المؤسسة المالية والاستثمارية الرائدة في الاسواق الناشئة والمبتدئة
  • مصر
  • Loading...

رئيس مجلس الإدارة
سـعــــد سـليــــم
رئيس التحرير
عبد النبى الشحات

عبد المنعم السلموني

مجرد كلام

انتبه .. أنت في عصر الفضاء!

 

في مقال سابق، تحت عنوان: "وباء على الأرض وعداء في السماء"، كتبت عن الصراع الدائر بين الدول الكبرى حول أولويات الحصول على موارد القمر والكواكب الأخرى. وتناول المقال أيضا أنظمة الدفاع ضد الأقمار الصناعية العسكرية وأقمار التجسس.

وربما أسهم ذاك المقال في فك بعض الألغاز، حول الهدف من قيام الدول المتقدمة بإنفاق الكثير من الوقت والمال في تطوير المركبات الفضائية والتقنيات التي تساعد البشر في الانطلاق إلى الفضاء وتساعدهم على استكشاف الكواكب البعيدة بينما، تواجهنا على الأرض، تحديات ومشكلات ملحة تبحث عن حلول.

وفي المقال الذي بين أيدينا نستعرض بعضًا من الفوائد الجمة لتكنولوجيا الفضاء.. ففي كل عام، تنفق الدول الغنية مليارات الدولارات على تطوير تقنيات الفضاء. ولو نظرنا إلى ميزانية 2020 لوكالة الفضاء الأمريكية "ناسا" نجد أنها تتجاوز 20 مليار دولار، كما بلغت ميزانية وكالة الفضاء الأوروبية "إيسا" ما يعادل 15مليار دولار في عام 2019. هذا بخلاف ما تنفقه كل من الصين وروسيا والهند وغيرها على برامجها الفضائية.

وقد لا يدرك كثير من الناس أن تطوير تقنيات استكشاف الفضاء أفاد الأرض في مجالات عديدة، خاصة فيما يتعلق بالاتصالات ومراقبة الأرض وحتى تعزيز النمو الاقتصادي. بل قد يصاب البعض بالدهشة إذا عرف أن تقنيات الفضاء تؤثر بصورة حاسمة ومذهلة على صناعة القرار في حكومات الدول المتقدمة، بل وعلى صناعة القرار الشخصي في الحياة اليومية للإنسان العادي.

مع ذلك، وفي وجود المزيد من المشاكل التي تهدد الكوكب بأكمله، مثل تغيرات المناخ والأزمات الإنسانية والهجرة الجماعية وغيرها مما قد يستجد، يثور التساؤل: ما مدى فعالية الاعتماد على تقنيات الفضاء للحفاظ على أرضنا والحياة عليها؟

غني عن القول إن تغيرات المناخ تتسبب في ظهور تحولات بيئية في جميع أنحاء العالم، مما يؤدي إلى هبوب العواصف والأعاصير المدمرة وأنماط الطقس التي تشكل تهديدًا متزايدًا ومستمرا لاستدامة الحياة على الأرض. ويمكن للأقمار الصناعية أن تفعل ما هو أكثر من مجرد التنبؤ بتوقعات الطقس اليومية. نعم، يمكن للأنظمة الفضائية إنقاذ آلاف الأرواح من الظواهر الجوية المدمرة كل عام. وقبل تكنولوجيا الأقمار الصناعية، وقعت كوارث كبرى، مثل الإعصار الذي ضرب تكساس عام 1900، والذي قتل ما يتراوح بين 6000 إلى 12000 شخص لأنه لم تكن هناك أنظمة إنذار مبكر تسمح للناس بتفادي الخطر. كما كانت بيانات الأقمار الصناعية التابعة لوكالة الفضاء الأمريكية "ناسا" هي الأولى التي كشفت عن وجود ثقب هائل في طبقة الأوزون فوق القطب الجنوبي. ومنذ ما يزيد على عقد من الزمان، لم يكن أحد يستخدم، بشكل فعال، تطبيقات الطقس أو تطبيقات الخرائط عبر الإنترنت للوصول إلى المكان الذي يريده.

هناك أقمار صناعية لرصد الأرض وهي تراقب تركيزات غازات الاحتباس الحراري وغيرها من مؤشرات المناخ، بينما تسمح لنا أيضًا بتحليل صحة النظام البيئي للأرض بشكل دقيق ومفصل. على سبيل المثال، أدت التقنيات التي تم تعديل استخداماتها الفضائية، مثل نظام تحديد المواقع الأرضية GPS والخلايا الشمسية المصنوعة من أشباه الموصلات، إلى خفض انبعاث غازات الاحتباس الحراري بشكل كبير. كما يقلل نظام تحديد المواقع الأرضية (GPS) من استخدام الوقود في البحر والبر والجو بنسبة تتراوح من 15 إلى 21%، وهذه النسبة تفوق ما توفره المحركات الحديثة أو التحول لأنواع الوقود الأكثر كفاءة. كما أن طاقة ضوء الشمس، التي استخدمتها وكالة ناسا لأول مرة في مشاريع مثل محطة الفضاء الدولية، أدت إلى تحسينات هائلة في أداء ألواح الطاقة الشمسية على الأرض. وفي المستقبل، يمكن لمحطات الطاقة الفضائية المدارية أن ترسل باستمرار طاقة نظيفة ليلا أو نهارا من خلال الإشعاعات الموجهة، مهما كانت الظروف الجوية على الأرض. وبتحرير تكنولوجيا الطاقة الشمسية من الاضطرابات الجوية، ستصبح أكثر كفاءة من التكنولوجيا المستخدمة حاليا، حيث سيؤدي إطلاق محطات توليد الطاقة الشمسية إلى الفضاء لإخلاء الأراضي الزراعية وغيرها من صفوف الألواح الضخمة، كما سيوفر الأماكن التي يتم تخصيصها لدفن نفايات الألواح الشمسية المهملة.

ويتسبب تغير المناخ في إلحاق الضرر أيضًا بالإنتاج الزراعي وإدارة مصائد الأسماك ومصادر مياه العذبة والغابات. ومع ذلك، تسمح الأقمار الصناعية المخصصة لرصد الأرض بتتبع وتحديد الأنشطة الضارة بيئيًا مثل القطع غير المشروع للأشجار، والصيد الجائر للحيوانات، وحرائق الغابات، والتعدين. وكلما رصدنا هذه الحوادث بدقة، كان بإمكاننا اتخاذ إجراءات مبكرة وفورية للمساعدة في إيقافها. وبدون هذه الأنظمة، لن يكون لدينا طريقة علمية لتقييم ومعالجة تغيرات المناخ.

ويشير تقرير على موقع سبيس دوت كوم إلى أن عمليات الرصد والمراقبة الفضائية لا تساعد فقط على حماية المجتمع من آثار تغيرات المناخ، ولكن يمكنها أيضًا تحسين أحوال المجتمع في قطاعات التجارة والصحة العامة والسلامة الوطنية. وإذا كان نقص الغذاء العالمي، على سبيل المثال، يشكل إحدى الأزمات الإنسانية التي تؤرق العالم، فإن صور الأقمار الصناعية يمكن أن تحدد غلة المحاصيل من خلال صور مكبرة، مما يسمح للمزارعين بفهم مواعيد ري المحاصيل وتخصيبها وحصادها، وهذا أيضا يمكن أن يوفر في استهلاك المياه والأسمدة. كما أن تصوير الأرض باستخدام نطاقات طيفية قريبة من الأشعة تحت الحمراء، يسمح بتكوين مؤشر لإنتاجية المحاصيل. ويمكن للأقمار الصناعية أيضا جمع البيانات عن المناطق الزراعية، التي تشكل 37 في المائة من مساحة اليابسة.

والأكثر من ذلك، أن تطبيقات البيانات الضخمة لتكنولوجيا الفضاء مفيدة للدول النامية، المعرضة للكوارث الطبيعية، وذلك بسبب مواردها المحدودة. حتى أن مكتب الأمم المتحدة لشؤون الفضاء الخارجي لديه منصة للمعلومات الفضائية لإدارة الكوارث والتحرك في حالات الطوارئ، وهو يستخدم البيانات الضخمة وتكنولوجيا الأقمار الصناعية للاستجابة للكوارث الطبيعية في البلدان الأفريقية. ومع وجود كمية متزايدة من البيانات التي توفرها تكنولوجيا مراقبة الأرض، ووسائل التواصل الاجتماعي، ونظام تحديد المواقع الأرضية، والأدوات الافتراضية والوصول إلى الإنترنت، يمكن أن تساعد هذه البيانات الضخمة في تكوين رؤى وتصورات تسمح باتخاذ قرارات أفضل في حالات الطوارئ مع الالتزام بأهداف الاستدامة.

وخلال السنوات الخمس إلى العشرين عاما القادمة، سنشهد تحولًا كبيرًا في تقنيات الفضاء الأكثر تقدمًا. ومن المتوقع أن تكون هناك شبكات ضخمة للأقمار الصناعية، ووسائل النقل تحت المداري السريع من نقطة إلى نقطة (مما يوفر انبعاثات الوقود) كما سيتم إقامة شبكات لوقاية الأرض من اصطدام الكويكبات بها، وهو ما قد يتسبب في تكرار قصة انقراض الديناصورات وإلحاق دمار هائل للحياة على كوكبنا. وعلى الرغم من أن التكنولوجيا لا تزال في مهدها فسيكون لها بصماتها الواضحة.

وتبشر شبكات الأقمار الصناعية الضخمة بمستقبل واعد، حيث يمكن لهذه الشبكات تعزيز الكفاءة والقدرة والسلامة لمجموعة متنوعة من الخدمات الأرضية والمستخدمين التجاريين في قطاعات النقل البحري والطاقة والمصارف والحكومة والاتصالات. وباستخدام البيانات الكبيرة، ستشكل المجموعات الضخمة شبكة إنترنت أقوى وأعلى سرعة مع زيادة الإنتاجية والتغطية العالمية التي تفيد البلايين من مستخدمي الإنترنت بشكل يومي. وحاليًا، تهدف شركات تكنولوجية عديدة إلى تحسين شبكات الأقمار الصناعية الضخمة.

لقد أصبحت تقنيات الفضاء ه جزءًا لا يتجزأ من المجتمعات المتقدمة. وبينما تساعد هذه التقنيات على استكشاف الكون بدرجة أكبر، فإن مستوى الابتكار والاستكشاف المطلوبين للقيام بذلك سيساعدان على معرفة الكيفية التي يمكن بها دمج هذه الأدوات وتكييفها بشكل هادف للاستفادة منها في حياتنا على سطح الأرض. ورغم أن الرحلة لا تزال طويلة لتطوير هذه التقنيات، إلا أنه يمكن الاستفادة بما تم إنجازه لتعزيز التقدم في المجتمعات صاحبة التكنولوجيا الفضائية، والعمل على حماية كوكبنا في نهاية المطاف.

وإذا كان البعض منا يعيش حياة "العصر الحجري"، أو "عصر الإنسان الصياد جامع الثمار"، فمن حقنا، ومن حقه أيضا، أن نقول له: 

انتبه.. أنت في عصر الفضاء!!