هيرميس
الجهاز القومى لتنظيم الاتصالات

آخر الأسبوع

السيسي .. والسويس

أخيراً.. وجدت السويس رئيساً مصرياً يوليها اهتماماً خاصاً. ويحنو علي شعبها. ويضع تنميتها وتطويرها ورفع مستوي الخدمات المقدمة إلي أهلها بين أولويات أجندة التنمية المصرية. 

فقد أعلن رئيس الوزراء الدكتور مصطفي مدبولي يوم الخميس الماضي. أن هناك تكليفا للحكومة من الرئيس السيسي بالبدء في تنفيذ عدد من المشروعات لتطوير محافظة السويس وتنميتها. تشمل رفع كفاءة الطرق. وتطوير كل المرافق. وتشجيع المستثمرين علي اقامة مشروعات تخدم المحافظة. وتوفر فرص عمل لأبنائها. 

السويس. كمدينة. هي إحدي مدن القناة الثلاث مع الاسماعيلية وبورسعيد. وهي أقدم هذه المدن وأشهرها علي مستوي العالم. لكنها كانت دائما اقلها حظا من الاهتمام علي المستوي المحلي من أعلاه إلي أدناه. 

كل العالم يعرف السويس.. ولطالما ظهر اسمها في مانشيتات كبريات صحفه وتردد في اذاعاته علي مدي القرنين الماضيين.. فقدحملت القناة منذ حفرها - اسم قناة السويس. وأنشئت شركة عالمية لادارتها باسم السويس.. وأطلق العالم علي العدوان الثلاثي الذي شنته بريطانيا وفرنسا واسرائيل عام 1956 اسم "حرب السويس" رغم انه استهدف بورسعيد. كما اطقت الاستراتيجيات العسكرية العالمية اسم "شرق السويس" علي المنطقة الممتدة من قناة السويس شرقا حتي الخليج العربي. 

ومع ذلك. ولأسباب بعضها واضح. واكثرها غير مفهوم. لم تحظ السويس بما حظيت به الاسماعيلية وبورسعيد من اهتمام الدولة. بل أكاد أقول إنها في بعض المراحل تعرضت للإهمال والتهميش. 

ولقد كتبت في ذلك اكثر من مرة في هذا المكان. داعيا إلي أن تأخذ السويس مكانتها المستحقة علي خريطة الحاضر والمستقبل. مثلما حفرت اسمها في التاريخ المصري. 

مظاهر الحالة الخاصة للسويس. مقارنة بمدينتي أو محافظتي القناة الاخريين عديدة. وربما أحد أسبابها التاريخية الواضحة. أن الاسماعيلية وبورسعيد أنشئتا بإرادة ملكية أو خديوية. وحملتا اسمي اثنين من حكام مصر.. اسماعيل.. وسعيد فحظيتا برعاية خاصة. 

ويمكن تفنيد هذه المظاهر فيما يلي: 
* بورسعيد وجدت من يهتم بها ويقر تحويلها الي مدينة حرة. وهو الرئيس الراحل جمال عبدالناصر. وكان ذلك في نوفمبر 1965. إلا أن حرب يونيو 1967 عطلت تنفيذ القرار. الي أن جاء السادات. بالانفتاح عام 1974 بعد حرب اكتوبر. فاطلق الطاقات الاقتصادية والتجارية للمدينة الحرة وزادها انتعاشا ورواجا. وأصبحت مقصدا لكل أسر الطبقتين المتوسطة والفقيرة. التي سعت في رحلات فردية وجماعية إليها لشراء احتياجاتها من الملابس والأجهزة الكهربائية المستوردة وغيرها وتجهيز بناتها للزواج. نظرا لجودة السلع ورخص أسعارها. 

وبالطبع. انكس هذا الرواج والانتعاش علي كل شيء في بورسعيد. فشهدت تطويرا في البنية التحتية وتحسنا في المستوي المعيشي لأهلها. وعزز ثقافة المتواصل مع العالم الخارجي لدي أبنائها. 

* الاسماعيلية. قيض الله لها واحدا من أكبر أثرياء مصر في زمنه وأشهر بنائيها. وهو المهندس عثمان أحمد عثمان وكانت الاسماعيلية معقله. وكان عاشقا لها وسخر كل امكانياته لخدمتها وخدمة أهلها. ثم ألقت الظروف إليها بمحافظ لا يقل عن آل عثمان عشقا لها ويملك خيالا وأفقا شخصيا واسعا وهو عبدالمنعم عمارة الذي عاشت الاسماعيلية عصرا ذهبيا في عهده. 

ثم عامل آخر مهم انفردت به الاسماعيلية وهو أنها كانت المكان المفضل لاستراحة واستجمام اثنين من رؤساء مصر هما السادات ومبارك.. بل ان السادات كثيرا ما عقد فيها لقاءات سياسية مهمة سواء محلية أو مع ضيوفه الأجانب. مما فرض ان تظل المدينة تحت الاضواء كل الوقت علي مدي عهدي الرئيسين اللذين استمرا أربعين سنة. 

بل ونجحت الاسماعيلية في أن تكون منارة ثقافية وفنية. وأن تصبح مقرا لمهرجانات دولية سينمائية ومسرحية وغنائية. وهو مازادها شهرة وانعكس علي كل أوضاعها. 

* السويس -- للأسف - ظلت علي الهامش من ذلك كله. 
لم تجد من يفجر طاقاتها. أو يستكشف ويعظم الميزات النسبية التي تنفرد باه ويمكن أن تحولها إلي مدينة عالمية. 

وقد ساقتني الظروف في بداية حياتي العملية إلي السويس لأقضي فيها ثلاثة شهور من عام 1966 وهي شهور يوليو وأغسطس وسبتمبر كمحرر في المركز الإعلامي التابع لهيئة الاستعلامات. 

ووجدتها محافظة فقيرة ليس بها ما يغري علي البقاء. رغم انها مركز لشركات ومعامل تكرير البترول في ذلك الوقت. 

كان محافظ السويس وقتها هو شعراوي جمعة وزير الداخلية فيما بعد وأحد رموز العهد الناصري. وكنت أحضر بحكم تمثيلي للاستعلامات في المحافظة كل اللقاءات الجماهيرية التي يعقدها للاستماع إلي مشاكل المواطنين. وكانت المشاكل الأكثر ترددا في هذه الاجتماعات هي مشاكل الصيادين. ومشاكل العاملين في البترول.. ثم مشاكل كل المواطنين من سوء الخدمات وتدهور المرافق. 

وقعت بعد ذلك نكسة يونيو 1967. وتم تهجير سكان المحافظات الثلاث: بورسعيد والإسماعيلية والسويس.. ثم حرب أكتوبر 1973 وإعادة فتح قناة السويس في يونيو 1975 للملاحة الدولية وعودة المهجرين إلي محافظاتهم وإعادة ما دمرته الحروب فيها.. إلا أن ذلك لم يوفر فرصة لتوجيه بعض الاهتمام للسويس. بينما زاد من بريق الإسماعيلية وبورسعيد. ويكفي ان السويس مثلا هي الوحيدة بين محافظات القناة التي لا يوجد فريق كرة يمثلها في الدوري العام الممتاز. 

وبالتأكيد فإن مشروع المنطقة الاقتصادية لقناة السويس الذي يجري العمل فيه شرق القناة يشمل فيما يشمل محافظة السويس. وتنعكس آثاره الاقتصادية الهائلة المرتقبة عليها كما تنعكس علي غيرها في أقليم القناة بل وفي شتي أقاليم مصر. 
لكن صدور تكليف رئاسي خاص للحكومة بالاهتمام بتنمية وتطوير السويس اقتصاديا وخدميا. إنما يوجه رسالة مفادها احساس القيادة بأن هذه البقعة من أرض مصر تستحق الأفضل وأن مكانها الطبيعي هو ان تكون في بؤرة الاهتمام. 

ان محافظات القناة الثلاث. تمثل معا خط الدفاع الأساسي عن مصر في الاتجاه الاستراتيجي الشرقي وقد تساوت أدوارها البطولية في الذود عن تراب مصر وعن كرامة شعبها علي مدي السنين.. وليس أدل علي ذلك من تواريخ أعيادها القومية التي أصبحت مناسبات خالدة في وجدان كل المصريين 23 ديسمبر عيد النصر علي العدوان الثلاثي وعيد بورسعيد القومي - 25 يناير عيد الشرطة الذي خلد صمود الشرطة المصرية في الاسماعيلية في وجه اعتداء قوات الاحتلال البريطاني علي مقرها - 24 أكتوبر عيد السويس القومي الذي يجسد بسالة الجيش الميداني والمقاومة الشعبية السويسية في التصدي للقوات الإسرائيلية خلال حرب أكتوبر 1973. 

السويس تستحق التهنئة.. السيسي يستحق الشكر.