رَمَضَانَ والناس
هيرمس
  • مصر
  • Loading...

رئيس مجلس الإدارة
سـعــــد سـليــــم
رئيس التحرير
عبد النبى الشحات

جيهان عبد الرحمن

برقيات

اولاد البلد

 الشاب جهاد يوسف زكي لم يفكر كثيرا وهو يشاهد أسرة جيرانه تستغيث وألسنة اللهب والدخان الكثيف تخرج من منافذ الشقة وكادت ان تصل إلي البلكونة الملجأ والملاذ الأخير لهم بعد أن فروا إليها عقب اشتعال النيران فجأة في كل أركان مسكنهم  نتيجة ماس كهربائي في لمبة بحجرة الأطفال بالطابق الرابع بمنطقة الزاوية الحمراء.  "سبا يدرمان " كما لقبه أهل الحي تسلق مواسير الغاز المثبتة علي واجهة العقار بعد أن فشل في الحصول علي حبل مناسب و تأخر وصول المطافئ و الإنقاذ أو حتي الإسعاف فقام هو بمساعدة الجيران  بإنقاذ جاره وهو رجل مسن وأبنته وحفيديه من الموت حرقا مستغرقا حوالي نصف ساعه وهو يحملهم علي ظهره الواحد تلو الأخر، الشاب الجميل قال في حوار صحفي لم افكر بموتي أو إصابتي لكن كنت أفكر في وسيلة لإنقاذهم قبل أن تصل اليهم النيران، ولو كنت توفيت وقتها سأكون شهيدا بأذن الله،

هذه هي شهامة وجدعنه أولاد البلد التي تظهر وقت الشدة دون أية حسابات للمخاطر الشخصية التي قد تلحق بهم، أحدهم سارع لفصل الكهرباء وأخر تسلق المواسير وتباري كل منهم في لحظة اختبار حقيقيه لإنسانيتنا وفطرتنا السليمة التي جبلنا عليها، هؤلاء هم من تباروا في إطفاء المشتعلين حرقا في محطة مصر الشهر الماضي بعد حادث القطار الرهيب الذي مازالت ذكراه الأليمة عالقة بالأذهان، وهم أنفسهم أولاد البلد الذين ربما نصفهم بصفات سلبيه نتيجة المتغيرات الكثيرة التي نالت من الشخصية المصرية  التي وصفها علماء الاجتماع ومنهم شيخ التربويين الراحل د. حامد عمار وهو يرصد ذلك التحول ويصف المصري بالفهلوي الهبيش.

 في قصة بطولة جهاد يوسف لم يطلب الشاب " الجدع " وقت تكريم محافظ القاهرة له أي مطلب شخصي لنفسه  بل طالب بسرعة مساعدة الآسرة المنكوبة خاصة وأن عائلها عامل سابق بأحد شركات الحديد والصلب وكل ما حصل عليه الشاب حين كرمه المحافظ " درع المحافظة " وشهادة تقدير وصوره للذكري.

 لكن ما توقفت عنده بالفعل هو قول أم الطفلين بعد إنقاذهم.. أنها بعد الحريق اكتشفت احتراق جميع محتويات الشقة  فأصابها الحزن وتذكرت أنها أشترت ملابس جديده لعيد الفطر المقبل لنجليها قبل غلاء الأسعار في شهر رمضان المعظم وقالت " أنا علي قد حالي "  لكن الملابس للأسف احترقت.

دعونا نتحدث عن الرحمة والإنسانية التي  تظهر وقت الشده لكنها قد تتواري خجلا في الظروف العادية، دعونا نستدعيها طوال الوقت خاصة وأننا في أيام مباركه دعونا نتحرى الخير في أعماقنا، حتى في الدعاء بالخير إلى الله بالرحمة والمغفرة عند الموت أو الشفاء عند المرض، نجد من يدعو بكل خشوع  لموتى ومرضى المسلمين فقط وكأن رحمة الله بيد الداعي يوزعها كيف يشاء، وكأن سائر مخلوقات الله من بشر وحيوان ونبات محرومة من تلك الدعوات الخاصة، لو فكر هؤلاء بقلوبهم وعقولهم قليلا لعلموا أن رحمة ربى وسعت كل شيء وكل البشر، أصحاب الديانات السماوية والمعتقدات الوضعية، لو تأملوا لعلموا أن ما من ورقة شجر تسقط إلا بعلمه ولا تنبت إلا بإذنه، وما من دابة على الأرض ولا طائر يطير بجناحين إلا أمم أمثالنا لكن علمها عند ربى. رحمنا الله برحمته الواسعة ورزق كل أصحاب الحاجات من حيث لا يحتسبون.