هيرميس
الجهاز القومى لتنظيم الاتصالات

شهادة

انفجار بيروت .. والفاعل المرفوع

 

انفطرت قلوبنا لفاجعة بيروت ، تابعنا تفاصيلها بشغف ولهفة ، عرفنا ـ تقريبا ـ كل شيء عن الانفجار وأسبابه وكيفية حدوثه وحجم الدمار الذى أحدثه وأتى على نصف العاصمة الأنيقة ، وهو دمار يقارب ما فعلته قنبلة هيروشيما االذرية ، وأدركنا  خطورة العواقب الوخيمة المتوقعة على الإنسان والبيئة فى لبنان ومحيطه بسبب الغبار الذرى والسموم التى غطت سماء بيروت ، لكننا وقفنا صامتين فاغرى الأفواه أمام أهم شيء يجب أن نعرفه ، وهو الفاعل الذى قام بهذا الجرم ، وهل هو حادث عادى أم ناجم عن هجوم ، فما زال هناك حرص عجيب على أن يظل إسم الفاعل مرفوعا ومغيبا ، لايسأل عنه أحد .

عرفنا أن الانفجار سببه اشتعال مواد شديدة الخطورة كانت مخزنة فى الميناء " المرفأ " منذ 2011 ، بالإضافة إلى  مواد كيماوية ونووية سامة وكميات ضخمة من نترات الأمونيوم " 2750 طنا " كانت الجمارك قد صادرتها عام 2014 من على متن سفينة متجهة إلى موزمبيق ، وبالتالى تم توقيف مدير الجمارك والتحقيق معه ، ووضع المسئولين عن مخازن الميناء تحت الإقامة الجبرية ، وإجراء تحقيقات شاملة وعاجلة المفروض أن تعلن نتائجها خلال خمسة أيام .   

وتتوالى المعلومات عن حجم الخسائر فى الأبنية ومحطات الكهرباء وعدد  القتلى وآلاف المصابين والمفقودين ، وأكثر من 300 ألف مشرد ، ناهيك عن مخزون المواد الغذائية  الذى لم يعد يكفى أهل لبنان لأكثر من شهر واحد ، والبلد كان يعانى أصلا من أزمة اقتصادية خانقة مما يهدده بمجاعة قريبة . 

ووسط هذه الأجواء الحزينة جاء احتفاء بعض اللبنانيين بزيارة الرئيس الفرنسى إيمانويل ماكرون ودعوتهم لعودة الاحتلال الفرنسى حدثا مدهشا ، كان نوعا من التنفيس عن الغضب المكتوم فى النفوس ، أو حنينا إلى حكم الاستعمار بعد أن فشلت النخبة الحاكمة ـ المستندة إلى  أساس طائفى وليس إلى عموم الشعب ـ فى إدارة شئون البلاد ، وبعد أن خلقت هذه النخبة لنفسها توازنات وشبكات مصالح  تضمن بقاءها وهيمنتها ، ولكن فات على هؤلاء المتطلعين لعودة الاستعمار الفرنسى أن فرنسا نفسها هى من أبدعت لهم النظام الطائفى وكرسته ،  ووفرت له الحماية وقاومت أية دعوات لتغييره أو حتى تطويره ، لكى يظل لبنان منقسما ومتناحرا لايلتئم . 

 لم يأت ماكرون إلى لبنان على جناح حمامة السلام ، وإنما جاء ليؤكد ويجدد الروابط بين فرنسا وواحدة من مستعمراتها القديمة ، كما فعل مع مالى وغيرها من دول أفريقيا الفرانكفونية ، وتصريحاته فى بيروت حملت الكثير من شواهد الرغبة فى التدخل لإدارة الشأن اللبنانى ، بل حملت من الغمز واللمز مايكفى لإعادة إشعال الحرب الأهلية .

ومع كل هذا اللغط بقيت مسألة من الفاعل مستبعدة ولو مؤقتا ، ولا يشار إليها إلا من خارج الحدود ، وقد اكتفى الرئيس اللبنانى ميشيل عون بأن يقول مثلما قال الرئيس ترامب إن الحادث ربما يكون ناتجا عن إهمال أو عن هجوم بصاروخ أو بقنبلة ، وأنه رغم قسوته ساعد فى كسر عزلة لبنان وفتح عيون العالم على أزمته وضرورة دعمه ، بينما يقول خصوم إيران إن حزب الله هو المسئول عن تخزين المواد شديدة الاشتعال ، ويجب أن تكون  اللحظة حاسمة  لنزع سلاحه وإخراجه من معادلة الحكم ، لكن أمين عام الحزب حسن نصر الله  نفى بشدة أية علاقة لحزبه بتخزين مواد كيماوية من هذا القبيل . 

على الجانب الآخر هناك من يتهمون إسرائيل بتدبير الانفجار عمدا عن طريق عملائها ، أو بضرب المخازن بصاروخ أو قنبلة أو طائرة مسيرة ، وذكر شهود عيان أنهم رصدوا طائرة مسيرة فوق منطقة الميناء قبل الانفجار مباشرة ، ثم إن إسرائيل هى الوحيدة صاحبة المصلحة فى تفجير الوضع اللبنانى بعد تهديدات نتنياهو قبل  أيام قلائل بأنه سيعاقب  حزب الله ، لكن الدولة اللبنانية وسوريا سيعاقبان أيضا .

ليس معنى ذلك أن دائرة الاتهام مغلقة على حزب الله وإسرائيل فقط ، فالوكلاء كثيرون والمصالح متشابكة ومتداخلة ، والمنطقة تموج بتيارات وتحولات رهيبة ، ربما يكون انفجار بيروت تمهيدا لها ، وما سيأتى عقب إعلان حكم المحكمة الجنائية الدولية الأسبوع القادم  فى جريمة اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريرى ، وما تحمله الدعوة لتدويل الأزمة اللبنانية الحالية رغم اعتراض الرئيس عون ، سيكشف كثيرا من طلاسم المشهد . 

Xxx
كتبت الأسبوع الماضى فى هذه الزاوية مقالا عن " التنمر والأمن القومى " نبهت فيه إلى خطورة ظاهرة الإنقسام المجتمعى والطبقية الجديدة التى تنتشر فى بلادنا وتخلق تيارا عنصريا يحتقر الآخر ولايؤمن بأن المصريين شعب واحد بصرف النظر عن الاختلاف فى الدين أو المذهب أو الطائفة أو العرق أو اللون أو المستوى الاجتماعى ، وتلقيت الكثير من ردود الأصدقاء والقراء ، المؤيد منها والمعارض ، لكننى توقفت أمام وجهتى نظر رأيتهما تعبران عن تيارين مختلفين ، وجهة النظر الأولى كتبها صديق يقول : " من قال إننا شعب واحد ،  قبل الثورة كانت هناك طبقة الباشوات والباكوات والأفندية ثم العامة ، كان الأولون يسكنون المدن والآخرون فى الأرياف ، وعند الانتقال من طبقة إلى أخرى كان هناك حرص على مجاراة سلوك وآداب الطبقة الجديدة ، ولكن بعد الثورة تم إذابة الفوارق بين الطبقات فزحفت العامة وتدريجيا فرضت سلوكها وذوقها ، وأصبحنا نرى شاكوش وبيكا ونمبروان والشيشة والتحرش ، وأنا لاأفهم كيف تذهب محجبة إلى مكان يتداول فيه الخمر أو تتعرى فيه الأجساد ". 

أما وجهة النظر الأخرى فقد كتبها صديق يقول : " التمييز الطبقى بدأ منذ فترة طويلة فى الإعلانات التليفزيونية الموجهة إلى فئة دون الفئات ، مثل الإعلانات السكنية التى تدعوك لأن تعيش مع أناس من نفس مستواك ، أو جامعات الصفوة  أو أو ...إلخ ، وهذه الإعلانات لم تجد من يتنبه لخطورتها ويمنعها حتى لاتؤدى إلى انقسام المجتمع ، ثم جاءت الطامة الكبرى التى تؤسس فعلا للتمييز العنصرى ، بل تجعله أمرا عاديا فى نفوس أبنائنا ، ألا وهى المدارس الخاصة والدولية التى لاتقبل إلا طلابا من طبقة معينة ، وتجرى مقابلات مع الأطفال وأولياء أمورهم لترى مدى انطباق الشروط عليهم ، فيترسخ فى ذهن التلميذ من صغره وفى ذهن أبويه أنهم فعلا من طبقة أخرى ، بل ربما من كوكب آخر ، وهكذا نربى أبناءنا ، ونتباهى أمامهم بأن المدرسة التى قبلتهم لاتقبل أى أحد مما ينمى لديهم إحساس الطبقية والعنصرية ، فكيف تتوقع أن تكون حياتهم بعد ذلك ،  لابد أن يزداد التنمر وتتسع دائرة العنصرية والطبقية فى مجتمعنا ، وللأسف سيكون القادم أسوأ إن لم نحارب هذه الظاهرة بالجدية الواجبة ". 

التعليقان متعارضان كما ترى ، لكنهما يعبران عن وجهتى نظر موجودتين فعلا فى الواقع ، وما زال الحوار مستمرا .