جـيـهان سلَّام .. هـل " تُسحِّـر " في مالطة ؟!

 

"الإسلام المصري" مصطلح يدركه بعض المهتمين بالدراسات الإسلامية ..فالإسلام في مصر ليس هو في البوادي ولا حتي الحواضر الأخري . الإسلام في مصر وجد ضالته الممزوجة بطبائع الناس وعبق الأرض ، منذ أول نبي بعد آدم ، هو إدريس عليه السلام..ولا نظن إدريس ــ أول من تسلم رسالة السماء ــ تسلَّم شيئا غير الإسلام كجوهر ورؤية وهدف سامٍ.

هنا اصطبغ الإسلام بروح مصر ، وعمقها الحضاري الممتد أكثر من عشرة آلاف عام ، وحكمة أهلها ، وسماحتهم ، واعتدالهم ، وحتي سخريتهم ، وفنونهم ..وضمن " لمسات مصرية" كثيرة علي الإسلام جاء عمل التسحير والمسحراتي ، فتحول من تنبيه الناس لبعضهم من أجل السحور ، لفن وطقوس وسلوك وعادات وتأويلات .. حتي إن المسحراتي المصري ، منذ زمن الفاطميين ، إلي زمن فؤاد حداد وسيد مكاوي ، لم يعد دوره الإيقاظ لتناول الطعام ، بل تنبيه الغافلين ، والتشهير بالظالمين ، والسخرية من المستبدين ، والتحذير من الخائنين ومؤامراتهم ..وفي كل الأحوال يؤدي هذا الدور رجل ..

لكن ضمن هذه " اللمسات المصرية " رأينا مؤخرا تحولا في المسحراتي من رجل : شاعرا ومؤديا، إلي سيدة شاعرة ومؤدية وتربوية كذلك..هي الدكتورة جيهان سلام.

والحقُّ أن فن التسحير : شعرا وأداءً وموسيقي لم يكن هدفا لذاته حتي لو حققت د.جيهان سبقا في هذا الدرب ..بل هو وسيلة ضمن وسائل شتي للتعبير عن قضية محورية تستميت من أجلها ، هي ( مقاومة التطرف الفكري والديني عبر الإبداع ) .وقد وضعت بصمتها في هذا الصدد بإصدار سلسلة من الكتب للأطفال : شعرا وقصة ومسرحا ، مستخدمة أدة " الكتاب " ثم أداة ثانية هي التواصل المباشر مع جمهورها المستهدف بلقاءات في المدارس والندوات ومعرض الكتاب ..واستكشفت ــ منذ عام ــ أداة التسحير هذه ، فأمسكت بها ، وأبدعت فيها ..وغير كونها شاعرةً وباحثة ومؤدية فقد أضافت جديدا لهذا الدور ، بتوجهها للأطفال مباشرة ، وأنجزت حلقات عدة تحت عنوان ( مسحراتي القيم) .. هي لم تصرح باليأس من الكبار ومخازيهم وتخاذلهم ، لكن عوَّلتٌ كل التعويل علي القادم ، علي الغد ، علي الأطفال ..فقد يكونون خيرا من آبائهم وأجدادهم الأقربين !!

* * * * *
في العام الماضي وهذا العام ، بادرت د.جيهان سلام بمعالجة قضايا عدة ، من قبيل : التعايش مع الآخر ، الإرهاب والإرهابيون ، تنظيم داعش ، نهر النيل ، الطائفية ، دعم جيش الوطن ، التكفير والتجهيل ....عبر سياقات شعرية عذبة بسيطة لا تخلو من عمق ومن موقف واضح غير ضبابي ، كأن تقول :

جـاري المسيحي .. عيَّـــــد علـيَّ
أعطــاني نسخـة إنجيـل هــــديـه
أهديتـه مصحــف..وبصدق نيه ،
دعيت لـه دعـوه ساعــة الفطــار
اصحـي يا نايــم طــول النهــــار

فمن حق الجار أن نهاديه ، ومن حق الجار أن ندعو له ــ لا ندعو عليه بالفناء !! ــ وعليه أن يعرفني بقرآني وأعرفه بإنجيله .. فنحن مصر قبل هذا وذاك.. ثم تردد لازمتها الدائمة ( اصحي يا نايم طول النهار ) . ولم تقل التعبير الشائع ( اصحي يا نايم وحد الدايم ) ولا ( اصحي يا نايم في رمضان ) ..بل ( .. نايم طول النهار ) !! فيتجاوز المضمون معني الإيقاظ الحسي المباشر إلي الإيقاظ العام من كل وهدة سقطت فيها الأوطان ..فالسحور ليس نهارا ، لكن الغفلة التي تعانيها شعوبنا ممتدة نهارا وليلا !!

ولا يغيب روح مصر عن سياق ما أبدعت الشاعرة المسحِّرة .. وهي تقول :
مسحـــــراتي من عهــــد حـــابي
النيل نجــاشي عاشـــق تــرابــي
سمـاره مصــري وملامحه نوبي
شلاتين حلايب ..أهـل وقـرايب
ولا أي غاصب يعمــل وشـــايه
والنيــل مراكب شايله الحكــايه

فلتنظر كم من القضايا النقاشية ــ ولا نقول الخلافية ــ تعرضت لها الشاعرة التي وظفت كذلك من حيث الشكل عروسة علي شكل جدة ، وهي تصور حلقاتها وتذيعها علي الفيس بوك . لأن الجهات التي ينبغي أن تتبني مثل هذه المبادرات الوطنية والغبداعية الجديدة ، هذه الجهات غائبة أو مغيبة أو مؤجرة مفروشة لبعض المنتفعين ..ونحدد بوضوح : كيان الثقافة الرسمي المترهل بالفساد والحاضن لكثيرين من المتطرفين ، والطارد لكل عقل مبدع واجتهاد وطني قويم !!

* * * * *
ولا يغيب عن مسحراتي د.جيهان سلام سيناء الحبيبة :
يا عـــــم مينـــــا عايــزين روشتـــه
تجمعنــــا سينـــا .. صعيــد ودلتــــا
تجمعنـا فـيها طبليــــــه واحـــــــده
من غير دواعش .. من غير مـــزايده

ولك أن تتوقف عند أصالة الفكرة وشموليتها في أربعة سطور : سينا ، صعيد ، دلتا ، دواعش ..بدون طبل ولا زمر ولا تقليد ماسخ يمارسه بعض موظفي الثقافة الرسمية كسد خانة وأداء واجب وظيفي !! و ..

بالعنــــد فيهـــــم .. وفي أي جاهـــل
بينَّـــــــا مقابلــــه بعــــد الفطـــــــار
اصحــي يا نايــم طــــول النهـــــار

وللإنصاف ، لم تقصد الشاعرة في هذا التلميح موظفي الثقافة المسطحين ، بل قصدت الإرهابيين :
مسحراتي علي رزقي أسعــــي
بس الدواعش شايفيني بـــدعــه !
هايقولوا كافــر بيحب طبـــــله
وتشوفه عنتر
ويشوفها عبله
بالعنـــد فيهم وفي أي جــاهـل
بينا مقابلـــــه بعـــد الفطــــــار
اصحي يا نايم طول النهــــــار

* * * * *
وإذا كانت د.جيهان تقدم المسحراتي الطريف والجديد : شكلا ورؤية ، من ( منازلهم) ،فهل ستظل شحنات الأمل متوهجة لديها أم سينفد رصيد ذاك الأمل ؟! ألا تدرك يوما أنها كانت تسحر في مالطة ولم يلتفت المجتمع لدورها ؟! لا أظن أنها ستظل محاصَرة هكذا !! فمازال بمجتمعنا رمق من حياة !!!