المؤسسة المالية والاستثمارية الرائدة في الاسواق الناشئة والمبتدئة
  • مصر
  • Loading...

رئيس مجلس الإدارة
سـعــــد سـليــــم
رئيس التحرير
عبد النبى الشحات

د. أبو الفتوح صبري

بالثقافة أم بالقانون نحارب الكورونا

بقلم .... د. أبو الفتوح صبري

الثلاثاء 24 مارس 2020

 

كانت هذه نقطة نقاش بيني وبين أحد القائمين على البحث العلمي في مصر، فهو يرى ضرورة الثقافة في مثل هذه الأزمات، وأنا أوافقه على هذا، لكن كيف أنشر الثقافة وسط أفراد غير مثقفين، كيف أفعّل الثقافة وسط فقراء تعليم وعلم ومال وأخلاق، ولا يلتزمون أدنى معايير السلامة ولا يعرفونها.. هم يعتبرون أنفسهم ميتون بالفعل، فلماذا يعيش غيرهم إذن؟! إن مثل هؤلاء لا يخافون الموت بقدر ما يخافون الجوع.. وهنا نطرح سؤالاً هل كان الجميع في الصين أغنياء ولديهم ثقافة المسئولية المجتمعية التي مكنتهم من التكاتف لحصار الفيروس؟ الجواب قطعا لا، لكن بالصين قانون يخافه الجميع ويطبق على الجميع.. بالصين لا واسطة ولا تجاوز أو تسامح في حق المجتمع، خاصة في مثل تلك الأيام العصيبة.. في الصين وجميع البلدان التي لديها مقدرات أكبر مننا، خاصة صحيا، لديهم قانون يُفرض حتى يصير ثقافة، فثقافة بلا قانون أمر يخضع لأهواء البشر وحالتهم المزاجية وتكوينهم الثقافي واختياراتهم الفردية، ومثل هذا لا يمكن أن يخلق مسئولية مجتمعية تحمي الكل، بل هي ثقافة مشوهة تداري خلفها جبال من جهل عظيم، يكفي لتدمير الكرة الأرضية، إذن القانون ولا شيء غير القانون حتى يسير القانون ويلتزمه الجميع كثقافة.

وأذكر من المواقف التي تؤكد تلك الرؤية، فمثلا قوانين المرور موجودة في مصر لكن لا يلتزم بها الناس والسائقين لأن الحكومة لا تحرص على تطبيقها، أو تطبقها في بعض الأوقات وتتغاضى عنها في أوقات أخرى، وأقصد بها لجان المرور التي تنتشر في بعض الطرق أو بعض الأماكن، والتي يحرص السائقون على الالتزام بالقانون إلى أن يتم تجاوزها، ونحن جميعا شهدنا ذلك، فما أن يمر السائق من اللجنة حتى ينطلق يلهو بسيارته وبركابها كيفما يشاء بلا مراعاة لأدنى مقاييس السلامة والآمان،  لماذا يحدث هذا؟ لأنه أمن العقاب، فلا عين ترقبه، ولا أحد إيجابي يبلغ عنه.. وأتذكر ذات مرة أنني كنت عائدا من دولة آسيوية وكان موعد الطائرة فجرًا، وكيف أن السائق ملتزم بإشارات المرور رغم عدم وجود سيارات أو ناس في الشارع، ورغم خلو الشوارع خارج المدينة من كاميرات المراقبة، والتي يعتمد عليها النظام الشرطي في فرض الغرامات وتسجيلها، وعندما سألته عن سبب التزامه، قال إنه تعود وتربى على ذلك منذ الصغر، وأنه طالما أخذ مخالفات  لكسر القانون من دون قصد أو دراية منه، فالأولى أن يلتزم به.

إنني ما زلت أعيش في الخارج لكن قلبي في بلدي، وأحرص على معرفة جميع تفاصيل انتشار الفيروس في مصر، خوفا على بلدي من هول لا يقدر أغلب الشعب ماهيته، والحقيقة أنني كنت سعيدًا بالقرارات التي اتخذتها الحكومة المصرية، خاصة القرارات الحكومة الخاصة بالجانب الاجتماعي لفئات مصرية معدومة، ومراعاة الكيانات الاقتصادية  المتضررة، وأيضا الجانب الصحي من وقف الدراسة، ووقف حركة المطارات، وغيرها، لكن استهتار بعض الفئات والتزام بعضها الآخر ربما يؤخر الفاجعة .. لكن لن يمنعها  لقد أوقفت الدراسة، لكن لم تقف المقاهي والأسواق الشعبية بصورة نهائية، زما السر في استمرار عمل المقاهي 12 ساعة وإغلاقها 12 ساعة، وهل المشكلة في التوقيت؟ كما أن المقاهي لا تلتزم أصلا، فهناك مقاه تعمل وهي مغلقة، يجلس فيها الناس وأبوابها مغلقة، وهكذا تظهر من الخارج، وهناك المقاهي في الأماكن الشعبية والشوارع الجانبية تفتح أبوابها طوال الوقت في تحد صارخ للقانون وقرارات الحكومة.. أوقفنا سناتر الدروس الخصوصية، فشرع المعلمون يذهبون إلى البيوت في مجموعات يكونها الطلاب.. أوقفنا الأسواق فعقدها أهلها في غير أوقاتها نهارا أو ليلا، إن مثل هذه الفئات حما ستكون أول المتضررين بالفيروس، لكن الشيء الأكيد أنها ستكون سبب هلاك الحرس والنسل.. واسمحوا لي أن أقارن ذلك بالمدينة التي أعيش فيها الآن، فبمجرد اكتشاف حالات لا تتعدى 10 حالات قامت الحكومة بإيقاف الدراسة والمطارات والأسواق والمطاعم والمولات وألزمت من يدخل الأماكن الرسمية والصيدليات ومن يمشي بالشارع بالكمامة، وأوقف حركة القطارات والطيران الداخلي، وحاصرت المدينين الكبيرتين اللتين سجلا أكبر عدد من الحالات، ورغم عدم تجاوز العدد الإجمالي 50 حالة إلا أنك لا تجد في الشوارع  1% مما يكون فيها في الأيام العادية من السيارات والناس.. التزم الجميع بيوتهم، وأوقفوا الزيارات والتجمعات والحفلات، مع استخدام أعلى معايير الوقاية والنظافة، والالتزام بكل قرارات الشرطة والحكومة، في عدم الخروج بغير ضرورة ومن دون كمامة، ولا تجد مطعما أو محلا  يتلاعب ويغش، وهذا إنما هو نابع من مسئولية مجتمعية ناتجة عن ثقافة حقيقة فرضها القانون حتى أتاها الناس طائعين مختارين، هذه هي الثقافة التي نريدها.. الثقافة التي تًفرض حتى تصير قانونا.. والقانون الذي يطبق حتى يصير ثقافة.. حمى الله مصر.
-----------------------------

   * موفد الوكالة المصرية للشراكة من أجل التنمية- وزارة الخارجية المصرية إلى جامعة "كازنو"- كازاخستان