هيرميس
الجهاز القومى لتنظيم الاتصالات

مجرد كلام

بين النيل والميكونج !!

 

تواترت الأخبار عن بدء أثيوبيا ملء خزان سد النهضة، وقالت الأنباء إن بعض محطات المياه في السودان توقفت عن العمل نتيجة الانخفاض الكبير والمفاجئ لمستوى المياه في النهر. ولا نعلم على وجه التحديد ما الذي ينتظرنا من هذه التصرفات الأثيوبية أحادية الجانب والتي لا تراعي الاتفاقيات التاريخية المتعلقة بمياه النيل وحصص دولتي المصب منها.

ولكي نتخيل ما يمكن أن يحدث، ما لم يتم توقيع اتفاقية شاملة من كافة الجوانب القانونية والفنية والتشغيلية لسد النهضة، ينبغي أن نلقي نظرة سريعة على حوض نهر الميكونج في آسيا وما حدث في العام الماضي لدول المصب التي ضربها الجفاف بينما كانت الصين التي ينبع منها النهر تتمتع بمستوى فوق المتوسط من الفيضان، بسبب ما أقامته من سدود، دون وجود اتفاقيات تنظم استخدام مياهه.

قالت دراسة أعدتها شركة ابحاث امريكية ان سدود نهر الميكونج الصينية احتجزت كميات كبيرة من المياه خلال فصل الجفاف المدمر الذي عانت منه دول المصب في العام الماضي، رغم أن الصين كان لديها مستويات مياه أعلى من المتوسط.

وقد اعترضت الحكومة الصينية على نتائج الدراسة، قائلة إنه كان هناك انخفاض في هطول الأمطار الموسمية العام الماضي على جزء من النهر البالغ طوله 4350 كيلومترًا.

هذه النتائج توصلت إليها مجموعة عيون على الأرض . Eyes on Earth Inc، وهي شركة أبحاث واستشارات متخصصة في المياه، ونشرتها ضمن دراسة "مولتها الحكومة الأمريكية". ومن الممكن أن تتسبب النتائج في تعقيد مباحثات شاقة وعسيرة بين الصين ودول الميكونج الأخرى حول كيفية إدارة النهر الذي يعيش عليه 60 مليون شخص لأنه يتدفق عبر لاوس وميانمار وتايلاند وكمبوديا وفيتنام.

جفاف العام الماضي، دمر حياة المزارعين والصيادين، حيث انخفض نهر الميكونج في دول المصب إلى أدنى مستوياته منذ أكثر من 50 عامًا، وتراجع مستوى المياه في النهر الضخم ليكشف عن ضفاف الرمال على جانبيه، وفي مناطق أخرى كانت المياه ضحلة جدًا وتفتقر إلى الرواسب.

قال آلان باسيست، خبير الأرصاد الجوية ورئيس مجموعة "عيون على الأرض": "إذا كان الصينيون يقولون إنهم لم يساهموا في زيادة حدة الجفاف، فإن البيانات تفند موقفهم".

وتشير قياسات الأقمار الصناعية في مقاطعة يونان الصينية، والتي يتدفق من خلالها نهر الميكونج، إلى أن هطول الأمطار وذوبان الثلوج، مجتمعين، بالمنطقة كانا أعلى قليلاً من المتوسط ​​ خلال موسم الأمطار الرطب من مايو إلى أكتوبر 2019.

وأظهرت القياسات إن مستويات ارتفاع المياه باتجاه مجرى النهر من الصين على طول الحدود بين تايلاند ولاوس كانت أقل بما يصل إلى 3 أمتار مما ينبغي أن تكون عليه.

وقال باسيست أن ذلك يشير إلى أن الصين "تمنع تدفق المياه خلال الموسم الرطب، حتى لو كان حجز المياه من جانب الصين يتسبب في جفاف شديد تعاني منه دول المصب".

ولطالما نوقش تأثير سدود الصين الـ11 في أعالي نهر الميكونج، لكن البيانات كانت شحيحة لأن الصين لم تنشر سجلات تفصيلية عن كمية المياه التي تحتجزها لملء خزانات السدود، والتي تقول مجموعة "عيون على الأرض" أن سعتها مجتمعة تبلغ أكثر من 47 مليار متر مكعب.

ووعدت الصين -التي لا توجد معاهدات رسمية تتقاسم المياه بموجبها مع دول المصب -بالتعاون في إدارة النهر والتحقيق في أسباب الجفاف القياسي الذي شهده في العام الماضي.

واعتبارًا من عام 2012، حيث تم إنشاء أكبر سدود الميكونج في الصين، بدأت قراءات مستوى النهر تتغير، وتزامن ذلك مع فترات ملء خزانات السدود الصينية خلال المواسم الممطرة وعند إطلاق المياه أثناء فترات الجفاف الموسمي. وكان الفرق واضحًا خصوصًا عام 2019.

لكن الخارجية الصينية، قالت في بيان لرويترز: إن مقاطعة يونان شهدت جفافًا العام الماضي وانخفض حجم المخزون عند السدود الصينية إلى أدنى مستوياته تاريخيا. و"بذلت بكين قصارى جهدها لضمان تصريف كميات معقولة" لدول المصب.

مع ذلك قال بريان إيلير، مدير برنامج جنوب شرق آسيا بمركز أبحاث ستيمسون في واشنطن، إن أقوال بكين لا تتسق مع بيانات الدراسة: "إما أن بكين تكذب أو أن مشغلي السدود يكذبون."

الدراسة أظهرت أن الصين، وهي دولة منبع حيث يبدأ النهر من هضبة التبت، لا تعاني نفس مصاعب الجفاف وهناك من تسببوا بشكل مباشر في خفض مستويات المياه بالحد من تدفق النهر.

من هنا نتساءل: من أدرانا ان أديس أبابا لن تفعل الشيء نفسه، خصوصا وأن النيل ينبع من هضبة الحبشة بأثيوبيا، وقد صرح مسؤولون أثيوبيون ببدء ملء سد النهضة علنا، كما أن انخفاض منسوب المياه في السودان دليل لا يقبل الشك على سوء النوايا الأثيوبية.

كذلك يعد نهر الميكونج أحد أكثر الأنهار خصوبة على وجه الأرض، حيث يمد عشرات الملايين من الناس بمياهه الغنية بالمغذيات ومصايد الأسماك. لكن سلسلة السدود، ومعظمها في الصين، بددت ثروات النهر، ويقول السكان، في تقرير للنيويورك تايمز، "إن حصيلة الصيد انخفضت بشكل كبير، وإن الجفاف المستمر والفيضانات المفاجئة ضربت المزارعين."

كذلك نهر النيل، ستتأثر عليه الزراعات ومصايد الأسماك مع محاولات أثيوبيا التحكم في مياهه من خلال ما يسمى بسد النهضة وغيره من السدود الأثيوبية!!

قال بريان إيلير، مدير برنامج جنوب شرق آسيا بمركز ستيمسون ومؤلف كتاب "الأيام الأخيرة من قوة الميكونج": "إن المشكلة تكمن في أن النخبة الصينية ترى الماء كملكية خاصة، وليس كملكية مشتركة."

أليس هذا الكلام هو ما ينم عنه السلوك الأثيوبي في التعامل مع مياه النيل، حيث ترى أديس أبابا أن المياه من ثرواتها الطبيعية وأن لها مطلق الحرية في الاستفادة منها، وذلك دون النظر إلى مصالح دولتي المصب وحقوقهما التاريخية في النهر؟؟

من هنا لا بد من وقف الجانب الأثيوبي عند حده، بكافة الطرق والوسائل وإلزامه بتوقيع اتفاقية شاملة لإدارة مياه النيل، بما يحفظ حقوق كافة الأطراف سواء في فترات الجفاف أو الفيضانات، وإلا فسوف نواجه مصيرا مجهولًا ووقتها لن يفيد الندم.