هيرميس
الجهاز القومى لتنظيم الاتصالات

خارج الصندوق

الباقيات.. الطيبات

** تمضي أيام وليالي رمضان المبارك.. بسرعة.. يقترب الضيف الكريم في حمل ذخائره.. من نفائس ومناسك.. وتجليات مفتوح آفاقها مثل من يرفع راية الإيمان.. ويغوص بالقلب والعقل والمشاعر في هذه الكنوز المتجددة.. المحملة بالرضا والإيثار.. والفهم الحقيقي للابتلاء.. نعيش أيام ما قبل الرحيل.. صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته.. يزداد دعاؤنا.. تكثر تسابيحنا.. نتطلع إلي رصيد الثواب والخير العميم القادم.. والكرم المستفيض.. من القدير العليم الحكيم.. العادل الغفور.. الذي خص نفسه بالجزاء المستحق.. والعطاء النبيل.. الطامح إليه الصائمون في أنحاء الأرض كل الأرض والسماوات.. فكل يسبح.. كل يصوم.. كل يصلي.. لكن بفهمه ولغته.. أليس هو القائل في حديثه القدسي: "كل عمل ابن آدم له.. إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به" فكيف يستطيع عقل المؤمن وقلبه التوصل إلي مفردات الحساب وهو يعلم من الأساس.. أن مثقال ذرة من الخير أو الشر في كتاب مكنون يطالعه كل مخلوق يوم الحساب. 

** نعم يأتي رمضان المبارك ولا نتعامل معه فقط علي أنه شهر الصوم.. إحدي العبادات المفروضة علي المسلم.. وفي وقت محدد.. كل عام.. يكلف به المسلم الراشد.. البالغ.. الذي يجد نفسه محلقاً وسط سماء مفتوحة لاستقبال الطيبات الباقيات.. الصادرة من قلب طهور.. وعقل منفتح.. مدرك لهذه الواجبات.. وهي له.. رغم أنها تتكرر كل عام.. تأتي في ثوب جديد.. مغلفة برداء الحكمة والصبر والجهاد.. الجميع في السباق.. ولكنهم لا يتنافسون مع أحد.. بل في الواقع يستخرجون الفضيلة ويعبرون عن وحدانية العبادة.. يخشاهم دائماً الخوف من أدائه رغم طهارته ونقائه.. يحتاج إلي المزيد من الصبر والتسامي والغوص في بحار بدون قرار.. وسماء لا يحدها سقف.. أو يمنع وصول العمل الصالح من العبد المؤمن إلي الخالق الأعظم.. لا واسطة.. ولا ستار.. ولكن تسامح وصفاء.. وقلب باهج بالدعاء.. آناء الليل وأطراف النهار.. وفي نفس الوقت جهاد يقوي عزيمة المسلم في العمل وكسب العيش والابتكار والتمسك بمكارم الأخلاق. 

** لقد بعثت لأتمم مكارم الأخلاق.. جانب من رسالة أكد عليها النبي الكريم محمد بن عبدالله صلي الله عليه وسلم.. ويتأمل دروسها أجيال المؤمنين.. منذ بدء الرسالة وإلي أن يرث الله الأرض ومن عليها.. ودعانا للعمل.. إذا اقتربت الساعة وكان في يد أحدكم فسيلة فليزرعها وناهيك عن هذه الثروات والحكم والمعاني.. التي يجد الصائم وقتاً أطول لاستعادتها وفهمها ضمن واجبات التهجد والقيام.. إن الحياة اليومية للصائم ومن حوله.. ينبغي أن تتقدم الباقيات الطيبات.. تغذي الشجرة المثمرة لخلافة المسلم.. ولد صالح يدعو له.. وعمل نافع يشهد له.. صدقة جارية يستفاد بها.. وفي دائرة الطعام والإطعام علي سبيل المثال.. نتوقف عند فلسفة العيش والملح عند المسلم.. وحيثياتها كشهادة أمن وأمان وسلام.. ومطلوب منه إذا أطعم الصائم أن يكون من أطيب ما تأكل أسرته.. وإذا ما اقتضي الأمر إطعام المسكين.. أو التصدق عليه.. فيجب أن يكون ذلك طيب المذاق وبالغ الصلاحية وهو الأمر الخاضع للحوار النفسي للصائم دائماً.. إذ يجب أن يمتد للمتغيرات مثل موائد الرحمن وإفطار عابر السبيل.. والآن علينا أن يمتد بذلك إلي مراعاة التاجر لأخيه الصائم بالنسبة لعرض السلعة الجيدة.. وبيعها دون مغالاة في السعر أو غش.. تصوروا لو أن الخبراء تفرغوا لتقييم هذا التعامل المنتظر.. بين الناس والتجار بعيداً عن صوت الياميش العالي أو أسعار المطاعم والسلع.. ليجدوا نسبة مهمة من التراجع الطولي في السعر.. تعكس فعلاً التضامن الاجتماعي.. والمرشح لصفحة الباقيات والطيبات في السلوك.. وعلينا ايضا التأكد من أن صدقاتنا وأعمال البر والخير التي نقدمها للضعفاء.. تذهب للمستحقين.. الذين يرفضون الحل السهل بالتسول.. في الشوارع والميادين.. ولكن يسعون للكسب الحلال.. مهما كان ضئيلاً في الحصيلة.. إلا أنه كبير في الصفحة السلوكية للصائم الحق.. ويفتح الطريق لمساعدة من تحسبهم أغنياء من التعفف.