بث مباشر
أخبار التعليم
  • مصر
  • Loading...

رئيس مجلس الإدارة
سـعــــد سـليــــم
رئيس التحرير
عبد النبى الشحات

حمدي حنضل

همس النيل

دراما رمضان .. وبناء الوعي

بقلم .... حمدي حنضل

الخميس 16 مايو 2019

.. وكأن دراما رمضان تهيم في كوكب آخر.. إنها بعيدة كل البعد عما يدور في مصر وما يحيطها من تحديات. وما تشهده من جهود حقيقية جادة للبناء. وما تفخر به من نماذج مشرفة وبطولات نادرة ونجوم ساطعة في شتي المجالات. 

.. ورغم كل التحذيرات التي صدرت عن لجنة الثقافة والإعلام بمجلس النواب.. وتهديدات المجلس الأعلي لتنظيم الإعلام بالضرب بشدة علي أيدي المخالفين إلا أن الدراما الرمضانيةــ وفق تقارير رسمية وعلميةــ لا تزال علي حالها الذي اعتادته منذ سنوات. سوقاً رائجة للألفاظ السوقية وخدش الحياء.. وحوارات متدنية ونماذج فاسدة شاردة. 

.. وبدلاً من أن تكون الدراما الطريق الأسهل لترسيخ القيم المصرية الأصيلة وبناء وعي المواطن وتحصينه صارت حكراً علي فئة من المنتجين والممثلين وقنوات وضعوا التجارة والأرباح والإعلانات فوق الأخلاق والقيم وتعميق الانتماء. 

.. الأمر جد خطير.. فإن أحداً لا يمكنه أن يقلل من الأثر المباشر وغير المباشر للدراما في تشكيل وصنع سلوك الإنسان وأفكاره وقيمه وردود أفعاله يتأثر بها كل أبناء المجتمع أطفالاً. شباباً. شيوخاً. رجالاً ونساء".

.. إن أحداً لا يمكنه أن ينسي مثلاً أن مشهد تلبيس الخصوم قمصان النوم. وتجريسهم في الشوارع. وتصويرهم. كان واحداً من مشاهد درامية ثم ما لبثنا أن رأيناه حياً يتجسد بيننا في إحدي القري. 

.. ولا يقف الأمر عند هذا الحد.. فإن مسلسلات هذا العام تأتي بنماذج أخري لا علاقة لها بقيمنا ولا أخلاقنا ولا ديننا.. فهذه "الأم" التي تبيع أطفالها الثلاثة ثم تقتل زوجها.. وتلك العروس التي تهرب ليلة زفافها. فإن شقيقها قتل ابنة عمه.. بينما ابن العم حبيب قلبها يستهدفها بالرصاص.. أي أخلاق تلك التي ينشرونها؟!! 

.. إن واقع حال دراما رمضان تجسده صرخة الدكتور خالد عبدالجليل. رئيس هيئة الرقابة علي المصنفات في خطاب أرسله للمجلس الأعلي لتنظيم الإعلام. يؤكد فيه صراحة أن بعض الأعمال تم عرضها دون الحصول علي موافقة هيئة الرقابة!!.. ويطلب من المجلس التدخل لضبط المشهد الإعلامي. 

.. واقع حال الدراما تجسده لجنة الدراما بالمجلس الأعلي لتنظيم الإعلام والتي رصدت مجموعة من المخالفات في عدد من المسلسلات والبرامج تنوعت ما بين إيحاءات جنسية وألفاظ متدنية ولغة حوارية سوقية. 

.. ويحذر المجلس الأعلي المنتجين من العقوبات التي تتراوح بين الغرامة وحتي وقف بث العمل.. وطالب الجميع بالالتزام بالمعايير.. فإن حرية الإبداع لا تعني أبداً الانفلات والألفاظ البذيئة وهدم قيم المجتمع. 

.. إن مصر التي تعيش اليوم فترة من أصعب ما مر بها.. وتواجه تحديات لم يسبق لها أن صادفتا في أشد الحاجة إلي استنهاض كل قوتها الناعمة وفي المقدمة منها الدراما كي ترتقي بقيم المجتمع.. وتشارك في تثقيفه وتحثه علي المشاركة الفاعلة في بناء دولته. فإن للدراما مكانتها الخاصة في القدرة علي حمل الأفكار والمفاهيم والتأثير في الجمهور وتزويده بالمعلومات والارتقاء بالمستوي الثقافي والعلمي والأخلاقي للمجتمع بكل شرائحه.. والانصهار في بوتقة العطاء لتحقيق التنمية الشاملة للمجتمع. 

.. إن واحداً من أهمية الدراما أنها تخلق لدي المواطن تصوراته ذهنية يختزنها لكي تظهر تلقائياً عند كل موقف مشابه.. فإن كانت الصور الذهنية إيجابية كان المواطن إيجابياً.. وإن كانت فاسدة فسد المواطن والمجتمع أيضاً. 

.. إن خطورة الدراما وتأثيراتها أمر لم يغب عن قادة مصر ومفكريها.. وفي واحد من اللقاءات ناشد الرئيس عبدالفتاح السيسي صُنَّاع الدراما أن يكونوا عنصراً فاعلاً في بناء الإنسان المصري وتقديم دراما تستعيد الوعي المصري وتقف بجوار الدولة. 

.. إن المواطن في حاجة إلي دراما تغرس القدوة وتُعلي من رموز لا يمكن للوطن أن ينساهم فإننا عبر الدراما "السيرة الشخصية" نستطيع أن نقدم قاسم أمين وأم كلثوم والإمام محمد عبده. والدكتور أحمد زويل.. وغيرهم. 

.. نستطيع أن نقدم الدراما الدينية التي غابت عنا وتساهم في فهم صحيح الدين وسير الصالحين وأصول الفقه والدين. 

.. نستطيع أن نقدم الدراما التي تعمق الانتماء للوطن والتقاليد العريقة للأسرة المصرية. 

.. إن مصر وهي تخوض حرباً ضروساً ضد الإرهاب والإرهابيين في أشد الحاجة إلي دراما البطولات. فإن لدينا رموزاً وشهداء قدموا أعظم الملاحم والبطولات فصاروا رمزاً لمصر.. وللانتماء. 

.. إن أحداً لا يمكنه أبداً أن ينسي شوارع مصر. وبعض الدول العربية الخالية تقريباً من البشر وقت إذاعة حلقات مسلسل رأفت الهجان بأجزائه الثلاثة 1987 و1990 و1991 الذي جسد فيه المرحوم الفنان محمود عبدالعزيز شخصية البطل الحقيقي رفعت سليمان الهجان.. ومسلسل دموع في عيون وقحة عام 1980 التي جسد فيها الفنان عادل إمام شخصية البطل الحقيقي أحمد الهوان باسم جمعة الشوان والفنان صلاح قابيل الذي جسد شخصية اللواء عبدالسلام المحجوب. وأخرجه الراحل يحيي العلمي.. فإن عرض هذين المسلسلين إعلاء لقيم البطولة وتحقير للعمالة والخيانة.. وهو ما نحتاجه الآن. 

.. إن عشرات بل مئات المواقف البطولية لمصريين عظماء شاركوا في حرب 1973.. وما سبقها في حرب الاستنزاف ومعارك رأس العش والمنصورة الجوية وغيرهما. تستحق أن تفرد لها ساعات المشاهدة الطويلة فإنها تمتلئ بكل عناصر الدراما الناجحة.. فإن نشرها تعميق لانتماء شباب لم يشهد هذه اللحظات العظيمة وسياج يحمي الوطن من تربص الأعداء وأرباب الفتن. 

.. إن أرشيف المخابرات المصرية يمتلئ بالكثير من البطولات الحقيقية النادرة التي يمكن أن تكون ملهماً صادقاً لدراما هادفة تمثل حائط صد منيعاً ضد خصوم مصر.. ومعيناً لا ينضب ومخزوناً تراكمياً يؤصل لجذور الوطنية في نفوس المصريين. 

.. إن الدراما المصرية ضلت طريقها يوم تخلت عنها الدولة.. فإن دراما القطاع الخاص تقوم علي إرضاء النجم السوبر. وتنتج باسمه ولحسابه لإظهار بطولته هو.. لا بطولة الوطن. 

.. دراما نموذجها الأعلي بلطجي أو رجل أعمال فاسد. أو امرأة منحرفة.. فيها المعلم والنجم هو المتحكم. ويخرج العمل مشوشاً فإنه يفتقد النص القوي الواضح.. وكانت النتيجة أن تراجعت الدراما المصرية كثيراً.. وتقدم غيرها وسحبوا منها البساط. 

.. إنها دراما تركز علي أسوأ ما في المجتمع وشوارعه وبيوته.. وتتسلل إلي الأسرة المصرية. فالرجل "خائن".. والمرأة "ضعيفة". أو أنها متسلطة أو أنانية.. والابنة متزوجة عرفياً أو منحرفة. والشاب بلطجي أو فاشل أو مدمن!!! 

.. إن قوي الشر في العالم التي تتخذ من الفن والصورة وسيلة للغزو الثقافي وتفكيك الدول سوف يقف عاجزاً أمام دراما وطنية توظف البناء الدرامي لتحقيق التماسك المجتمعي والتلاحم الوطني وإعلاء المصلحة العليا للوطن. 

.. إن علاقة قوية تجمع بين الفن الأصيل وتعزيز فكرة الانتماء الوطني. فإن الدراما المتميزة تستطيع أن تنقل صورة واقعية تجسد بشكل مبسط أمام المشاهد تلك المواقف الصعبة.. والتضحيات العظيمة التي تخوضها أجهزة الأمن القومي في الخارج والداخل حماية لمصر والمصريين ودعماً للاستقرار وجهود التنمية فيها. 

.. إننا بحاجة ماسة لأن نسابق الزمن.. لبناء وعي المواطن وتبصيره بحجم التحديات التي تحيط بمصرنا وهو ما عبر عنه وزير الأوقاف في كتابه بناء الوعي بالحاجة إلي تشكيل وعي الأمة.. وخلق حالة من الوعي بالواقع.. والوعي بالتحديات واسترداد ذاكرة الأمة وإعادة تنشيطها وتخليصها مما علق بها من شوائب صنعها أعداء الأمة ومن وظفوه لخدمتهم من جماعات التطرف والإرهاب. 

.. إن الدراما تمثل الطريق المختصر لكشف المغالطات وتصحيح المفاهيم الخاطئة ونشر الفكر الوسطي المستنير والاقتناع بالحجة والبرهان للانطلاق بالمجتمع ثقافياً وتعليمياً وتربوياً وإعلامياً وقيمياً. 

..إن واقع حال الدراما المصرية في الشهر الفضيل يحتم التنفيذ الكامل والجاد لسائر العقوبات الواردة بلائحة مخالفات المعايير التي وضعها المجلس الأعلي لتنظيم الإعلام. فإنه لا قيمة مطلقاً للمعايير إذا لم ترتبط بالتنفيذ الصارم للعقوبات فإنه "يردع" بالسلطان من لم يردع بالقرآن. 

ثم الأمثل.. أن تستعيد الدولة زمام المبادأة في إنتاج الدراما.. لدينا مدينة الإنتاج الإعلامي وصوت القاهرة وقطاع الإنتاج والخبرة.. وينقصنا الإرادة والتمويل. 

.. عندئذي تعود الدراما قاطرة لبناء الوعي.. وحاضنة للقيم وحصناً للشباب من أعداء الوطن. 

[email protected]