• مصر
  • Loading...

رئيس مجلس الإدارة
سـعــــد سـليــــم
رئيس التحرير
عبد النبى الشحات

أخر الأخبار
د. إيمان بيبرس

برديات مدن الياسمين.. ملحمة في حب الوطن

بقلم .... د. إيمان بيبرس

الاثنين 05 نوفمبر 2018

ليس كتابًا للتسلية تقرأه بينما أنت في طريقك إلى عملك أو سفرك ، بلهي سيرة ذاتية لمصر وتاريخها، وفي كل كلمة ووصف معنى عميق يجعلنا نتساءل من هو الابن البار زين الموعود بالانتصار ؟ هو كل بطل مصري ضحى ويضحي بحياته، كل بطل مصري من أيّام رمسيس الثاني الجندي المصري الذي انتصر في المعارك ضد الهكسوس وفِي عين جَالُوت وحتىأكتوبر، قصة الدم المصري الغالي الذي يروي أرضنا وبكل فخر يحمي الأرض والعرض. برديات مدن الياسمين لصديقتي أميره بهي الدين ليست رواية عادية،بل هي أحاسيس متدفقة تجعلنا على دراية بحضارتنا وما كتب على جدران معابدنا، فتاريخ مصر وأولادها لا ينقطع وصلة الدم بين الجد الصقر وبين أحفاده النسور حقيقه يغفلها الكثيرون ، لكن الخمسةأجزاء لرواية"برديات مدن الياسمين" توضح وتشرح ذلك بعمق وحب وقدرة هائلة يتميز بها أسلوب أميرة الشيق. بالرغم من عدم انتشار الروايات التي تتكون من أكثر من جزء خلال هذه الفترة وإن كان أشهرها خماسية عبد الرحمن منيف "مدن الملح"، أو ثلاثية نجيب محفوظ إلا أن أميرة بهي الدين عادت إلينا بمثل هذا النوع من الروايات لتكون أول كاتبة عربية ومصرية تنشر خماسية، فروايتها ما هي إلا ملحمة مكونة من خمسة أجزاء بعنوان "برديات مدن الياسمين" مستندة على روح المصري القديم من خلال استخدام لفظة "برديات " وكذلك "الياسمين" والذي رسم قدماء المصريين نقوشًا له على جدران معابدهم جنبًا إلى جنب مع زهرة اللوتس. واختارت الانتقال المكاني بين خمس مدن مصرية أسوان، الشرقية، السويس، القاهرة ، والأسكندرية لتروى لنا تاريخ هذا البلد العظيم مصر عبر سبعين عامًا ما بين 1947 – 2017 مع الالتفات إلى الماضي بداية من أحمس وتحتمس الثالث إلى الحملة الفرنسية وغيرها من البطولات التي سطرها المواطن والجندي المصري في مواجهة الاحتلال والظلم دفاعًا عن أرضه الطيبة كيميت. اندهشت بمعمار هذه الرواية الفريدة فأنا أعرف أن أميرة بهي الدين محامية، لكن هذا المعمار الروائي الفخم يوحي بمهندسة معمارية روائية، وهو مكون من خطين زمنيين متوازيين، فنحن مع رواية أجيال تبدأ بعلاقة المصاهرة بين بيت المعلم زكي من أسوان والمعلم رضوان المنسي من الشرقية، فالخط الزمني الأول للرواية تبحر بنا أميرة بهي الدين لاستعراض تاريخ مصر من خلال هذه العائلة. فبداية من عام 1947 وبالرغم من عدم ذكرها لنكبة 1948 معتمدة على ملامح الفخر الوطني بشكل أكبر مرورًا بثورة 1952 والجلاء وبناء السد العالي وتحويل مجرى النيل ونكسة 1967 وتهجير سكان مدن القناة ثم وفاة الزعيم جمال عبد الناصر وتولي الرئيس أنور السادات الذي لبى نداءات الجماهير الراغبة في الثأر لكرامتها التي تمثلت في الحركة الطلابية 1972 وانتصار أكتوبر 73 ومعاهدة السلام ثم اغتيال أنور السادات وتولى مبارك للحكم والذي انتقت له بعض المواقف فقط وهي الموقف الأول 25 أبريل 1982 واستلام سيناء ، والموقف الثاني 2006 حين فازت مصر بكأس الأمم الإفريقية ، وأثناء حضوره للمباراة وتشجيعه للمنتخب كان العشرات من ركاب عبارة السلام في مياه البحر الأحمر يغرقون بل ولا يوجد من ينتشل جثثهم لتكريمها ، والموقف الثالث وهو الخطاب العاطفي الذي ألقاه أثناء ثورة 25 يناير وحالة التعاطف التي سادت بين الجماهير تجاهه، ثم مرحلة ما بعد الثورة وتولى الإخوان للحكم وما فعلوه ورفض الروح المصرية لتجار الدين لتكون نهاية الرواية وبداية المستقبل التي يسطرها الرئيس عبد الفتاح السيسي ببردية الانتصار بثورة 30 يونيو. ولكن لم تقتصر أميرة بهي الدين على الشأن الوطني المصري فقط، فمصر هي قلب العروبة ولا تتجزأ عن محيطها العربي، فنجد سخط هذه الأسرة الممتدة (أبطال الرواية) من أحداث مثل الاشتباكات التي حدثت بين الأردن ومنظمة التحرير الفلسطينية في سبتمبر 1970 والتي على أثرها دعا الزعيم جمال عبد الناصر لقمة عربية توفى على أثرها، وكذلك حروب الخليج واجتياح العراق للكويت ومشاركة مصر في تحرير الكويت وحالة الغضب من احتلال القوات الأمريكية للعراق. كل هذه الأحداث تمر بشكل شيق عبر شخصيات الرواية التي تمتد من الأصل إلى العديد من الفروع يحمل كل منهم جزء من الحكاية أو يعبر عن رأيه فيما يحدث من حوله،فبرديات مدن الياسمين هي ملحمة مصرية لتاريخ مصر عبر أجيال ، فهي رواية أجيال تاريخية تسعى من خلاله الكاتبة إلى قراءة التاريخ للاستفادة منه والإحساس بالفخر لبطولات أبناءه الذين سقت دماؤهم أرض كيميت الحبيبة فنجد بطلة الرواية "عسلية" تقول: "الضنا غالي يا زين، لكن الأرض أغلى، والعمر عزيز يا زين يا حبيبي لكن الانتصار أبرك وأعز من كل عزيز، فاهمني؟!" أما الخط الزمني الثاني للرواية، فهو لزين المنسي حفيد هذه الأسرة المصرية الأصيلة البطل الذي يتحدى مشقة الجو والأرض والتضاريس والشوق لزوجته وابنه ليحارب في سيناء ضد الأعداء الجدد لمصر الذين يريدون تدميرها أو كما اسمتهم الكاتبة" الضباع الجيف"، فزين المنسي مثل لهؤلاء الأبطال الذين يحملون أرواحهم على كفوفهم يهدونها للغالية مصرعن طيب خاطر لمواجهة مؤامرة إسقاطها ، ولكنها لن تسقط فروح زين وغيره من الأبطال لن تسمح بذلك أبدًا فكل الشهداء الأبطال مسلمين ومسيحيين يدافعون عن مصر ، فزين نجده بجانب جورج ، وأحمد الدرديري إلى جانب أبانوب يد واحدة في وجه دعاة الظلام والجهل. ولكن لا تكتفي أميرة بهي الدين بذلك بل تستدعي في إطار فانتازي الصقر "حورس" رمز البطولة المصرية والفداء والتضحية والنصر،فهو ابن ايزيس وأوزوريسوقد أطلقت عليه بالرواية لقب "وش السعد"، ليدور حوار بينه وبين زين لنستمع إلى بطولات الرفاعي والضابط مهندس باقي زكي والفرقة 21 مدرعات وغيرهم من أبطال العصر الحديث، بينما نستمع من الصقر "وش السعد" بطولات أحمس وتحتمس الثالث وحورمحب ليقيم زين على جدار غرفته حائط بطولات بأسماء الشهداء الأبطال أصحاب النصر في كل زمان على أرض مصر ليدخلالاثنان في مقطوعة وطنية واحدة عندما يوضح "وش السعد" عن هويتهوذلك من خلال هذا المقطع من الرواية: "أنا روح مصر يا منسي، من أنا؟ أنا أنت يا منسي، أنا كل مصري ومصرية، أنا نحن، أنا روح مصر يا منسي، وأنت أيضًا روح مصر يا منسي، جميعنا روح مصر، جميعنا قبسُ من نورها، دفء من شمسها، شربة عذبة من نيلها، حكمة راسخة من تاريخها، معنى عميق من كتابها، نغمة شجية من ترانيمها، رسمُ زاهٍ من فوق جدرانها، اسمُ خالد من صفحتها، زهرة ياسمين صبوح من شجرتها، هذا أنا يا منسي، وهذا أنت، وهذا كل ابن بار بالأرض الطيبة، حارس لحضارتها ووجودها، يحمل عمره على كفه فداءً لها، ويرسم بدمه على أرضها الطيبة ابتسامات المستقبل وطمأنينة الأولاد، نحن روح مصر يا منسي" ولا تكتفي أميرة بهي الدين بالصقر حورس "وش السعد" في هذا الإطار الفانتازي ولكننا نجد أيضًا بالرواية شخصية"أم تميمة"وهي شخصية تنتمي لعالم الواقعية السحرية بقدرتها على كشف المخبوء وتمهيد الخطى للعائلة عارفة الماضي متنبأة بالمستقبل. مما لفت انتباهي أن أميرة بهي الدين جعلت شخصيات روايتها هم من يحكون حكاياتهم، فيما يعرف بتقنية "الأصوات" في الكتابة الروائية وهو ما يضفي المزيد من التشويق وارتباط القارئ بهذه الشخصيات والدخول لعالمها ووجهة نظرها تجاه المواقف والأحداث، ولكنها لا تكتفي بذلك بل تجعل من الجمادات والأماكن حكائين لتلك الملحمة أيضًا كشاهدين على هذه الوقائع فنجد البيوت كدار الخيرات (بيت المعلم زكي) والبيت الكبير (بيت المعلم رضوان) وحائط البطولات الذي صنعه زين المنسي للأبطال المصريين أو شجرة الياسمين والجميزة والشكمجية والمقعد الخشبي وكورنيش أسوان والسويس فكل منهم يحكي ما مروا به من أحداث وشخصيات سواء لهذه العائلة أو ما مر به الوطن مما يضفي مزيدًا من الثراء والتنوع في هذه الملحمة الروائية البديعة. ""أحسست أننا ننام على قنبلة موقوتة، علينا نزع فتيلها قبل أن تنفجر في وجوهنا جميعًا، كيف؟ كيف؟" من خلال هذه الجملة على لسان زين المنسي تقرع أميرة بهي الدين ناقوس الخطر تجاه من يحاولون غسل أدمغة أولادنا بأفكارهم المضللة ليصبحوا وقودًا لمؤامراتهم الخبيثة، فنعم زين المنسي بطل مصري يحارب الإرهابيين وتجار الدين الذين حاولوا بأساليبهم الوضيعة خلخلة الاستقرار والنيل من الروح المصرية دون جدوى، بداية من الاغتيالات السياسية ومنها محاولة اغتيال جمال عبد الناصر في حادث المنشية 1954 واغتيال السادات ومحاولة اغتيال مبارك 1995 بأديس أبابا والعمليات الإرهابية بالتسعينيات والتي ذكرت منها الكاتبة تفجير مقهى وادي النيل بالتحريروحادث الدير البحري ثم دورهم في ثورة 25 يناير ووصولهم للحكم ومحاولتهم لتغيير الهوية المصرية ثم داعش وحرب مصر ضد الإرهاب. ولكن بعيدًا عن أصحاب المصالح الشخصية والمتآمرين داخليًا وخارجيًا على مصر، يثير بطل الرواية زين المنسي التساؤل كيف نحمى أبناءنا المصريين من مخططات المتآمرين الشريرة لتحويلهم إلى إرهابيين وكأنهم قنبلة موقوتة تنفجر في وجوهنا؟! وهو ما يشير إلى مسئولية المجتمع بمختلف مؤسساته فالأسرة والمدرسة والمسجد والكنيسةوالإعلام والمجتمع المدني والمؤسسات الثقافية المختلفة عليها أن تقيم درع حماية لأبنائنا من الأفكار المتطرفة وتجار الدين الذين يسلبون إرادتهم من خلال فكرهم المغلوط لتحقيق مآربهم الخاصة وتدمير الوطن. إنهن حفيدات إيزيس يا منسي، أصل الحضارة المصرية، وأصل الوجود.. هذه النساء العظيمات، هن جنود في جيش مصر، بطلات مقاتلات، ولو ترك لي الاختيار يا وش السعد، لعلقت صورهن جميعًا على حائط الشرف والفخر، فكل رجل يحارب يقاتل حفاظا على مصر وحماية لها، ويمنحها روحه وحياته، بجواره وخلفه ومعه سيدة مصرية حفيدة من حفيدات إيزيس، مقاتلة قوية، شجاعة رؤوم حنون، تحمى ظهره وتطمئن قلبه، وتدعمه نفسيًا وعاطفيًا، وبكل الطرق الممكنة ليحارب ويقاتل ويقدم كل جهده وعقله للوطن." وأنا كرئيسة لجمعية نسويةوهي جمعية نهوض وتنمية المرأة كان عندي فضول شديد لكيفية تناول المرأة في هذه الملحمة ودورها في بناء الوطن وحمايته والدفاع عنه، فوجدت المرأة هي الأصل هي الجذر هي الوتد مثل شخصية"فاطمة تعلبة" في رواية خيري شلبي الشهيرة، فعسلية هي المحور الرئيسيالتي تصنع توازن العائلة وقدرتها علىالاستمرار وتصحيح مسارها إذا أخطأت وهي الوقود لتشجيع أبنائها وأحفادها على مواصلة الكفاح وهي منهل الحب والعاطفة والوطنية. وكما يُقال في الفلاحين "النساء شبك" فعلاقات المصاهرة هي التي ستجمع مدن الياسمين وهي في هذه الرواية أسوان، الشرقية، القاهرة، السويس، والأسكندرية، فالمرأة هي التي تجمع بين هذه المدن من خلال زيجات جمعت بين عائلات مصرية من قبلي وبحري والقناة. كما توجد نماذج كثيرة أخرى في الرواية تعكس عظمة المرأة المصرية مثل شخصية"راوية" من الأسر المهجرة من السويس بعد نكسة 67 و"وداد" زوجة زين، وأعجبني للغاية فهم أميرة بهي الدين لتطور المرأة المصرية واقتحامها مجالات الحياة ففي الجيل الثاني نجد "صفية" التي درست تاريخ بلادها القديم بكلية الآثار وتصر على السفر إلى انجلترا لمواصلة دراستها والوصول إلى المزيد من المعلومات والأبحاث رغم معارضة الأم التي ستفتقدها ولكنها تذهب لتنال أعلى الدرجات العلمية عن حب وشغف وليس لمجرد التباهي بهذه الدرجات ، ففي أيام ثورة 25 يناير لا تتردد د.صفية في النزول لحماية المتحف المصري الذي يجمع تاريخ بلادها بين جدرانه، وكذلك أمهات وزوجات الشهداء اللاتي يزغردن بدلًا من سكب الدموع لأنهن يعلمن أنهم ذهبوا فداء للوطن وكرامته ودفاعًا عن قيمه وحضارته. لابد أن نشير أيضًا إلى قدرة أميرة بهي الدين على مزج التفاعلات الاجتماعية العائلية وصهرها في الأحداث التاريخية التي مر بها الوطن لصنع ضفيرة واحدة تمثل ملحمة وطنية للشعب والجيش لصنع البطولة وتقديم أسمى معاني الفداء والتضحية، وكذلك المزج بين اللغة الفصحى الرصينة في الحكي ، بينما تستخدم لغتنا العامية في حوار الشخصيات والتي أثرت الرواية بشكل كبير وعبرت عن قوة الترابط بين شخصيات الرواية، وكذلك القدرة على تضفير الأمثال والأغاني التراثية والأغاني الحديثة والفلكلور الشعبي في نسيج مصري يعبر عن ثقافتنا وتراثنا الجميل. وفي الجزء الأخير من الرواية "بردية الانتصار" تسرد أميرة بهي الدين كيف صمد الشعب المصري ضد أخونته وتغيير هويته من خلال أبطال منهم المستشار/ خالد المحجوب والمستشار /عدلي منصور ووعي الشعب المصري الذي ثار في مظاهرات نحو الاتحادية غضبًا من " مرسي" وقراراته التي تحاول هدم الأسس الدستورية والقانونية لبلد الحضارة وأخرى نحو وزارة الدفاع لكي تدعو وزير الدفاع وقتها المشير /عبد الفتاح السيسي للنزول للالتحام بجموع الشعب للنهوض بالبلد وحماية حضارتها وثقافتها فيلبي النداء بعد أن خرجت الجماهير بالملايين في كل محافظات مصر في الثلاثين من يونيو التي تكتب السطر الأخير في عهد مضى والسطر الأول في بردية الانتصار والمستقبل. فالإبحار بين صفحات هذه الرواية الفريدة، ومهارة أميرة بهي الدين في سرد القصص لشخصيات من أزمنة وأماكن مختلفة في تشابك وتلاحم جميل وتعبيرات قوية تجعل القارئ لا يريد ترك الروايةقبلالانتهاء من قراءتها. في "برديات مدن الياسمين" بأجزائها الخمسة "بردية الميلاد"، "بردية الوجود"، "بردية المقاومة"، "بردية التحدى"، وبردية الانتصار" تاريخ مصر عبر عائلة زين عزيز رضوان المنسي ترويه شخصيات وأماكن يشعر معاه القارئ بالفخر بوطنه وتاريخه وحضارته وبعظمة ومجد الانسان المصري مواطنًا وجنديًا يفدي وطنه بروحه ودمائه ضد كل من يحاول النيل منها. ------------------ خبيرة دولية في قضايا النوع الاجتماعي والتنمية الاجتماعية وخبيرة في تطبيق التنمية المستدامة في المناطق العشوائية