الولايات بإزالة تماثيل لشخصيات فيدرالية مثل تمثال الجنرال روبرت إيلى فى ولاية فرجينيا ، وتمثال لأوليسيس إس جرانت فى سان فرانسيسكو.   

وفى الاتجاه المعاكس وقع اعتداء من البيض على نصب تذكارى فى بوسطن لكتيبة أمريكية من أصل إفريقى ، وتعرض تمثال للناشط الأمريكى الأسود فريدريك دوجلاس الذى عاش فى القرن 19 لعملية تخريب ، ومؤخرا اتخذت حرب التماثيل منحى دينيا عنصريا من خلال منشور تحريضى على تويتر كتب صاحبه أن " تماثيل الأوروبيين البيض الذين يدعون أنها تجسيد ليسوع يجب أن تسقط أيضا ، إنها شكل من أشكال تفوق العرق الأبيض " .  

وأمام هذا التصاعد المستمر فى حرب التماثيل أصدر الرئيس ترامب قرارا بإنشاء حديقة وطنية تقام فيها تماثيل جديدة للأبطال الأمريكيين دفاعا عما أسماه " روايتنا الوطنية العظيمة " ضد أولئك الذين قاموا بتخريب النصب التذكارية  من " الغوغائيين مثيرى الشغب والمخربين والمتطرفين اليساريين الذين لديهم جهل عميق بالتاريخ " ، كما أصدر أمرا تنفيذيا بسجن من يستهدفون تخريب التماثيل ، ومعاقبة أى شخص يضر أو يشوه أو يدمر صور يسوع أو شخصيات دينية أخرى أو أعمال فنية دينية بأقصى عقوبة قانونية ، وحجب المخصصات المالية عن سلطات القضاء وإدارات الشرطة التى تهمل حماية  النصب التاريخية . 

وفى يريطانيا أعلنت الشرطة  حالة الطوارئ بعد تبول أحد الأشخاص إلى جوار النصب التذكارى للضابط كيت بالمر الذى لقى مصرعه فى هجوم إرهابى عام 2017 ، وهو مااعتبرته عارا وتدنيسا للنصب ،  كما تم تشويه تمثال ونستون تشرشل رئيس وزراء بريطانيا الأسبق بالدهان وكتب مجهولون عليه " كان عنصريا " ، واضطرت الحكومة إلى تغطية التمثال بصندوق كبير لحمايته ، مادفع أحفاد تشرشل إلى المطالبة بحفظه فى أحد المتاحف .

وعلى خلفية حرب التماثيل خرجت مسيرة سلمية لمناهضى العنصرية فى لندن بداية الأسبوع الماضى ، ثم جاء الرد بمظاهرة حاشدة لآلاف من البيض واليمين المتطرف بدعوى حماية التماثيل التى تشكل رموز التاج البريطانى ، بينما  تطالب حركة " حياة السود مهمة " بنقل تماثيل تجار الرقيق والأشخاص الذين كانت لهم مواقف سلبية مع السود إلى المتاحف ، وقد رد بوريس جونسون رئيس الوزراء البريطانى على ذلك قائلا : " لايمكننا أن نمارس الرقابة على الماضى ، ولا يمكننا أن نتظاهر بأن لدينا تاريخا مختلفا " .

 ووسط هذه الحرب الممتدة يفاجئنا حزب ماركسى صغير فى ألمانيا  بإقامة تمثال لقائد الثورة البلشفية الروسية فلاديمير لينين فى إحدى مدن الجزء الغربى من ألمانيا ، وقد حاولت سلطات المدينة منع نصب التمثال لكن المحكمة مكنت الحزب من إقامته السبت الماضى ، ورافق ذلك  جدل واسع حول شخصية لينين رمز الفكر الشيوعى الذى حكم الاتحاد السوفيتى من 1917 إلى وفاته  1924، فقال عمدة المدينة: " نحن فى وقت تعيد فيه الشعوب النظر فيما لديها من تماثيل ونصب تذكارية ومن الصعب أن نتحمل إقامة تمثال لديكتاتورمن القرن الماضى فى بلادنا لكن للأسف المحكمة قررت ذلك وعلينا قبوله " ، بينما قال رئيس الحزب الماركسى :" لينين مفكر سابق لعصره ومدافع عن الحرية والديمقراطية ". 

وشبيه بهذا الجدل مايثار فى مصر حاليا  حول إعادة تمثال ديليسبس إلى قاعدته الخالية فى مدخل قناة السويس ، حيث أقامت محافظة بورسعيد الستائر الخضراء حول القاعدة ، وتنشر صور التمثال بعد ترميمه تمهيدا لوضعه على القاعدة بدعوى توقير التاريخ ، بينما تعج الصحف ومواقع الانترنت بمقالات ومنشورات وحملات شعبية رافضة ، فديليسبس متهم تاريخيا بخيانة جيش عرابى وتمكين الانجليزمن احتلال مصر ، وأصدرت الجمعية التاريخية بيانا رسميا أعلنت فيه رفضها لإعادة تمثال هذا الرمز الاستعمارى الفرنسى، وطالب البعض بوضع تمثال لعبدالناصر مكانه . 

وهكذا فإن صراع الأفكار والأيديولوجيات والهويات يتخذ من حرب التماثيل ميدانا جديدا له  ، وسيذكر التاريخ هذه الحرب باعتبارها شاهدة على مرحلة إعادة النظر فى الشخصيات والزعامات ، ترفع أقواما وتخفض آخرين .