المؤسسة المالية والاستثمارية الرائدة في الاسواق الناشئة والمبتدئة
  • مصر
  • Loading...

رئيس مجلس الإدارة
سـعــــد سـليــــم
رئيس التحرير
عبد النبى الشحات

مؤمن الهبـاء

عين العقل

العميد يبكى .. ويعترف

بقلم .... مؤمن الهبـاء

الثلاثاء 12 مايو 2020

 

اشتهر الدكتور طه حسين عميد الأدب العربى برهافة الحس ورقة المشاعر ، فقد كان ذا طبيعة يسيرة سهلة ، بدت واضحة فى أسلوبه المكتوب والمنطوق ، فامتازت عباراته بأنها سلسة رقراقة فى تتابعها وتدفقها ، وإذا كان البعض قد عرف عنه  الميل إلى الصلابة والفظاظة فى بداية ظهوره الأدبى والفكرى ، فربما كان ذلك مقصودا منه فى تلك المرحلة لإثبات الذات وتأكيد التحدى للظروف الصعبة التى نشأ فيها ، لكنه فى المراحل التالية ، خصوصا بعد أن انتهت إليه راية العمادة والريادة ، أظهر جانب اللين فى أقواله وأفعاله ، فكان بكاء أوابا ، حتى نقل عنه أنه أنفق معظم الوقت أثناء حجته فى البكاء والتشبث بأستار الكعبة .

وقد وقعت مؤخرا على اعتراف مهم ساقه الدكتور العميد بنفسه عن نفسه ، فيما يتعلق بالميل إلى البكاء ، إذ قال أمام جمع من كبار القوم علما وثقافة : " والشيء الذى أنبئكم به ولا أتردد ولا أستحى ـ كما يستحى الرجال عادة من الإتيان بمثله ـ هو أنى لا أقرأ قط سيرة عمر بن الخطاب رضى الله عنه وأستطيع وأنا أقرأ هذه السيرة أن أملك دموعى ، ذلك لأن عمر ـ كما رأيته ـ هذا الرجل الذى عذب نفسه فى الدنيا أشد العذاب مبتغيا أن يرحمه الله فى الآخرة ، ويحشره مع صاحبه  محمد صلى الله عليه وسلم وأبى بكر رضى الله عنه ".

هذا الاعتراف ورد فى كتاب " مقدمة فى الديمقراطية للدكتور طه حسين " من إعداد الزميل إبراهيم عبد العزيز ، وهو كتاب يضم العديد من المقالات والمحاضرات التى ألقاها الدكتور العميد فى مناسبات مختلفة حول فكرة الديمقراطية. 

المقال الأول فى الكتاب عبارة عن مقدمة أملاها د . طه حسين لكتاب له بعنوان " الديمقراطية " لكن الظروف لم تسمح له بإتمامه ، والمقال الثانى بعنوان " ميلاد الجمهورية الديمقراطية عند اليونان " ، أما المقال الثالث فهو محاضرة ألقاها بقاعة " إيوارت " التذكارية بالجامعة الأمريكية بالقاهرة فى 25 فبراير 1955 بعنوان " عمر بن الخطاب والحكم الصالح " ، وفى هذه المحاضرة جاء الاعتراف الذى بين أيدينا . 

يقول د . طه حسين : " أعترف أننى لا أحب أحدا من علماء المسلمين كما أحب عمر ، لأنه أعظم المسلمين بعد النبى صلى الله عليه وسلم أثرا فى الحياة الإسلامية ، وهو ـ كما تعرفون ـ يصور المثل الأعلى لكل ما يمكن أن تطمح إليه الشعوب فى تحقيق العدل فى الأرض ، فالحديث عن عمر هو حديث عن العدل فى أوسع معانيه ، العدل السياسى ، والعدل الاجتماعى بنوع خاص ، فعمر هو الخليفة الذى لم يعرف نظام الطبقات ، ولم يعرف فرقا بين قوى وضعيف ، ولا فرقا بين غنى وفقير ، ولا فرقا بين عاجز وقادر ".

لقد نظر الدكتور العميد إلى عمر نظرة سياسية واجتماعية ، ولم يكتف بالجانب الدينى وما يتضمنه من تقى وورع ، لذلك كان عمر عنده المثل الأعلى للحكم الصالح ، أو " الحكم الرشيد " ، فقد أخذ أهله ـ أهل بيته ـ بالشدة والحزم ، وطبق عليهم الأوامر والنواهى قبل أن يطبقها على عامة المسلمين ، ووضع رقابة صارمة على حكام الأقاليم ، وبعث إليهم بالمفتشين والمحاسبين الذين يحصون ثرواتهم كل عام ، ويرون كيف يتعاملون مع الناس ، وكيف يتصرفون فى مال الدولة ، ثم  يعقد لهم اجتماعا سنويا للتشاور والتباحث والمساءلة فى موسم الحج .

ويرى د. طه حسين أن أول جوانب العظمة فى عمر هى " العظمة الشخصية " ، فقد قهر نفسه قبل أن يقهر الخطوب التى عرضت له ، وأخذ نفسه بما لم يكن أحد يستطيع أن يأخذ به نفسه وغيره من المسلمين ، ويعترف قائلا : " فلست أعرف فى تاريخ الأمم التى قرأت تاريخها رجلا فى قوة ضمير عمر ويقظته ".

وكثير من الروايات التى أوردها الدكتور طه فى المحاضرة عن عمر معروف مشتهر ، لذلك فإنى مولع أكثر بإبراز رؤيته وتحليله لهذه الشخصية العبقرية ، ففى هذا التحليل تتكشف لنا أيضا طوية الباحث ـ العميد ـ وشخصيته وميوله وأفكاره وقناعاته .  

يقول : " لكن أهم وأخطر ما عمله عمر فى حياته ، وهو عندى أخطر من الفتح ، وأخطر من تنظيم البلاد التى فتحت ، كان أخطر ما عمله عمر هو أن يأخذ هؤلاء العرب بالشدة وبالعنف دون أن يتجاوز حدود الله وأوامره ، ويحملهم على أن يؤمنوا للعدل ويذعنوا له".

وفى الختام .. أتوقف ـ كما توقف د. طه حسين ـ عند اللحظة الأخيرة من حياة عمر ، بعد أن طعنه أبو لؤلؤة المجوسى ، وبعد أن استفاق للصلاة وتدبير أمر الخلافة وأمر دفنه ، يقول الدكتور العميد : " فى هذه الساعات الأخيرة كان رأسه على حجر ابنه عبد الله ، فقال لابنه : ضع خدى على الأرض ، فقال الإبن : فخذى والأرض سواء ، لكن عمر نهره : ضع خدى على الأرض لا أم لك ، ووضع خده على الأرض ، ثم جعل يقول هذه الكلمات ويرددها حتى مات : ويل لعمر وويل أمه إن لم يغفر الله له ، ليتنى لم أولد ، ليتنى كنت منسيا ، ليتنى لم أكن شيئا مذكورا ". 

رحم الله أمير المؤمنين عمر ، ورحم عميدنا الكبير .