هيرميس
الجهاز القومى لتنظيم الاتصالات

شهادة

الدولة العربية .. ودروس لبنان


صدق من قال إن لبنان درة العرب ، فيه يرون الجمال والموضة والأناقة ، ويتمتعون بالفنون والأدب والشعر، وفى شوارعه وحوانيته وضياعه يجدون ألوان الرفاهية والترفيه التى يفتقدونها  فى ديارهم ، ويمارسون فيه الحرية التى لايعرفونها  فى بلادهم ، وعلى نواصيه وأرصفته يقرأون الصحف والكتب الممنوعة عليهم ، لبنان واحة العرب التى يحطون فيها رحالهم ليرتاحوا من وطأة الحروب والمشاحنات والمكايدات ، وعنده يلتقى الخصوم والمهاجرون والمطرودون والمطاردون ، يمارسون حقهم فى الحياة ، وهو يسعهم جميعا ويسدد فاتورة تناقضاتهم عن طيب خاطر.

لبنان بالنسبة للعرب مزهرية جميلة المنظر ، عطرها جذاب وورودها أخاذة ، وكم حسدوا لبنان على جمال المنظر وجاذبية العطر ، وكم حسدوا لبنان على مايتمتع به من تنوع سياسى ودينى ومذهبى وطائفى يتعايش كثيرا فى سلام ، لكنه ينساق أحيانا إلى حروب أهلية ، وما يتمتع به من ديمقراطية هيكلية تبدو لعبة مسلية ، ويبدو لاعبوها سياسيين مهرة ، يعلمون الناس الذكاء والدهاء ، لكن تفجير ميناء بيروت وما سبقه من مظاهرات شعبية وما أعقبه من تدخلات خارجية كشف المستور فى لبنان الوطن ، الذى يسبح فى ظلمات بعضها فوق بعض.

لبنان كان مبهرا وملهما من حيث الشكل ، لكن الجوهر كان ومازال مفزعا ، ولعله الآن ، وبعد زلزال التفجير ، يقدم لأمته الدروس التى يجب أن تستوعبها الدولة العربية الحديثة ، حتى لاتقع فى الفخ  الذى وقع فيه ، وسيكون ثمن الخروج منه باهظا جدا ، سيدفعه اللبنانيون وحدهم إن آجلا أو عاجلا.

أول هذه الدروس أنه لاديمقراطية حقيقية فى ظل نظام طائفى قائم على المحاصصة الدينية أو المذهبية أو العرقية ، هذا النظام يخلق أوطانا داخل الوطن الواحد ، أو قبائل يحكمها ويتحكم فيها زعماء الطوائف ، وبيكون ولاء الفرد / المواطن للطائفة وزعيمها قبل أن يكون للوطن الأم ، وتستند النخبة الحاكمة  إلى أساس طائفى وليس إلى عموم الشعب وهى تدير شئون البلاد ، وتخلق لنفسها توازنات وشبكات مصالح  تضمن بقاءها وهيمنتها.

عندما تتحول الطائفة من تكوين دينى أو مذهبى أو عرقى إلى تكوين سياسى فإن ذلك يتعارض مباشرة مع فكرة دولة المواطنة ، التى يتساوى فيها المواطنون جميعا أمام الدستور والقانون ومؤسسات الدولة ، بصرف النظرعن انتماءاتهم وتنوعاتهم الدينية والعرقية والمذهبية.

وربما يكون من المفيد هنا التذكير بأن النظام الطائفى فى لبنان ولد بقرار من  المندوب السامى الفرنسى هنرى دى مارتيل عام 1936 ، وأفرزعلى مر السنين 12 طائفة مسيحية وخمس طوائف إسلامية وطائفة إسرائيلية ، وصار لكل طائفة جيش مسلح " ميليشيا " وحزب سياسى وزعيم يتحدث باسمها ويرعى مصالح أبنائها وأحلامهم وتطلعاتهم ، ويراقب حصصها فى المناصب العليا والوظائف المختلفة بمؤسسات الدولة ، وله سلطة تتقاطع أو تتوازى مع سلطات الدولة ، بل أحيانا تعلو عليها ، وقد ظهر ذلك جليا فى سنوات الحروب الأهلية والمحن الكبرى.

والمؤكد أن اللبنانيين اليوم وصلوا إلى قناعة بضرورة الفكاك من هذا النظام المتخلف ، ويتطلعون إلى بناء دولة مدنية ديمقراطية بلا طائفية ، لكن هل هم قادرون على ذلك ، وهل سيسمح لهم ، لذلك يجب على الدولة العربية الحديثة أن تتجنب الفرز الطائفى والفئوى بكل أشكاله ، ولا تسمح بظهور تكوينات سياسية على أسس طائفية أوعرقية أو مذهبية ، وتحرص على أن تتسع لكل مواطنيها دون إقصاء أو تهميش ، وتتعامل مع الجميع بالعدل وعلى قدم المساواة فى إطار الدستور والقانون ، حتى لاتدع فرصة للتيارات الهدامة أن تعمل تحت الأرض وتقسم الشعب الواحد إلى شعوب متناحرة.  

والدرس الثانى مرتبط بالأول ، فقد أدت الطبيعة الطائفية للمجتمع اللبنانى إلى تفشى الاستقطاب السياسى ، وطغت السياسة على كل شيء ، وبات من المستحيل فهم أو معالجة أية قضية وطنية بعيدا عن المنافسة السياسية ، فكل تعيين حكومى  وكل تحقيق فى مخالفات ، وكل قرار لتمويل مؤسسة أو وقف تمويلها ينظر إليه على أنه تمييز لطائفة على حساب أخرى ، وهو ما أدى إلى تعطيل العدالة وانتشار الفساد وسوء الإدارة وانعدام الثقة والمساءلة. 

 هناك مؤسسات يجب على الدولة العربية الحديثة أن تخرجها من دائرة الصراعات  السياسية والحزبية ، مثل الجيش والشرطة والقضاء والتعليم والصحة والصحافة والإعلام ، هذه مؤسسات فوق السياسة ، ولا يمكن أن تخضع للمحاصصة والاستقطاب، وإلا فإنها ستصاب بالشلل ولن تؤدى الدور المنوط بها. 

إذا استمعت إلى المتظاهرين فى بيروت ستدرك مدى حاجة اللبنانيين إلى حكومة تمثل الصالح العام بعيداعن الفرقاء الغارقين فى السياسة ، حكومة تنقذهم من لعبة التجاذبات والتوازنات وتوزيع سلطات الحكم وغنائم الدولة.

أما الدرس الثالث فيتمثل فى أن الاقتصاد الريعى المعتمد على السياحة والتجارة والرسوم والضرائب والثروة المعدنية لايقيم دعائم الدولة مهما عظم أمره ، هذه المصادر معرضة للتراجع والنضوب ، ومن ثم لابد من الاعتماد على الإنتاج الصناعى والزراعى لتحقيق أعلى معدل من الاكتفاء الذاتى وتخفيض الاستيراد إلى أدنى حد ، والعمل على توطين التكنولوجيا والصناعات الثقيلة.

لبنان بلد الثراء والرفاهية عندما وقع الانفجار أعلن أن مخزون القمح لايكفيه لأكثر من شهر ،  وهذه الإشارة كانت كافية لدفع الرئيس الفرنسى ماكرون كى يتصرف خلال زيارته لبيروت تصرف السيد المانح ، فيقدم النصائح والشروط والمطالب قبل أن يمد يده بشيك المعونة.

يجب على الدولة العربية أن تستوعب من دروس لبنان أن الاستقلال الاقتصادى يسبق الاستقلال السياسى ، وكرامة الوطن تكمن فى استغنائه عن غيره ، وأن الفقر والفساد هما الباب الملكى لعودة المستعمرالأجنبى.