هيرميس
الجهاز القومى لتنظيم الاتصالات

عين العقل

الدين فى الانتخابات الأمريكية

ينص الدستور الأمريكى على العلمانية وفصل الدين عن الدولة ، ورغم ذلك يحرص المرشحون فى الانتخابات الأمريكية ، على استحضار الموضوعات الدينية فى الدعاية لأنفسهم أو الهجوم على منافسيهم ، وتوظيف الدين لترويج قناعاتهم الشخصية تجاه القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية المثارة ، وفى الانتخابات الرئاسية الماضية تم رصد التداخل المتصاعد للدين مع السياسة فى خطاب المرشحين الرئيسيين ، دونالد ترامب وهيلارى كلينتون ، لكن مايحدث فى الانتخابات الحالية بين ترامب الجمهورى ومنافسه الديمقراطى جون بايدن فاق كل ماسبق من تجارب خلط الدين بالسياسة ، وهو مايؤكد استحالة الفصل بين ماهو دينى عما هو سياسى ، حتى فى أعتى بلاد العلمانية ، وأن أقصى مايمكن فعله هو تهذيب هذا التداخل ليكون منطقيا وعقلانيا ومقبولا ، وليس تهريجا ممجوجا .

فى انتخابات 2012 حاول كلا المرشحين ، الديمقراطى باراك أوباما والجمهورى ميت رومنى ، التأكيد على قوة ارتباطهما بالدين ، كان رومنى قد بدأ حياته مبشرا ثم انتقل إلى عالم المال ثم إلى السياسة ، وكثيرا ماأعلن فى خطاباته عن التزامه الدينى ، حيث قال فى إحداها : " أنا أومن بعقيدتى المورمونية وأسعى إلى أن أحيا بها ، وعقيدتى هى عقيدة آبائى وسأظل وفيا لهم ولعقيدتى ، وإذا كان هذا الاعتراف سيفقدنى المنصب الرئاسى فليكن ذلك " . أما أوباما فكثيرا ما كرر فى خطاباته الانتخابية أنه بروتستانتى يؤمن بكل معتقدات البروتستانت وأنه لن يعمل ضدها أبدا .

وفى انتخابات 2016 نشر مركز بيو للأبحاث دراسة أشارفيها إلى ظاهرة حرص كلا المرشحين الرئاسيين ، الجمهورى ترامب والديمقراطية هيلارى كلينتون ، على الظهور بمظهر المحافظ دينيا ، ومع ذلك فإن 30 % فقط من الأمريكيين كانوا يرون أن ترامب ملتزم دينيا مقابل  48 % يرون أن هيلارى متدينة ، لكن ترامب نجح فى إثارة عدة قضايا تتعلق بالدين وأصبحت حديث الإعلام ، فقد تحدث عن نيته لمنع المسلمين من دخول الولايات المتحدة  إذا أصبح رئيسا ، وحتمية توفير الحماية للمسيحية والمسيحيين فى أمريكا ولو كلفه ذلك بناء سور مثل سور الصين ، والاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأمريكية إليها إرضاء للرب ، وهذه الإشارات كانت كفيلة بجذب أصوات المسيحيين المحافظين إليه ، بصرف النظر عن التزامه هو كشخص بالإيمان والقيم الدينية والأخلاق المسيحية . 

وفى الانتخابات الحالية صار الدين مادة أساسية فى حملات المرشحين ، ترامب 74 عاما وبايدن 77 عاما ، وصار توظيف الدين ـ مع أو ضد ـ يتم بشكل فج  ومثير للسخرية ، مما دفع بعض المراقبين للقول بأننا أمام معركة انتخابية قبيحة ، وكان آخر تجليات هذا القبح التحذير الذى وجهه ترامب من أن  بايدن سيبعد الأمريكيين عن دينهم ، وسيلحق الضرر بالكتاب المقدس ، فهو ضد الدين وضد الرب ويتبع أجندة اليساريين  المتطرفين الذين يخرقون البند الثانى من الدستور، فلا دين لديهم ولا شيء ، لقد آذوا الإنجيل وآذوا الرب . 

وعلى مدار فترة ولايته الأولى استخدم ترامب الدين غطاء لتسويق سياساته وقراراته ، وظل محتفظا بدعم قوى من المسيحيين الإنجيليين وتيار المسيحية الصهيونية والمحافظين الجدد  فضلا عن الجالية اليهودية والمؤسسات الصهيونية ، وأثناء انتخابات الكونجرس الأخيرة أعلن فى أحد خطاباته أن اليهودى الذى يصوت لمرشح ديمقراطي إما جاهل أو خائن عديم الولاء لإسرائيل ورب إسرائيل .

على الجانب الآخر يتحدث المرشح الديمقراطى المسيحى الكاثوليكى  جو بايدن كثيرا عن إبمانه ، وكيف ساعده هذا الإيمان على تجاوز محنة فقد زوجنه الأولى وابنته فى حادث تصادم عام 1972 ،  ويقول مدير حملته الانتخابية إن بايدن عاش كريما مؤمنا طوال حياته ، وأن إيمانه هو جوهره ، وهذا الإيمان مصدر قوته وراحته فى أوقانت الشدة ، بينما يواجه ترامب اتهامات باستغلال منصة الرئاسة الرسمية الممولة من دافعى الضرائب فى حملته الانتخابية ، ولا يتحدث من منصة انتخابية يتحمل تكلفتها هو وداعموه . 

ويتهم بايدن منافسه ترامب بأنه استخدم الإنجيل على سبيل السخرية فى صورة ظهرفيها   يحمل نسخة من الكتاب المقدس أمام كنيسة قريبة من البيت الأبيض فى أعقاب المظاهرات الغاضبة لمقتل المواطن الأمريكى ذى الأصول الأفريقية على يد شرطى أبيض ، وهو مادفع وزير الدفاع ورئيس الأركان إلى الاعتذار للجمهورعن مرافقة ترامب فى زيارته للكنيسة وعدم معرفتهما بخطته لالتقاط الصورة .  

وكان ترامب قد أوقف عام 2017 تقليدا سنويا يمتد لأكثر من قرنين بإقامة حفل إفطار للمسلمين بالبيت الأبيض فى رمضان ،  ثم عاد إليه عامى 2018 و2019 ، حيث دعا سفراء بعض الدول الإسلامية لهذا الحفل وهنأهم قائلا " رمضان كريم لكم ولكل مسلمى العالم" ، لكن متظاهرين تجمعوا أمام البت الأبيض ورفعوا لافتات احتجاجية تتهم ترامب بالنفاق ، لأنه يهنئ المسلمين برمضان وفى ذات الوقت يمنعهم من دخول أمريكا ويتحدث عنهم بخطاب الكراهية.

فى المقابل عقد بايدن مؤتمرا انتخابيا حاشدا الشهر الماضى تحت عنوان " قمة مليون صوت مسلم " تعهد فيه بوقف قرار حظر دخول المسلمين فى أول يوم له فى الرئاسة ، ودعا الجالية الإسلامية إلى التصويت له مستشهدا بالحديث النبوى الشريف " من رأى منكم منكرا فليغيره".   

ورغم كل ذلك اللغط تؤكد استطلاعات الرأى تفوق بايدن على ترامب لأسباب معظمها غير دينية ، وتشير فى ذات الوقت إلى أن انتخاب رئيس ملحد أمر غير مرغوب فيه للشعب الأمريكى ، حيث يرفض 51% من الأمريكيين التصويت لمرشح للرئاسة لايؤمن بالله .