Warning: Illegal string offset 'Hits' in /home/gomhuriaonline/public_html/class/PortalNews_class.php on line 560
العرب والطريق الثالث بقلم مؤمن الهبـاء
هيرميس
الجهاز القومى لتنظيم الاتصالات

شهادة

العرب .. والطريق الثالث

 

قبل قرن من الآن كانت الشعوب العربية قد بدأت تستعيد وعيها بذاتها ، وتتعرف من جديد على هويتها القومية ، وتتطلع إلى الاستقلال عن الاستعمار بكل أشكاله ، وتطمح فى الوقت ذاته إلى تشييد كيان سياسى عربى يحقق لها حلم الوحدة الشاملة ، حلم الوطن العربى الكبير ، وبعد رحيل المستعمر الأجنبى قامت عدة تجارب وحدوية انتهت بالفشل أو بالجمود ، ولم يبق من هذه التجارب إلا أكثرها ضعفا ، وهى جامعة الدول العربية التى جسدت الحد الأدنى من طموح الوحدة .

وقد كان الأمل معقودا على أنه مع مرور الزمن وتشابك المصالح وتطور المجتمعات العربية تعليميا وثقافيا وسياسيا سوف يزداد الوعى بأهمية الوحدة وتوسيع مجالات العمل العربى المشترك ، وصولا إلى صورة أرقى وأكثر قوة وفاعلية للجامعة العربية ، لكن ماحدث هو العكس للأسف الشديد ، فمع توالى السنين ازدادت الخلافات العربية عمقا ، وضعفت الجامعة وشلت فاعليتها ، فذهب حلم الوحدة وحلم العمل الغربى المشترك وبقى منها الكيان البروتوكولى .

لكن الأمر لم يقتصر على هذا النكوص ، فقد واصل الانحدار طريقه بشكل مبالغ فيه ، وانقلبت الخلافات العربية إلى تناقضات وثارات ، ليس بين الدول والشعوب الشقيقة فقط ، بلأيضا داخل الدولة الواحدة وبين الشعب الواحد ، حتى وصلنا إلى زمن التفكيك العربى الذى هو بالضرروة نقيض الوحدة .

وفى هذا الزمن الصعيب  ـ زمن التفكيك ـ رأينا العجب العجاب : دولة عربية تغزو جارتها بسبب خلاف على حقل نفطى ، صراعات الحدود تشتعل بين الأشقاء فيذهبون إلى محكمة العدل الدولية لتفصل بينهم وجامعتهم تتفرج ، انتشار وباء الانقسامات الطائفية والعرقية والدينية والمذهبية فى الدول العربيةكالنار فى الهشيم ، ومن هذه الدول من أوصلته الانقسامات إلى انفصال بعض أجزائه ومنهم من ينتظر ، استعانة دول عربية على بعض مواطنيها أو على بعض أشقائها بالأجنبى " الإقليمى أو الدولى " ، دول لاتكتفى بالتحلل من التزاماتها التاريخية والقومية والدينية والإنسانية تجاه القضية الفلسطينية وإنما تسارع إلى التطبيع المجانى مع العدو الصهيونى بما يضعف الجبهة العربية ويزيدها تفسخا ، ودول  تشجع وتمول وتخطط للإرهاب فى دول أخرى شقيقة لمجرد الكيد السياسى ، دولة مثل مصر التى قدمت للقضايا العربية كل ألوان المساندة تواجه بمفردها مشكلة وجودية فى نهر النيل ولا تجد شقيقا يقف فى خندقها وينتصر لحقها ، بل تجد من أشقائها من يساهم بالدعم والتمويل الطرف الآخر ، ومن يحرض ضدها .

وفى ظل هذا التردى والتشظى كان من الطبيعى أن تنفجر منطقتنا العربية بالصراعات والأزمات ، وتكون مرتعا خصبا للمؤامرات والمتآمرين والطامعين ،وتتفوق على كل المناطق فى استيراد السلاح واستهلاكه ، وتصبح هى المنطقة الوحيدة فى العالم التى مازالت تشتعل بالحروب بعد أن سكتت المدافع فى الشرق والغرب ، واستطاعت الدول من حولنا أن تحل مشاكلها بالطرق الدبلوماسية والسلمية ، ولم تعد هناك بلاد تنطلق منها صور الموت والدم والخراب والدماركل يوم إلا هذه البلاد المنكوبة ، بينما تفرغت الدول الأخرى للبناء والتنمية والزراعة والصناعة وتحسين سبل العيش لأبنائها .

وهكذا اكتشفنا فى هذا المنعطف من التاريخ أننا ـ لأسباب كثيرة ـ لم نستطع السير فى طريق الوحدة المأمولة ، بل تم توجيهنا ـ بإرادتنا أو بغير إرادتنا ـ إلى طريق الشقاق الذى سينتهى بنا لا محالة إلى الضياع ، فهل يمكن أن نستمر فى هذا الطريق أم نبحث عن طريق ثالث نسلكه ، قد لايكون على قدر طموحنا القديم ، لكنه يبعدنا عن مصير الهلاك المحتوم الذى نسير إليه معصوبى الأعين .

لم يعد لدينا مزيد من الوقت للعبث وتكرارالأخطاء ، لم يعد لدينا من الجهد والثروة ماننفقهما فى تجارب أخرى ملتبسة، لقد وصلنا إلى نقطة يجب الإعتراف عندها بالفشل الجماعى ، وبأن اللحظة قد حانت للتفكير فى نظام عربى جديد ، أواستراتيجية عربية جديدة ، تعالج كوارث الحاضر وتضع رؤية للمستقبل ، استراتيجية متواضعة تستفيق بها الأمة من غفوتها كما استفاقت الأمم حولنا ، ونبدأ معها مشوار الألف ميل بخطوة .

وربما تأتى هذه الخطوة الأولى من خلال إعادة تعريف مفهوم الأمن القومى العربى والمخاطر القائمة والكامنة التى تهدد أمن واستقرار الدول العربية ، وتحديد عدة أهداف متفق عليها وفق خطة عمل موحدة لإنهاء التشرذم ، والخروج من الحالة المتأزمة بمنهج واقعى ومتدرج ، يكون هدفه استعادة قوة وفاعلية التضامن العربى الحقيقى والعمل العربى المشترك فى إطار قيادة جماعية .

لا تتطلب العلاقات بين الدول تطابقا تاما فى الرؤى والمواقف ، وإنما يكفى أن تكون هناك مساحات ومصالح مشتركة يتم تطويرها والبناء عليها بشكل مطرد ، وتضييق مساحة الخلافات إلى أدنى حد ، والعمل على تجاوزها إعلاء للمصلحة العليا والأمن القومى العربى ، يصاحب ذلك أو يسبقه وضع مدونة سلوك للعلاقات العربية البينية ، وتحديد معايير التعامل مع دول الجوار ، وتحقيق التوازن فى التعامل مع القوى الدولية والإقليمية بما لايضر بمصالح كل دولة ، وبمصالح كل الدول العربية مجتمعة .

وليس متصورا أن تنجح مسيرة الطريق الثالث دون أن يتوافر لها دعم ومشاركة من أجهزة الإعلام والصحافة وكبار الكتاب والمفكرين ومنظمات المجتمع المدنى وكل من له تأثير على الرأى العام ، ذلك أن الصحوة لن تتحقق إلا فى إطار استرداد الوعى العربى بأن " الاتحاد قوة " ، وهذا دور الإعلام ورجاله .