بث مباشر
أخبار التعليم
  • مصر
  • Loading...

رئيس مجلس الإدارة
سـعــــد سـليــــم
رئيس التحرير
عبد النبى الشحات

جيهان السنباطي

الطمع إذلال واستعباد للنفس

بقلم .... جيهان السنباطي

الاربعاء 13 مارس 2019

يستخدم الصيادون في الغابة حيلة ذكية للإمساك بالقردة وهي عبارة عن مصيدة من ثمرة جوز الهند، حيث يقومون بثقبها من الداخل ويفرغونها من محتواها على أن يكون حجم الثقب كبير بما يكفي، حتى يتمكن القرد من إدخال يده المفتوحة في الثقب، ثم يضعون أشكال من الطعم بداخلها مثل الفواكه ليكون طعماً للقردة، ويربطون جوز الهند في شجرة ثم ينتظرون.

واكتشف الصيادون من خلال الملاحظة أن القردة طماعة فكيف ذلك؟

القردة عندما تقترب من ثمرة جوز الهند تحاول أن تضع يدها داخلها لإخراج الفواكه، لكنها لا تستطيع إخراجها من الثقب الموجود في ثمرة جوز الهند، فتحاول مراراً وتكراراً أن تخرج يدها وهي متشبسه بغنيمتها لكنها لا تستطيع.

وعندما يقترب الصياد منهم يحاولون محاولات أقوى وأعنف لإخراج الفواكه، لكنهم لا يستطيعون فينشغل عقلهم وكل تفكيرهم في الغنيمة، ولا يدركون حجم الخطر الذي ينتظرهم لدرجة تجعلهم فريسة سهلة، فيتم الامساك بهم بكل سهولة من الصيادين.

ولو فكر القرد لدقيقة لاكتشف أن بإمكانه الفرار والنجاة بكل سهولة، وكل ما كان عليه أن يفعله هو أن يفتح يديه ويترك الفواكه، وحينها سيكون حرًّا؛ لكن جشعه أعماه، فتعلقه بالغنيمة كان شديداً جدًّا، مما جعله يضحي بحياته من أجلها.

يالها من قردة ساذجة؟!

فماذا عنك يا إنسان؟ ماذا تمثل لك تلك الثمرة؟

أو ما الذي تتعلق به بدرجة توقع بك وتجعلك أسيراً؟

وما هو الشيء الذي إذا تركته واستغنيت عنه أصبحت حرًّا؟

هل هو المال أم الجاه والسلطة؟

هل هو حب الشهرة؟ أم الانغماس في الشهوات؟

وقد يكون حقدك على الآخرين؟

أو الانشغال بالناس ومتابعتهم؟

أو أن تشتهي ما في يد الآخرين ولا تنظر إلى ما في يدك؟

أو قد يكون في بالك فكرة ما عن شريكك المثالي؟، مثل الشكل، والمواصفات العقلية والجسدية، أو التصرفات والأفكار، وكلها يمكنها أن تقوم باصطيادك وتجعلك أسيرًا ما لم تستطع أن تطردها من عقلك لتصبح حرًّا.

ما تتعلق به في حياتك، وتتمسك به بشدة يمكن أن يكون صيادك.

ألم يحن الوقت لتتركه لتشعر بالحرية؟

لا تضحي بسعادتك وسلامك وحياتك من أجل جوز الهند أو ما تتعلق به، إلا إذا كنت تود أن تكون قردًا.

لا تكن طماعاً مثل القردة، فما من شيء أفسد لدين المرء من الطمع في شهوات الدنيا من مال أو منصب أو جاه، ذلك أن العبد إذا استرسل مع الأمنيات استعبدته.

الطمع صفة وضيعة، إذا أصابت الإنسان جعلته عبداً لتلبية هذه الحاجة أو تلك، وأسقطته من أعين الناس، لأن القلوب تتعلق بالمترفع عن ذلك، الذي يبذل ويعطي أكثر مما يسأل ويأخذ، والطمع إذا احتل القلب جعله مريضاً غافلاً، يسحق تحت أقدامه كل الصفات الإنسانية وهو يلهث وراء أهداف رخيصة سولتها له نفسه.

الطمع أو الجشع من الصفات الدنيئة التي تنفر منها الطباع، والطمع سلوك بذيء، لأن صاحبه يذل نفسه، ويحطها للحصول على مثل ما عنده بغير حق ليكثره، أو فعل ذلك ليحصل على ما لا يستحقه، والطمع أو الجشع من أخطر السلوكيات التي قد يبتلى بها الإنسان.

فالطمع يمحق البركة ويشعر النفس بحالة الفقر الدائم، فعن حكيم بن حزام رضي الله عنه قال: “سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاني، ثم سألته فأعطاني، ثم سألته فأعطاني، ثم قال: “يا حكيم إن هذا المال خضرة حلوة، فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يُبارك له فيه، كالذي يأكل ولا يشبع”

وقال أبو العباس المرسي: الطمع ثلاثة أحرف كلها مجوفة، فصاحبه بطن كله لا يشبع أبداً.

وأصل الطمع وسببه والدافع إليه، التوهم، أعني التخيل والحسبان. وأصحاب النفوس الضعيفة إذا تخيلوا شيئاً أو ظنوه، عملوا على السعي في تحقيقه فحصل لهم منه الطمع؛ فوقعوا في الذل والحرمان والتعب ظاهراً وباطناً. قيل لولا الأطماع الكاذبة ما استعبد الأحرار بكل ما لا خطر له.

فما يدعو إلى الطمع توهم النفع في المطموع فيه، وبذلك تحصل العبودية له، فمن غلب الوهم عليه نسي ما ينتهي إليه الطمع من النقص والدناءة، ومن ضعف لديه الوهم ذكر ما ينتهي إليه الطمع فانتفى عنه.

كما قال الحسن البصري: فساد الدين الطمع، وصلاح الدين الورع، فالورع يدعو من اتصف به إلى التحري في الأخذ من الناس، يعلم أنه مسئول عن ماله من أين أخذه، وفيما أنفقه، والقانع يرفع همته عن الخلق، فلا يذل لهم ولا يطمع فيهم؛ لأنه يعلم أن ما أخطأه لم يكن ليصيبه، وما أصابه لم يكن ليخطئه؛ لأن علم الله سابق وحكمه ماضٍ، وإذا أخذ العالم من العامة المال ذُلَّ لهم، وطمع فيهم، فأداه ذلك إلى التساهل في الأحكام، وهذا يؤدي إلى فساد الدين؛ لأن الطمع يفقد ما جمع.

وقال ابن عطاء: (من لم يشكر النعم فقد تعرض لزوالها، ومن شكرها فقد قيدها بعقالها).

شكر النعمة يحقق: حفظها من الزوال، وزيادتها في الحال، وبركتها في المال، واتصال العبد بربه وهو صحيح معافى شاكر، وعدم الشكر يؤذن بسلبها، وما يعقبه الحزن والندم.

فكيف نقي أنفسنا من هذا المرض اللعين؟ مرض الطمع.

أولاً: لا بد أن نقوم بترويض أنفسنا على التحلي بخلق القناعة، ومحاولة الاتصاف به، وحمل النفس عليه.

ثانياً: اليأس عمّا في أيدي المخلوقين والتعلق بالله تعالى.

ثالثا : تدبر ما ورد في القرآن الكريم من وصف دقيق لحقيقة الدنيا وأنها متاع زائل.

رابعاً: تأمل ما ورد في الأحاديث النبوية من التحذير من الحرص المذموم على الدنيا مثل ما رواه الشيخان من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تزال المسألة بأحدكم حتى يلقى الله تعالى وليس في وجهه مزعة لحم).

خامساً: النظر في كلمات سلف الأمة الذين عرفوا حقيقة الدنيا، فقد كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول في خطبه: إن الطمع فقر.

سادسًا: معرفة أثر الطمع السيئ على القلب والنفس يجعل العاقل يبتعد عنه.

وفي الختام نسأل الله تعالى أن يقينا من هذه الصفة الذميمة، وأن يطهر نفوسنا من الجشع والطمع، وأن يرزقنا القناعة بما أعطى، وأن يمنح قلوبنا حسن التعلق به وحده.