هيرميس
الجهاز القومى لتنظيم الاتصالات

عين العقل

بين الإمام وماكرون !!

بعد يوم واحد من بيان شيخ الأزهر الذى انتقد فيه مصطلح " الإرهاب الإسلامى " ، وناشد فيه عقلاء الغرب التوقف عن التصريحات المسيئة التى من شأنها زيادة حدة الكراهية والتعصب والعنف بين أتباع الأديان المختلفة ، وجه الرئيس الفرنسى مانويل ماكرون خطابا مثيرا قال فيه إن " الإسلام ديانة تعيش اليوم أزمة فى كل مكان بالعالم " ، كما أعلن عن إنشاء إسلام جديد يتوافق مع العلمانية وقيم الجمهورية الفرنسية . 

المفارقة واضحة بالطبع ، فشيخ الأزهر يتحدث عن ضرورة التزام الخطاب السياسى والدينى بما يشجع على الحوار وقبول الآخر والتعايش السلمى ، والتخلى عن استخدام المصطلحات المضللة التى تتسبب فى إثارة التوتر ، ويستنكر إلصاق تهمة الإرهاب بالإسلام أو بغيره من الأديان السماوية ، بينما تعمد ماكرون شيطنة الإسلام وإهانته ، والضغط على المسلمين فى بلاده لكسر كبريائهم وتذويب هويتهم ، وهو لايدرى أنه بذلك يشجع تيارات التعصب والعزلة ودعاة التكفير والهجرة. 

وقد نبه الإمام الأكبر إلى هذا المنزلق الخطير فى قوله : " إن الذين لايكفون عن إطلاق التصريحات الاستفزازية لاينتبهون إلى أنهم يقطعون الطريق على أى حوار مثمر بين الشرق والغرب ، ويرفعون من وتيرة  خطاب الكراهية بين أبناء المجتمع الواحد ". 

كان بيان الإمام يوم الخميس الماضى موجها بالأساس إلى وزير الداخلية الفرنسى جيرالد دارمانان الذى  ذكر فى تصريحات صحفية أن بلاده فى حرب ضد " الإرهاب الإسلامى " ، الأمر الذى أثار غضب الإمام من استخدام الوزير لهذا المصطلح البذيء ، فقد وجد فيه إصرارا على ربط الإرهاب بالدين الحنيف من دون الأديان الأخرى التى ارتكب  أتباعها  إرهابا يفوق الإرهاب المنسوب إلى مسلمين ، ومع ذلك لم تلصق صفة الإرهاب بأديانهم ، كما أن المصطلح يضفى على الإسلاموفوبيا فى الغرب طابعا رسميا ،  ثم جاء خطاب  الرئيس ماكرون فى اليوم التالى مباشرة ـ الخميس ـ  ليكرس الإسلاموفوبيا بالأفعال وليس بالأقوال والتهديدات فقط ، ويببشر بإجراءات قمعية  ضد المسلمين تحت ستار " الإسلام الجديد " .

وقد درج ماكرون من قبل على اتهام المسلمين فى فرنسا بأنهم انفصاليون يسعون إلى إقامة نظام مواز ، ومطالبتهم بأن يكفوا عن الحرص على تميزعقيدتهم ونمط حياتهم واختياراتهم ويندمجوا فى المجتمع الفرنسى ، وأعطى بذلك فهما مريبا لقضية الاندماج ، يقوم على  ضرورة التخلى عن العقيدة ونظامها الدينى والذوبان فى المجتمع ، وإسقاط أية ادعاءات عن تعدد الأديان والثقافات فى بلد علمانى يدعى الحياد إزاء الدين ، وعدم التدخل فى شئون الأديان. 

وكان من الطبيعى أن تواجه هذه الاتهامات والمطالبات بانتقادات واسعة من قبل الجاليات المسلمة ، ومن المسلمين ذوى الأصول الفرنسية ، الذين رأوا فيها محاولة مكشوفة لاستمالة الناخبين اليمينيين قبل الانتخابات الرئاسية فى 2022 ، وهروبا من الفشل الذى يلاحق ماكرون ، ففى كل مرة تكون فيها فرنسا مأزومة اقتصاديا واجتماعيا يخرج الرجل ليقول إن المشكلة فى الإسلام ، وتساءل بعضهم : هل لن يكون المسلم الفرنسى مواطنا صالحا ومندمجا إلا إذا شرب الخمر ولعب القمار وارتاد المراقص الليلية وأدان الحجاب وشجع الشذوذ والاختلاط فى حمامات السباحة وأكل لحم الخنزير ؟! 

وفى خضم هذا الجدل جاء خطاب ماكرون الذى كشف فيه عن رؤيته السلبية للإسلام كديانة تعيش فى أزمة ، حسب زعمه ، فقد تناول هذه المرة الإسلام وليس الجماعات المتطرفة ولا الإرهابيين ، ومشكلته صارت مع الإسلام صراحة ، ومطلبه أن يتحلل المسلمون من التزاماتهم الدينية التى لم تعد مناسبة ، ويندمجوا فى المجتمع الفرنسى بقيمه وتقاليده التى يسميها " قيم الجمهورية العلمانية " ، ثم تجاوز ذلك إلى التعهد بأنه سينشئ دينا إسلاميا تنويريا ، وسيدرب جميع أئمة مساجد فرنسا على هذا الدين ، وسيجبر المساجد على قانون 1905 بفصل الدين عن الدولة . 

وتقضى استراتيجية ماكرون هذه ، التى سيعهد بتطبيقها لرؤساء البلديات ، بإنهاء استقبال أئمة من الخارج ، وتقييد تعليم أطفال المسلمين فى منازلهم ، ومراقبة أكثر صرامة للمساجد والجمعيات والمنظمات الرياضية والمدارس التى تربى الأطفال على القيم الدينية حتى لاتتحول إلى جبهات لنشر التعاليم الإسلامية ، وتدخل الدولة فى تفاصيل الجمعيات والمدارس لإجبار التلاميذ على قيم الجمهورية العلمانية ، وضرب أمثلة لهذه القيم فيما يتعلق بممارسة السباحة بملابس السباحة المتعارف عليها ، وأكل اللحوم دون تمييزحتى لو احتوت على لحم خنزير ، وغير ذلك من تفاصيل يراها مهمة لمنع التطرف الإسلامى.

 تحدث ماكرون فى هذا الاتجاه بحماس دينى مغلف بغلاف علمانى متشدد للغاية ، يقصى الآخرين  ولا يحترم هويتهم وخصوصيتهم ، ويتنكرلمبادئ التعددية الثقافية والدينية ، ويعتبر " قيم الجمهورية " دينا يعلو فوق كل دين بحجة المساواة والاندماج ، ويتدخل فى الحريات الشخصية المبنية على قناعات دينية ليفرض بالجبر والقسر نمط حياة واحدا على الجميع . 

والحقيقة أن ماكرون يتعامل مع الإسلام بازدواجية مقيته ، فهو يحترم الأديان ويتسامح مع رموزها ، لكنه لايتسامح مع أى رمز إسلامى ، وهو يرفض الإساءة للأديان وينتفض ضد أى نقد يوجه إليه شخصيا ، لكنه يعتبر الإساءة لنبى الإسلام صلى الله عليه وسلم من حرية التعبير، وبذلك يكشف عن تمكن " الإسلاموفوبيا " منه ، ليصبح هو المأزوم وليس الإسلام الذى يمثل أكثر الأديان انتشارا على وجه الأرض رغم الأموال الطائلة التى تنفق لتشويهه ، ورغم الانتكاسة الحضارية التى يعيشها المسلمون ، ورغم الصراعات التى خلفها الاستعمار الغربى للمسلمين شرقا وغربا.