هيرميس
الجهاز القومى لتنظيم الاتصالات

عين العقل

المساجد .. والعدادات الكودية


المساجد بيوت الله فى الأرض ، وزوارها ضيوف الرحمن ، وما أجمل أن يراها الإنسان فى أبهى صورة ، عامرة بالمصلين والعاكفين والذاكرين والمسبحين والقارئين لكتاب الله ، ومنذ القدم أفاض الله بالفضل على أقوام اختصهم دون الناس جميعا بتحمل مسئولية عمارة بيوته والقيام على شئونها وإكرام وفادة روادها ، وجعل هذه المسئولية مناط فخر لمن يحمل أمانتها ، من سيدنا إبراهيم أبى الأنبياء عليه السلام الذى أمر برعاية أول بيت وضع للناس " وطهر بيتى للطائفين والعاكفين والركع السجود " ، إلى قريش التى تشرفت بعمارة المسجد الحرام وسقاية الحاج ، وصولا إلى ملوك الشقيقة السعودية الذين اختاروا لقب " خادم الحرمين الشريفين ".
وفى مصرنا الحبيبة تتشرف وزارة الأوقاف بحمل هذه الأمانة منذ زمن بعيد ، حيث تضطلع بمسئولية الإشراف الكامل على المساجد بعد أن تم ضم كل ـ أو معظم ـ المساجد إليها ، وقد كان لهذه المسئولية أثر بالغ فى ضبط إيقاع العمل بالمساجد ، مما انعكس على نظافتها وتجديد فرشها والتزامها بالاشتراطات الصحية والتباعد الاجتماعى أثناء جائحة الكورونا ، فكانت النتيجة تقليل عدد الإصابات على مستوى الجمهورية .
ولاشك أن العاملين فى مجال رعاية المساجد وعمارتها ، وعلى رأسهم الدكتور محمد مختار جمعة وزير الأوقاف ، محظوظون بهذه المهمة رفيعة الشأن عند الله وعند الناس ، فخدمة رواد بيوت الله نعمة كبيرة وفضل عظيم ، والقائمون على هذه الخدمة نواب عن الله سبحانه وتعالى فى إكرام ضيوفه ، وقد روى عن سيدنا عمر رضى الله عنه قوله : " المساجد بيوت الله فى الأرض والمصلى فيها زائر الله  ، وحق على المزور أن يكرم زائره ، ويسعد المصلى عندما يعرف أن الله سبحانه وتعالى يبش بقدومه إلى المسجد للصلاة " .
وامتدح ربنا جل شأنه رواد المساجد وعمارها ، وبشرهم بقوله تعالى : " إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين " ، وقال صلى الله عليه وسلم : " المسجد بيت كل تقى ، وتكفل الله لمن كان المسجد بيته بالروح ـ أى بالحياة  السعيدة ـ والرحمة والجوازعلى الصراط إلى رضوان الله إلى الجنة " ، وروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لتميم الدارى لما علق القناديل فى المسجد : نورت الإسلام نور الله عليك فى الدنيا والآخرة " .
وقد عشنا عمرنا نبتهج لرؤية المساجد فى أبهى حلة ، تتلألأ بالأنوار من الداخل والخارج ، وتضفى عليها المآذن المضاءة شموخا تعرف به وسط الأبنية المحيطة ، ومن الداخل تضفى عليه النظافة والفرش والقناديل المضاءة هيبة تبعث فى النفس الخشوع والطمأنينة ، وكنا صغارا نستصحب كتب المدرسة معنا لنذاكر فى المسجد حيث العقل أكثر قدرة على الاستقبال والاستيعاب ، لكننا فوجئنا هذه الأيام بتطبيق نظام عدادات الكهرباء الكودية على المساجد ، مما غير أحوالها وأطفأ أنوارها وأظهرها بمظهر بائس ، فصارت مظلمة إلا من لمبة أو لمبتين ، وعطل عمل أجهزة التكييف والمراوح فى عز الصيف ، وجعل الصلاة شاقة على المصلين ، خاصة كبار السن ، فى ظل حر خانق لايطاق ، رغم قلة أعداد المصلين  بسبب كورونا واشتراطات التباعد . 
عندما سألت عن سبب هذا التغيير الذى قلب حال المسجد قيل إن نظام العداد الكودى يتطلب أن يشحن بالكارت ، والموظف المختص بالشحن لايسمح  بأكثر من مبلغ معين فى الشهر ، وهذا المبلغ يقتطع منه قسط  لسداد ثمن العداد وقسط آخر لسداد مديونية قديمة ، وبالتالى لايتبقى فى كارت الشحن إلا 600 جنيه يجب أن تكفى استهلاك المسجد طوال الشهر ، وهى قطعا لن تكفى ، لذلك يتم التضييق والتقتير والتقشف بأى شكل . 
يحدث هذا فى كل المساجد التى تم تركيب عدادات كودية لها ، وهذه العدادات مناسبة أكثر للبيوت لكنى أظن أنها غير مناسبة للمرافق العامة التى لايصح ولا يصلح أن تنقطع عنها الكهرباء فجأة إذا فرغ كارت الشحن ، والمسجد مرفق عام للناس جميعا ، لا يليق أن يعامل بهذه الطريقة ، كما لايليق أن يقال للناس " صلوا وادفعوا " فى بلد مسلم ، بل فى بلد هو زعيم العالم الإسلامى جميعا ، وهو الذى علم كل الشعوب كيف توقر وتعظم بيوت الله ، ونظم عملية الإنفاق عليها من خلال أوقاف المسلمين حتى لا تتعرض للإهمال .
الناس يمكن أن يتبرعوا لبناء المسجد أوتجديده أوصيانته ، لكن لايعقل أن يطلب منهم أن يتبرعوا لسداد فاتورة الكهرباء الشهرية أوفاتورة المياه ، أو شحن الكارت كلما فرغ من الرصيد ، هذا انتقاص من دور ووظيفة وزارة الأوقاف ، خصوصا أن خزانتها عامرة والحمد لله بعائدات ضخمة ، وفى الأسبوع الماضى أعلن السيد الوزير أن هيئة الأوقاف حققت أعلى عائد سنوى فى تاريخها ، حيث حققت صافى أرباح وإيرادات استثمارية بلغ مليارا وستة وأربعين مليون جنيه بخلاف متحصلاتها من مال البدل ، وذلك بفضل روح العمل الجماعى بين العاملين وتعاون مؤسسات الدولة . 
ونحن بالطبع نهنئ الوزارة والسيد الوزير على هذا الإنجاز الرائع ، ونرجو أن يظهر أثره على بيوت الله ، التى تأتى بلا شك على رأس مصارف الأوقاف ، فتعود إلى رونقها وبهائها ، بعيدا عن العدادات الكودية .