كلام بحب

حكومة عالمية.. أم نظام أممى عادل ؟

كانت الأمم المتحدة تعد منذ سنوات للإحتفال بيوبيلها الماسي .. ولكن فيروس كورونا العابر للقارات أوقف كافة مظاهر الإحتفالية التى يرى الكثيرون فى العالم أنه لا داعى لها لان المنظمة الأممية لم تستطع منذ تأسيسها عام 1945 تحقيق الأمن والسلم الدوليين أو صياغة نظام عالمى عادل يحقق المساواة بين كل الدول الأعضاء بل إنها كرست للقوى العظمى فرض سيطرتها على 
‎المنظمة وهيمنتها على العالم 

‎ قدمت مصر رؤيتها لإعادة صياغة نظام دولى جديد يقوم على أساس العدالة واحترام خصوصية كل دولة .. وذلك من خلال الكلمة التى وجهها للعالم الرئيس عبدالفتاح السيسى عبر «الفيديو كونفرانس» وتناول فيها كافة القضايا والمشاكل التى تهدد السلم والأمن الدوليين ابتداء من تأثير جائحة كورونا وخسائرها البشرية والإقتصادية والإجتماعية إلى مكافحة الإرهـاب وانتقاد مجلس الأمن وعدم قبول ان تظل قراراته الملزمة دون تنفيذ من دول تظن انها لن تقع تحت طائلة المحاسبة لاسباب سياسية .. مروراً بأزمات سوريا وليبيا واليمن وحرص مصر على تجنيب الشعوب ويلات النزاعات المسلحة وسعيها الدائم لإطلاق عمليات سياسية شاملة للتسوية

‎ اعتاد الرئيس على حضور جلسات الجمعية العامة منذ دورتها 69 فى عـام  2014.. وكـان فى كلمته كل عـام يؤكد على القضية الفلسطينية وحق الشعب الفلسطينى فى اقامة دولته وعاصمتها القدس حتى يعم السلام والأمن كل شعوب المنطقة .. وكان من الضرورى ان يُشهد الرئيس العالم على تطورات مباحثات سد النهضة ليعرف الجميع ان مصر قدمت حسن النية ولكنها لن تسمح باستمرار المفاوضات للأبد لان مياه النيل ضرورة للبقاء دون انتقاص لحقوق الأشقاء .. واكد ان مصر تحتضن ‎ 6 ملايين لاجــيء يتمتعون بكافة خدمات الدولة التى تقدمها للشعب دون أن تتلقى دعما أو تتاجر بهذا كما تفعل معظم الدول التى بها مهاجرون و لاجئون من الدول التى تعانى من الصراعات والأزمات

‎تطرق الرئيس إلى عملية اصلاح المنظمة الدولية عندما طالب بضرورة معالجة مسألة التمثيل الجغرافى العادل فى مجلس الأمن ليكون تعبيراً عن واقع عالمنا اليوم وعن موازين القوى الراهنة .. واشار إلى ضرورة التعاون والتضامن الدولى فالأرض تسع الجميع ولابد من العمل ليسود السلام من اجل الأجيال الحالية والقادمة

‎تتفق رؤية مصر التى عرضها الرئيس مع ما قاله امين عام الأمم المتحدة انطونيو جوتيريش من انه لا أحد يريد حكومة عالمية ولكن يجب العمل لتحسين إدارة العالم .. بينما قال الرئيس الفرنسى ايمانويل ماكرون " بيتنا المشترك .. فى حال فوضى مثل عالمنا اليوم .. وهناك خطوط حمراء كنا نعتقد انه لا يمكن خرقها ولكنها خُرقت .. فهناك حروب للضم واستخدام للأسلحة الكيماوية كما يتم الاعتقال الجماعى مع إفلات من العقاب .. فالنظام الدولى أصبح أسير نزاعاتنا ولم يعد يقوى على فرض عقوبات ضد هذه الخروقات التى تحدث "  فاذا كان هذا رأى رئيس دولة لها حق الفيتو فى مجلس الأمن وتستطيع ان تعترض على أى قرار لا يعجبها أو تعرقل ما تعتقد انه ضد مصالحها فماذا عن 193 دولة أعضاء فى الامم المتحدة لا يتمتعون بحق الإعتراض ويعانون من عدم عدالة النظام الدولى ؟

*****
75 عاماً .. والأمم غير مُتحدة !!

لأول مـرة منذ 75 عامًا لا يتوافد زعماء العالم على نيويورك لحضور جلسات الجمعية العامة للأمم المتحدة التى تعقد اجتماعاتها
ابتداء من شهر سبتمبر كل عام طوال هذه السنوات .

فرضت جائحة كورونا وتوابعها شكلاً جديداً لقمة العالم حيث اضطر قادة ورؤسـاء الدول على اللقاء الإفتراضى وتسجيل  كلماتهم التى تعبر عن رؤيـة بلادهم للاحداث ومستقبل  العلاقات الدولية ثم اذاعتها داخـل القاعة الرئيسية التى تبدو خالية من الوفود باستثناء عضو واحد يمثل دولته مرتدياً الكمامة  ويجلس بينه وبين الوفد الآخر عدة امتار فلا تقارب او تواصل اتباعاً لتعليمات التباعد الإجتماعى والإجراءات الإحترازية المفروضة  على الجنس البشرى الذى يعيش على وجه الأرض .. وقد تكون  هذه الإجراءات احد مظاهر الإتفاق العالمى القليلة سواء بين الدول او الأفراد فى هذه الأيام !! 

فشلت المنظمة الدولية منذ تأسيسها فى 24 أكتوبر 1945  فى تحقيق اغلب الأهداف التى حددها ميثاقها الذى اتفق على وضعه مندوبو 51 دولة بعد الحرب العالمية الثانية .. وتتلخص هذه هـذه الأهداف فى حفظ الأمن والسلم الدوليين .. وتنمية  العلاقات بين الـدول على اساس احترام حق تقرير المصير للشعوب وان تتمتع جميعها بحقوق متساوية وتعزيز احترام  حقوق الإنسان والحريات دون تمييز بسبب الجنس أو اللون  أو اللغة أو الدين .. وتحقيق التعاون الدولى لحل المشكلات  الإقتصادية والإجتماعية والثقافية و الإنسانية ورفع مستوى  معيشة الشعوب وسد الفجوة بين الدول الكبرى والصغري!!

لا يخفى على أحد عدم تحقيق أى هدف .. فلا الحروب توقفت  ولا ساد السلام بين الأمم .. ولا تم السيطرة على انتشار الفقر  والجهل والمــرض بل زادت الفجوة بين الأغنياء والفقراء.. وأصبح  الإرهـاب يحاصر البشر متحالفًا مع الأوبئة والأمية و امتلأت خيام اللاجئين والمشردين الذين لا يجدون مأوى ادميًا مما أضاع أبسط حقوق الإنسان!!

المهم أن المنظمة الأممية التى جــاءت لانهاء الصراعات  استغلتها القوى العظمى كغطاء دولى يعطيها شرعية اشعال  الحروب وفـرض العقوبات على الـدول النامية .. ولم يتمكن  مجلس الأمن الذراع القوى للمنظمة ان يمنع تهجير المواطنين  من بلدانهم أو وقف مذابح التطهير العرقى كما حدث من سنوات فى رواندا أو يحدث ويتكرر الآن مع مسلمى الروهينجا  فى بورما!!

أمــام هـذا الفشل الــذى لم يعد يخفى على احــد .. تزايدت  الدعوات لإصلاح المنظمة قبل أن تنهار مثلما حدث لسابقها ُ عصبة الأمـم « التى أُنشئت بعد الحرب العالمية الأولـى عام 1919 وانتهت اكلينيكيًا عام 1939 مع اندلاع الحرب الثانية أى لم تستمر سوى 20 عامًا فعلياً وإن كان الإعلان عن انتهاء عصبة الأمم رسميًا قد تم فى 20 أبريل 1946 أى بعد قيام الأمم المتحدة بعدة اشهر!!

هناك من يعتبر ان صمود الأمم المتحدة لمدة 75 عامًا هو فى  حد ذاته نجاح يجب البناء عليه .. وقد يكون هذا ما دفع انطونيو  جوتيريش أمين عام المنظمة لان يقول فى افتتاح دورة الجمعية  العامة رقم 75 منذ ايام " أن وباء كورونا اظهر هشاشة النظام  العالمي .. ومع ذلك فقد تجنبنا حتى الآن وقوع الحرب العالمية  الثالثة وهذا انجاز يجب الحفاظ عليه " !!

كان كوفى عنان أمين عام الأمم المتحدة فى الفترة ما بين " 1  يناير 1997 وحتى 31 ديسمبر 2006 " قد كون لجنة من 16 عضواً لوضع اقتراحات لإصلاح المنظمة وجاء تقريرها متضمنًا 101 توصية أهمها تحديد المخاطر التى تهدد الأمن العالمى وفى مقدمتها  الفقر والأمراض المعدية وتلوث البيئة وانتشار الإرهاب " الذى  تم تعريفه " وتزايد الأسلحة النووية بدلاً من الحد منها . 

أعد التقرير الـذى نشر فى ديسمبر 2004 خبراء كان من  بينهم عمرو موسى الــذى كـان أمينًا عامًا وقتها لجامعة الدول العربية .. وطالب التقرير بتوسيع مجلس الأمن ليضم 24 دولة بدلاً من 15 ولكنهم لم يقتربوا من عدد الأعضاء الدائمين الخمسة الذين لهم حق الفيتو، مما يؤكد سيطرة الدول العظمى حتى على الخبراء .. رغم ان هذه الدول تكرر دائما ضرورة اصلاح المنظمة بشرط طبعا استمرار هيمنتها  وسيطرتها على المنظمة مما يعنى انه لا أمـل .. وأن النظام العالمى الجديد الـذى يتشكل حاليًا إذا لم يتسم بالعدالة  والمساواة بين الدول فسيكون مصيره الفشل أيضًا!!

*******
 .. وملفات «فنسن» تكشف فساد النظام المصرفى الدولي!!

‎فضيحة جديدة كشفت عن ضلوع 5 بنوك عالمية فى مساعدة مسئولين وتجار سلاح ومخدرات على القيام بعمليات غسل أموال واعادة تدويرها لمنحها الشرعية استغلالاً لثغرات فى اجراءات الحماية والمكافحة فى النظام المصرفى الدولي 

‎قامت وكالة مكافحة الجرائم المالية الأمريكية " فنسن " بتحقيق بالتعاون مع الإتحاد الدولى للصحافة الإستقصائية وبمشاركة 108 مؤسسات إعلامية من 88 دولة وتبين ان أموالاً تزيد عن 2 تريليون دولار تم تداولها عبر اكبر المؤسسات المصرفية فى العالم من بينها اكبر بنك فى كل من بريطانيا والمانيا.. وهذه الأموال التى نقلتها البنوك جاءت من أرباح حروب عصابات المخدرات ومبالغ منهوبة من الدول النامية وان اصحابها هم من المجرمين المحترفين ومن مسئولين فاسدين

‎ذكر موقع «بازفيدنيوز» الـذى شـارك فى التحقيق ان هذه الفضيحة التى اطلق عليها «ملفات فنسن» جرت ما بين عامى 1999 و2017 اى طوال 18 عاماً .. وان هذه الأموال غير النظيفة أصبحت شرياناً للإقتصاد العالمي .. وللأسف لا يوجد لدى الدول و لا حتى أمريكا الصلاحيات لضبط هذه التحويلات أو ايقافها

‎تأتى فضيحة «ملفات فنسن» بعد وثائق «ويكيليكس» التى نشرها جوليان اوسانج فى عام 2006.. ثم «أوراق بنما» التى اطلق عليها «أوراق الجنة» وتناولت حسابات رؤســاء دول وشخصيات عامة ونجوم رياضة كانوا يقومون بعمليات غسيل طذامـوال وتهرب ضريبى وكل ذلك يؤكد فساد النظام ‎الدولى السياسى والإقتصادى والمصرفى والأخـلاقـى  مما يعنى ان الحاجة لنظام عالمى جديد اصبحت مُلحة قبل انهيار العالم