هيرميس
الجهاز القومى لتنظيم الاتصالات

.. والسلام ختام

تنمية الانسان .. وسيلة وغاية

كان العرب أمة جاهلة أمية شديدة التنافر يضرب بعضهم رقاب بعض لأتفه الأسباب وينهب بعضهم أموال بعض لا لشيء إلا لاثبات القوة والجبروت.. وأرسل الله محمداً وأنزل عليه القرآن.. فأصبحت هذه الأمة شيئاً آخر وكأنها ولدت من جديد أو كأنها أمة غير التي كانت فعرفت العدل والإحسان والنظام والأمن والعلم وأصبحت أمة راقية تميزت بأفضل الخصال.

كانت بالفعل خير أمة أخرجت للناس تتعاون علي البر والتقوي وملكت العالم بحضارتها وحسن معاملتها وأصبحت نموذجاً في الانسانية التي جعلها الله خليفة في الأرض.. حتي ان أحد خلفاء المسلمين يوماً نظر إلي سحابة بها مطر وقال لها: »امطري أني شئت فسيأتيني خراجك«.. وحتي جاء يوم نادي فيه المنادي: من يريد طعاماً أو شراباً.. عسلاً أو دقيقاً فليأت بيت مال المسلمين فلم يذهب أحد لأنه لم يكن هناك فقر.. فماذا حدث لهذه الأمة؟ ولماذا يحدث معها الآن ما يحدث من تراجع وتخلف وانهزامية بل وأحيانا سفه.. انظر إلي من يقتل زوجته وأولاده لمجرد أن أحداً هدده بقتلهم؟! انظر إلي حال كثير من المسلمين الآن.. وقارن لتعرف كيف أنهم تراجعوا؟ فلماذا تقدموا أولاً.. ثم تراجعوا بعد ذلك؟

انها التنمية التي تعتمد علي القرآن والسنة وهما أساس الدين الإسلامي.. وقد ذكر لنا رسولنا الكريم انه ترك فينا ما إن تمسكنا به لن نضل بعده أبداً وهما القرآن والسنة..!

من هنا قلنا تنمية الانسان وليس التنمية البشرية.. ومن هنا كان الاهتمام بالوسيلة والغاية وليس أحدهما فقط.. لأن الإسلام لا يعترف بالوسيلة الخطأ حتي لو كان الهدف نبيلاً..!!

والتنمية في الإسلام علم.. وإيمان.. وعمل.. لأن التنمية ليست فعلاً فقط.. بل روح وفعل.. وأول مراحل التنمية تأثيراً هي الإيمان الحق.. فعندما يكون الإيمان هو الوسيلة والغاية والهدف.. يسهل كل شيء إذا حسنت النوايا وصدق العمل.. الإيمان ليس مجرد كلمة تقال.. إنها عقيدة في القلب وعمل بالجوارح.. والعمل ليس العبادات وحدها أي الصلاة والصوم والحج والزكاة.. بل ان المعاملات تأخذ حيزاً أكبر من العبادة.. والمعاملات هي الإيمان.. فمن كان مؤمنا حقا كانت معاملاته أصدق وأكثر فعالية وتأثيراً علي نفسه وعلي من حوله.

سيقول قائل: ما علاقة الإيمان بالتنمية الانسانية؟

الاجابة أبسط من السؤال نفسه.. لأن حقيقة الإيمان هي عقيدة في القلب تترجمها الجوارح بالعمل.. والإسلام مبني في عقيدته علي النظر العقلي والفهم المستنير.. والعلم الشرعي والكوني كلاهما يؤكد حقيقة الإيمان.

المؤمن القوي خير وأحب إلي الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير.. فالقوة هدف للمؤمن.. والعمل قرين الإيمان حيث تكررت عبارة »إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات« عشرات المرات في القرآن الكريم.. ولأن العمل الصالح في مفهوم البعض يعني أعمال العبادات فقط فلابد أن يعي المؤمن أن العمل الصالح هو كل أعمال الجوارح.. من عبادات ومعاملات وغيرها.. المهم أن تكون نابعة من الإيمان وتسير علي المنهج الإيماني.. وهدفها هو رضا الرحمن.

العمل الصالح عندما تكون نيته لوجه الله ويسير علي منهج الإسلام الصحيح ولا يستهدف إلا الخير فهو عمل صالح حتي لو لم تحصل علي نتيجته المتوقعة فإن الله سبحانه وتعالي سيجازيك خيراً.. إن آجلاً أو عاجلاً لأن ملك الملوك وحده رب العالمين.

لست واعظاً أو من رجال الدين ولست خبيراً في التنمية البشرية لكن سأحاول أن أضع نقاطاً فوق حروف التنمية الانسانية.. وأولها العلم.. فمن لم يتعلم سيكون مجرد آلة.. ومن لا يملك فكراً لن يستطيع أن يتقدم ومن هنا نصل إلي أولي خطوات التنمية الانسانية وهي: إخلاص النية لله في كل عمل تقوم به وأن يكون هدفك الأول هو رضا الله بهذا العمل ولا تستخدم وسيلة تغضب الله أو تخالف منهج الإيمان.. الأمر الثاني هو التعلم وليس عيباً أن يتعلم المتعلم لأن الجديد كل يوم أكبر وأوسع.. وليس المهم أن تكون ملماً بكل أنواع العلوم.. بل المهم أن تتعلم ما تفعله وتعمله وتحاول أن تبدع فيه.. ولا يتوقف تحصيلك في علم عند حد.. ولا عيب في التدرج العلمي.. فإن أفضل العلوم قربا إلي الله وهي العلوم الشرعية التي أنزلها الله علي حبيبه ونبيه محمد نزلت بالتدريج!!

العلم.. والفكر ضروريان للعمل أي عمل.. حتي لو كان مجرد عمل يدوي تقليدي.. لأنك إذا أردت أن تطور نفسك وتنميها تنمية صحيحة فلابد أن تعزز فيها الفكر والعلم.. فبدونهما لا تنمية!!

كثير من الفتيات والشباب يمتلكون مهارات يدوية مميزة ومع ذلك لا يستفيدون منها لأنهم لا يفكرون في كيفية الاستفادة من هذه المهارات التي وهبها الله لهم.. ولا يتعلمون كيف يطورون تلك المهارات.. بل إن بعضهم يعيش كما يعيش ويموت ولا يعرف أحد عن مهاراته المميزة شيئا.. ذلك لأنهم لم يحاولوا الاستفادة من تلك المهارات بالعلم ولم يفكروا في أبعاد وامكانيات تلك المهارات وكيفية استغلالها الاستغلال الأمثل..!

البعض يفكر ويطور ويتعلم ولكن بشكل سلبي في أن يظلم الأخرين أو يضر من حوله.. لذلك فإنه لا يحقق التنمية بشكل صحيح حتي لو حقق نجاحاً جزئيا في هذا المجال فإنه سرعان ما يتراجع ويخسر ذلك لأنه تخلي عن الأساس الأول وهو أن يكون عمله صالحاً لوجه الله.

نقطة أخري وهي لا تقلل من قيمة أي عمل أو تستخف به أو تعتبره درجة ثانية أو ثالثة فكل الأعمال مهمة وكل الأعمال ضرورية.. فأكبر أساتذة الطب يحتاج إلي الزبال.. لأن الزبالة إذا ظلت في بيته فستصيبه بالأمراض وأسرته ناهيك عن السلبيات الأخري العديدة لوجود الزبالة.. فالزبال ضروري جداً كما أستاذ الطب.

ونحن في الصف الرابع الابتدائي كان هناك درس في كتاب القراءة والمطالعة بعنوان »وعلي جمع الحطب« يحكي ان رسول الله- صلي الله عليه وسلم- كان علي سفر مع عدد من أصحابه الكرام وعندما توقفوا للاستراحة وإعداد الطعام.. قام الصحابة رضوان الله عليهم بتقسيم العمل فيما بينهم وهناك اتفاق ضمني ألا يتم تكليف الحبيب المصطفي بأي عمل فهم سيقومون بكل الأعمال ويتركونه للراحة.. نظر الرسول- صلي الله عليه وسلم- فوجدهم قد قسموا العمل فيما بينهم غير أن عليه الصلاة والسلام اكتشف انهم نسوا جمع الحطب والحشائش الجافة لتكون وقوداً للنار حتي يتم الطبخ علي هذه النار.. فوقف الحبيب بين أصحابه قائلاً: »وأنا علي جمع الحطب«!!

لقد قسموا الأعمال فيما بينهم ولكنه اختار أقل الأعمال قيمة في نظر البعض غير أنه لا أكل ولا طبخ بدون هذا الوقود فهو مهم أيضا.. لذلك اختار الرسول- عليه الصلاة والسلام- هذه المهمة حتي يعلمنا أن كل الأعمال مهمة وضرورية وانه لا يوجد عمل أقل قيمة من عمل آخر.. فالكل يتكامل مع الآخر حتي يتحقق الهدف وإذا أجدت في عملك- أياً كان- ستكون مميزاً فيه وتحقق أفضل النتائج علي كل المستويات مهما كانت قيمة هذا العمل وحتي لو لم يشعر بقيمته البعض فهذا ليس عيباً في عملك.. بل العيب فيمن لم يعرف قيمته!!

>> ومن النقاط المهمة في العمل: الاستخارة والمشورة والاستخارة أن تستخير الله سبحانه وتعالي في أي أمر مهم ستعمله وتحتاج فيه العون من الله.. وثق ان الله سيوفقك لما فيه الخير.. واقرأ دعاء الاستخارة بتمعن وتعقل وفهم ووعي لتعرف قيمته.. قال رسولنا الكريم- صلي الله عليه وسلم- »إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة ثم ليقل: اللهم اني استخيرك بعلمك واستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم فإنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب.. اللهم إن كنت تعلم ان »هذا الأمر« خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري فاقدره لي ويسره لي ثم بارك لي فيه وإن كنت تعلم أن »هذا الأمر« شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري فاصرفه عني واصرفني عنه واقدر لي الخير حيث كان ثم أرضني به« »ويسمي حاجته آي هذا الأمر«.

ولقد أمر الله سبحانه وتعالي سيدنا وحبيبنا محمداً- صلي الله عليه وسلم- بالشوري فقال سبحانه: »وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل علي الله« وبرغم ان الحبيب المصطفي هو المعصوم وهو المؤيد بالوحي فقد شاور أصحابه قولاً وفعلاً.. مثلما فعل في غزوة بدر عندما استمع لقول أحد أصحابه وغير مكان جيش المسلمين إلي جوار البئر.. كما شاورهم في الأسري بعد بدر وشاورهم يوم أحد في التحصن بالمدينة وشاورهم في أمر المنافقين في حادثة الإفك بل شاور علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد في أمر أمنا عائشة في حادثة الإفك وشاور أم سلمة يوم الحديبية محققا بذلك قول الله في المؤمنين: »وأمرهم شوري بينهم«.. فاستشر وخذ بالرأي الذي تراه صواباً وسديداً ولمصلحتك فيما لا يضر غيرك واستخر الله في أي أمر تراه شائكاً.

همس الروح

<< رحم الله محمود نافع رئيس تحرير »الجمهورية« الأسبق.. رحم الله قلباً صادقاً.. وعيناً ثاقبة.. وروحاً صادقة.. وضميراً حياً لن يموت.. الأخوة.. الصداقة.. والمحبة.. والصدق.. والإخلاص عندما تتجسد في شخص واحد اسمه محمود نافع الذي حلت ذكري وفاته السادسة منذ يومين.. ورحم الله أصدقاء بنفس الروح جمال كمال وسيد أحمد سليمان وعصمت حامد وعبدالعال الباقوري وسمية أحمد وشقيقي محمد جاب الله وكثيرين رحلوا ولا يتسع المجال لذكرهم.