هيرمس
  • مصر
  • Loading...

رئيس مجلس الإدارة
سـعــــد سـليــــم
رئيس التحرير
عبد النبى الشحات

د. احمد الصاوي

الأزهر والطيب قصة تسع سنوات

بقلم .... د. احمد الصاوي

الخميس 14 مارس 2019

 

فضيلة الإمام الأكبر الأستاذ الدكتور أحمد الطيب، الشيخ الأزهري المستنير الذي قدر له الله أن يضطلع بعبء الدفاع عن إرث 1000 عام أو يزيد، هي عمر الأزهر الشريف، وأن يتحمل مسؤولية هذه المؤسسة العالمية العريقة في لحظات تاريخية وظروف عصيبة لم تشهدها مصر من قبل فقاد سفينة الإسلام بسلام وأمان . 

فهو أحد رجال الأزهر الأفذاذ الذين جمعوا إلى أصالة العلوم والمناهج الأزهرية العميقة والمعتدلة، الثقافة الغربية الحديثة، فهو أحد الذين جمعوا بين الثقافتين العربية والغربية، ، وقاموا بالمزاوجة بين الأصيل الراسخ في الثقافة العربية الإسلامية وبين الجديد الوافد الذي لا يستغني عنه طالب علم أو راغب فقه أو مجدد دين.

بدأ الإمام منذ تولية مسؤولية الأزهر الشريف جمع أبناء الأزهر تحت مظلة واحدة فكانت الرابطة العالمية لخريجي الأزهر هي باكورة انجازاته بعد توليه المسؤولية لتصبح الرابطة  جسراً حقيقياً للتواصل. وبوتقة ينصهر داخلها جميع الخريجين في شتى بقاع المعمورة ، ليصبحوا سفراء للأزهر وللإسلام في بلادهم وذلك من أجل استثمار المنهج الأزهري  الوسطي المعتدل والرافض لأي شكل من العنف والتطرف لنشر السلام في العالم كله.

• ومن فكرة تحقيق السلام الخارجي إلى فكرة تحقيق الوحدة الوطنية الداخلية كانت رؤيته الثانية بعد قيادته للأزهر الشريف وإدراكًا من الإمام الأكبر، لقوة العلاقة التاريخية بين جناحي الوطن مسلميه ومسيحييه، دعا فضيلته إلى قيام "بيت العائلة"، شراكة بين الأزهر الشريف، والكنيسة القبطية، وبقية كنائس مصر، وذلك في مواجهة المحاولات التي يقوم بها أعداء الوطن في الداخل والخارج لزرع الفتنة الطائفية فكانت فكرة بيت العائلة المصري  التي لم تعرف الدنيا في التاريخ القديم والحديث، ما حققه من  متانة في النسيج الوطني وقوة المودة، وعمق الألفة والمحبة بين أبناء أمة من الأمم مثل ما حققه بين شعب مصر مسلميه ومسيحييه. ففي عام 2010، وعلى أثر أحداث عنف استهدفت دورعبادة مسيحية، اقترح شيخ الأزهر إنشاء كيان دائم لحماية الوحدة الوطنية ووأد الفتنة في مهدها، يضم القيادات الدينية من الأزهر وممثلي الكنيسة القبطية والكنائس الأخرى. وقد نجح "بيت العائلة" في تحقيق نجاحات مشهودة واحتواء كثير من الخلافات والمشكلات وحلها في إطار الوحدة الوطنية الجامعة.

 

وإيماناً من فضيلة الإمام الأكبر بضرورة التجديد الواعي الهادف دعا فضيلته علماء الأمة من أبناء الأزهر للقيام بهذه المهمة الصعبة التي شاء الله عز وجل أن تكون في عهده (حفظه الله) وشرفه تعالى بأن يكون مشرفاً عليها، فبدأ منذ توليه مهام الإمامة سنة 2010م، بهذه الخطوات وتوجت بالندوة التحضيرية لمؤتمر (تجديد الفكر والعلوم الإسلامية) في الثالث من رجب سنة1436هـ الموافق للثاني والعشرين من أبريل 2015م، والتي افتتحها فضيلته بقوله ( هذه الندوة نرجو من الله تعالى أن تكون بداية موفقة، بينة المعالم واضحة المسالك والدروب في موضوع تجديد الفكر الديني أو تجديد الخطاب الديني) حيث عمل الإمام الأكبر طيلة خمس سنين منذ توليه منصب الإمام إلى يوم الندوة التي أعلن فيها هذا الأمر عمل على التجديد الهادف الذي شاءت إرادة الله أن توافق خطواته الدعوة التي وجهها رئيس الجمهورية للمؤسسات الدينية حول هذا الموضوع لذلك العمل الحثيث الذي بدأ فيه فضيلة الإمام، فكانت سنوات الإمام الخمس القاعدة الصلبة التي أسس عليها هذا المشروع الكبير .

فعمل جاهدا على النهوض بالتعليم الأزهري, و رسم خريطةٍ واضحةِ المعالم لكل الإصلاحات اللازمة لمنظومة التعليم الأزهري قبل الجامعي 

كما شهدت جامعة الأزهر انطلاقة علمية وتعليمية متميزة، ونجحت في تسجيل إنجازات عدة، سواء فيما يتعلق بتطوير العملية التعليمية، وإضافة المزيد من البرامج والشراكات العلمية المتقدمة، أو على صعيد حصد العديد من الجوائز والتكريمات، داخل وخارج مصر

وفي الجانب الإجتماعي سعى فضيلة الإمام الأكبر إلى انشاء بيت الزكاة والصدقات المصري في 2014م لمساعدة الأسر والأفراد الفقراء والمحتاجين والمرضى والأيتام وطلاب العلم المحتاجين والغرباء وتقديم العون اللازم لهم ، حتى لا يقعوا فريسة لجماعات التطرف والإرهاب ،  فسد الإمام الأكبر من خلال بيت الزكاة صغرة كبيرة كان يتسلل منها الإرهاب عن طريق تقديم الدعم للفقراء والمحتاجين مقابل حمل أفكارهم  ،كما يدعم البيت بعض المشروعات القومية والمبادرات الحكومية كتوصيل المياة لبيوت الفقراء والقضاء على قوائم الانتظار في العمليات الحرجة ومبادرة مائة مليون صحة وحياة كريمة وغيرها 

وتلا ذلك وفي نفس العام انشاء  مجلس حكماء المسلمين كهيئة دولية مستقلة تأسست في 21 رمضان 1435 هـ الموافق 19 يوليو 2014، تهدف إلى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة، وتجمع ثلة من علماء الأمة الإسلامية وخُبَرائها ووُجَهائها ممن يتسمون بالحكمة والعدالة والاستقلال والوسطيَّة، للمساهمة في تعزيز السِّلم في المجتمعات المسلمة، وكسر حدَّة الاضطراب والاحتراب التي سادت مجتمعات كثيرة من الأمَّة الإسلاميَّة في الآونة الأخيرة، وتجنيبها عوامل الصِّراع والانقسام والتشرذُم تحت قيادة الإمام الأكبر شيخ الأزهر وختمت جهودها بوثيقة الأخوة الإنسانية التي وقع عليها شيخ الإسلام وبابا الفاتيكان كميثاق سلام بين بني الانسان 

وفي الجانب الإعلامي وحتى يواكب الأزهر المستجدات شرع الإمام في 2015 في انشاء المركز الإعلامي بالأزهر الشريف وذلك  انطلاقا من الدور الكبير والتاريخي لمؤسسة الأزهر الشريف ، لتحقيق التواصل بين مشيخة الأزهر الشريف وكافة مؤسسات المجتمع الأخرى ، بل والتواصل مع جميع المسلمين في جميع أنحاء العالم و استطاع الأزهر ظل إمامة العالم المجدد الشيخ أحمد الطيب أن يواجه تلك التحديات وأن يقدم إعلامًا دينيًا مهنيًا ومنضبطًا، يخرج بالأمة من متاهات تيارات الإرهاب والإلحاد ويوجه المنبر الإعلامي إلى مساره الصحيح في عرضه للمضامين الدينية.

 فالخطاب الإعلامي الديني الصادر عن الأزهر لا يعمد إلى الخطاب الديني العاطفي والإعجازي، بل إلى خطاب إنساني ومجتمعي، يدرك الواقع ومستجداته ويستوعب الإنسان واحتياجاته وهمومه، فخطاب الأزهر ينطلق من فكر إصلاحي حضاري يستوعب التحديات ويرسخ لفقه المقاصد باستحضار روح النص  فيما يخدم واقع الناس وحياتهم اليومية، ويعمق من معاني الحياة بالترغيب في كل ما يرتقي بالسلوك البشري ويعظم من القيم الإنسانية المشتركة، ويشجب كل معاني الإقصاء والتطرف..

وفي سياق تجديد الخطاب الإعلامي حرص فضيلته على لقاء إعلامي وكتاب ومثقفي وأدباء المجتمع المصري حيث التقى في السادس والعشرين من مايو 2015م ، بنخبة منهم إيماناً منه بأن تجديد الخطاب الإعلامي يحتاج إلى جهد وتحرك جماعي على كافة المستويات وقال فضيلته في ذلك اللقاء ( إن مصر تستحق كثيراً ونحن مسئولون عن هذا الشعب الذي ينتظر منا الكثير).

ثم شرع الإمام الأكبر في تعزيز تواصل الأزهر مع جميع أطياف المجتمع من غير الأزهريين حتى ينشر بينهم المنهج الأزهري فكانت فكرة الأروقة الأزهرية للجمع بين الأصالة التراثية لأروقة الأزهر والمعاصرة في التواصل الثقافي مع غير الأزهريين بل امتدت الأروقة الأزهرية الى ربوع مصر لتنشر المنهج الأزهري الوسطي المعتدل بين غير الأزهريين 

ووضع الأزهر الشريف، من خلال مجمع البحوث الإسلامية، استراتيجية دقيقة لمواجهة الإرهاب وتجديد الخطاب الديني على المدى القصير والمتوسط والبعيد، تعتمد على قوافل توعية من وعاظ الأزهر الشريف التي ستوجد بشكل يومي في طابور الصباح في مدارس وزارة التربية والتعليم والمعاهد الأزهرية، وتتوجه في مناسبات متعددة إلى الجماهير والشباب في نوادي الشباب والشركات والعمال في المناطق الصناعية. كما تتوجه القوافل الدعوية إلى المساجد الكبرى. وتتم هذه الأنشطة بالاشتراك مع وزارات مختلفة بالدولة

ثم كانت زيارة فضيلة الإمام الأكبر لجامعة القاهرة في منتصف شهر صفر سنة 1437هـ،الموافق للأول من ديسمبر 2015م، لتؤكد حرص فضيلته على لقاء أبنائه الطلبة الذين اجتمعوا من كافة الجامعات المصرية بكافة جنسياتهم وأعمارهم .

وقد مثلت هذه الزيارة معاني عدة في مقدمتها الأبوة التي يمثلها شيخ الأزهر لجميع المسلمين عموماً والمصريين ، كما أنها مثلت لحظة تاريخية جسدت مشاعر أبناء الأمة تجاه شيخهم بعد أن رفعت جامعة القاهرة شعاراً خالداً عنوانه ((يا ولدي هذا شيخك الطيب)) ، ذلك أن المصريين ينزلون علماء الأزهر موضع الإجلال والتكريم

ثم كان مركز الأزهر العالمي للرصد والفتوى حصنًا يحمى شباب الأمة في أرجاء المعمورة من خطر الاستقطاب من قبل الجماعات الإرهابية المنحرفة من خلال تبيان حقائق الإسلام الناصعة المستمدة من القرآن الكريم والسنة الصحيحة، وأقوال السلف الصالح، والرد على كل ما يثيره أعداء الإسلام على شبكة المعلومات الدولية ومواقع التواصل الاجتماعي والصحف والمجلات العالمية والدوريات العلمية وإصدارات مراكز البحوث المهتمة بالشأن الإسلامي بقصد تشويه تعاليم الإسلام السمحة ، مما يدفع إلى تشجيع حالة الخوف من الإسلام على الساحة الدولية والخلط بين الإسلام والإرهاب والتطرف

 و في 2016  تحرك نحو 10 عواصم عالمية لمواجهة خطاب التطرف والكراهية، وأطلق مبادرة عالمية للحوار بين حكماء الشرق والغرب ليحقق حكمة الله تعالي في الخلق "وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا". ثم اتجه في زيارة تاريخية هي الأولى من نوعها لشيخٍ للأزهر إلى الفاتيكان معلناً للدنيا كلها أن دين الإسلام هو دين السلام  ثم قاد مساع حثيثة لتحقيق السلام من أجل مواطني بورما انقاذاً للمسلمين الذين يعانون من الكراهية والإضطهاد في ظل صمت عالمي استمر لسنوات طوال ، واستطاع لأول مره أن يجمع شباب منطقة الصراع من مختلف الأديان والطوائف علي مائدة واحدة ليعلن من القاهرة أنه يسعي لتحقيق سلام عادل في بورما للجميع مسلمين وغير مسلمين .

ثم يعلن امام المسلمين عن فتح باب الاجتهاد ويطالب المفتين من دول العالم في مؤتمر الإفتاء بأن يقتحموا القضايا الشائكة ويجتهدوا فيها للتيسير علي الناس ومراعاة تغير الزمان والأحداث ويعلن للجميع أنه قد انتهى زمن الاجتهاد الفردي وان فتح باب الاجتهاد هو للهيئات والمؤسسات.

 وفي    2018 احتل الملف الفلسطيني بصفة عامة والقدس بصفة خاصة حيزا كبيرا من اهتمام الأزهر الشريف وإمامه الأكبر، الذي ندد وأدان الانتهاكات الصهيونية بحق الفلسطينيين، ورفض قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بنقل سفارة بلاده إلى القدس، محذرا من التداعيات الخطيرة المترتبة عليه، ومشدّدا على أن القدس المحتلة، وهويتها الفلسطينية والعربية، يجب أن تكون قضية كل المنصفين والعقلاء في العالم، رافضا طلبا رسميا من نائب الرئيس الأمريكي، مايك بينس، للقاء فضيلته قائلا: " كيف لي أن أجلس مع من يزيفون التاريخ ومن منحوا ما لا يملكون لمن لا يستحقون

وفي 2019 كان الإمام والإخوة الإنسانية

فقد دعا المسلمين في الشرق أن يستمروا في احتضان إخوتهم من المواطنين المسيحيين في كل مكان؛ فهم شركاؤنا في الوطن، وإخوتنا الذين يُذكِّرنا قرآننا الكريم بأنَّهم أقرب الناس مـودَّة إلينا

ثم يذكرنا شيخ الإسلام بألا ننسى أنَّ المسيحيَّةَ احتضنت الإسلام وهو دين وليد وحمته من طغيان الوثنية والشِّرك التي كانت تتطلع إلى اغتيال هذا الوليد في مهده

ثم يبين شيخ الإسلام ويقرر مبدأ المواطنة الذي أقره الرسول عليه السلام مع مواطني الدولة من غير المسلمين ويرفض مصطلح الأقلية فيقول : ـ أقول لإخوتي المسيحيِّين في الشرق: أنتم جزء من هذه الأُمَّة، وأرجوكم أن تتخلصوا من ثقافة مصطلح الأقليَّة الكريه، فأنتم مواطنون كاملو الحقوق والواجبات

وأخيرا يبين أن مصر ورئيسها وشعبها سطروا بأحرف من نور مبدأ الأخوة الإنسانية حينما أقاموا أكبر كنيسة ومسجد كرمز للإخوة الإنسانية مبينا أن مبادرة الرئيس السيسي الرائدة بافتتاح أكبر جامع وكنيسة متجاورين في الشرق الأوسط خطوة هامة نحو تحقيق الأخوة الإنسانية

 

كل هذا وغيره من الجهود الكبيرة والعمل الدؤوب جعل فضيلته في المرتبة الأولى مِن حيث الشَخصيات الإسلامية الأكثر تأثيرًا في العالم. وهذا هو ما يليق بعالمٍ وإمامٍ جليلٍ أخلص لدينه ووطنه وأمته.

مدرس عقيدة وفلسفة بجامعة الأزهر