Warning: Illegal string offset 'Hits' in /home/gomhuriaonline/public_html/class/PortalNews_class.php on line 560
العلمانية مشروع دينى بقلم مؤمن الهبـاء
هيرميس
الجهاز القومى لتنظيم الاتصالات

عين العقل

العلمانية .. مشروع دينى

 

 اجتهد العلمانيون العرب فى التدليس على شعوبهم فربطوا العلمانية بالعلم منتهزين التشابه بين المفردتين فى اللغة العربية ، وزعموا أن العلمانية لا علاقة لها بالدين بل تقف على الحياد تجاه الأديان ، ولم تكن لديهم الشجاعة الكافية ليبلغوا من الصدق مابلغ معلموهم فى الغرب الذين هاجموا الدين صراحة ، والسبب واضح بالطبع ، فالعلمانية نشأت ونمت فى البيئة الغربية المناسبة لها ، وبالتالى هى ليست غريبة على الإنسان الغربى ومجتمعه ، لكنها غريبة تماما علينا ، ومهممة من يزرعونها عندنا كمن يزرع قلب خنزير فى جسم إنسان .

العلمانية ليست منجزا حضاريا ماديا محايدا كما يزعم دراويشها ، ليست سيارة نركبها  دون أن تغيرعقيدتنا وشخصيتنا وبنياننا العقلى ، وإنما هى مشروع أيديولوجى متكامل ، وإن شئت الدقة فهى مشروع دينى ينسخ ماسبقه ويؤسس لدين جديد ، دين ملفق له قداسته وله كهنته الذين يبشرون بأنه سيحقق للبشرية السلام والأمن والحرية والديمقراطية والتقدم العلمى ، مع أن الواقع يشهد بأن العلمانية فى الغرب قادت العالم إلى حربين كونيتين حصدتا ملايين الأرواح ودمرت منجزات هائلة ، وأيقظت فى مجتمعاتها  أبشع ألوان العنصرية والفاشية وأحقر نوازع الشر والتوحش ، ونزعت من الإنسان إنسانيته ، ووضعت العالم على شفا حرب كونية ثالثة لاتبقى ولا تذر . 

وبداية .. فالعلمانية ترجمة غير دقيقة ، بل غير صحيحة لكلمة " secularism " الإنجليزية التى تعنى " الدنيوية " ، ولا صلة للعلمانية ـ كما يعتقد كثيرون ـ   بالعلم  " science " ، ولا بالمذهب العلمى الذى يعرف بـ " scientism " ، ولا نسب لها كذلك بالعلم ، فالنسب إلى العلم فى الإنجليزية هو " scientific "، والترجمة الصحيحة لكلمة " secularism"   هى كما قلت " الدنيوية " ، ولكن يبدو أن المترجمين الأوائل استصعبوا هذه الكلمة فأبدلوها إلى العلمانية نسبة إلى " العالم " ، ولذلك فهى تنطق صحيحة بفتح العين لابكسرها ، وهناك من ينطقها " العالمانية " .

تقول دائرة المعارف البريطانية فى مادة " secularism " إنها " حركة اجتماعية تهدف إلى صرف الناس وتوجيههم من الاهتمام بالآخرة إلى الاهتمام بهذه الدنيا وحدها ، وظل هذا الاتجاه يتطور باستمرار خلال التاريخ الحديث كله باعتبارها حركة مضادة للدين ومضادة للمسيحية " ، ويقول قاموس وبستر الجديد فى مادة " secular “ إنها الروح الدنيوية ، أو الاتجاهات الدنيوية التى تضع نظاما يرفض أى شكل من أشكال الإيمان والعبادة ، أما معجم أكسفورد فيقول إنها تعنى ماهو دنيوى ومادى وما ليس دينيا أو روحيا ، والرأى الذى يقول إنه لاينبغى أن يكون الدين أساسا للأخلاق والتربية .

هذا على مستوى التعريف المعجمى ، أما على مستوى التطبيق العملى فقد أثبتت التجارب التاريخية منذ مصطفى كمال أتاتورك فى تركيا إلى دونالد ترامب فى أمريكا أن العلمانية ليست محايدة تجاه الدين ، وإنما هى مشروع دينى بامتياز ، يسعى  لتدمير منظومة دينية قائمة وإنتاج منظومة أخرى تحل محلها ، وتوظف لصالح أهداف مموليها والقائمين عليها عقائديا وسياسيا واقتصاديا ، القضية ليست قضية ثقافة وفكر فقط ، وإنما تخليق دين عالمى يكون فيه الغرب هو القيادة والنموذج ، وبقية شعوب العالم تابعة له ومنضوية تحت لوائه ، نوع جديد من الاستعمار يناسب العصر، يستوطن العقول ثم يدخل منها إلى استعباد الشعوب واستنزاف الموارد ، إنها التطبيق الدينى للعولمة . 

لم تكن علمانية أتاتورورك محايدة تجاه الإسلام ، وإنما كانت حربا مخططة لاسئصال شأفته وتمييعه  ليظهر بشكل جديد ترضى عنه أوروبا ، وتجعل منه نموذجا للإسلام الحديث الذى يجرى تعميمه ، وفى مصر تحارب العلمانية معركة عنيفة منذ بداية القرن العشرين لإقصاء الإسلام  تحت شعارات التنويروالحداثة ونقد التراث والتجديد الدينى ، وارتبطت بحركة التغريب والتبعية للاستعمار، لكنها واجهت ومازالت تواجه مقاومة شرسة .

وكلما مر الزمن اتضحت معالم العلمانية أكثر وتبلورت أهدافها بفضل الكهنة الجدد الذين تميزوا بغشامة ووقاحة ملم تكن عند أسلافهم ، فهم يهاجمون الإسلام ورموزه من الصحابة والأئمة الأربعة ويسخرون من السنة النبوية والشريعة والبخارى والكتب الصحاح ويشوهون التاريخ الإسلامى والفتوحات ويشككون فى الأزهر وشيخه وعلومه ومناهجه وعلمائه ، بل وصل الغرور ببعضهم إلى التطاول على صاحب الرسالة صلى الله عليه وسلم والتشكيك فى القرآن الكريم ، والهدف هو إسقاط الإسلام والتبشير بالدين العلمانى الجديد . 

فى 5 أغسطس 2016 نشرت " المصرى اليوم " مقالا لأحد دراويش العلمانية تحت عنوان " هل يغير المسلمون دينهم للمرة الرابعة ؟! " يمهد فيه لفكرة تحول المصريين عن دينهم " الذى لم يعد مناسبا للعصر " إلى دين آخر بعد أن تحولوا من قبل 3 مرات ، الأولى من دين آمون إلى دين إخناتون ، والثانية من إخناتون إلى المسيحية ، والثالثة إلى الإسلام .

وكشفت الدكتورة منى أبو سنة أنها دعيت ذات مرة مع أستاذها د . مراد وهبة ـ عراب العلمانية فى مصر ـ إلى مؤتمر بأمريكا حول العلمانية والأصولية ، وعندما وصلت إلى مقر المؤتمر فوجئت بمؤتمر آخر فى القاعة المجاورة تنظمه إحدى أفرع الجيش الأمريكى ، لبحث قواعد الإسلام الجديد ، وهو ما أثار شكوكها ودفعها للانسحاب .

الأمر جد لاهزل فيه ، ومشروع الدين العلمانى تقف وراءه وتموله دول ومؤسسات تختار وكلاءها بدقة ، وتوفر لهم الشهادات العلمية وتنفق عليهم بسخاء وتفتح منافذ الإعلام لتلميعهم ، ثم ترصد لهم الجوائز المجزية .

المؤامرة كبيرة ، وليس لها من دون الله كاشفة