هيرميس
الجهاز القومى لتنظيم الاتصالات

والسلام ختام

أهلاً رمضان 2

اليوم هو الرابع من شهر رمضان.. كنا في شوق إليه من أيام وها هو يجري مسرعاً.. وغداً ينتصف العشر الأوائل من الشهر الكريم.. وبدأنا نعيش أيامه الجميلة التي يكون فيها القرب من الله أحلي وأجمل.. ونحرص في شهر الصيام علي الصلاة والذكر والتسبيح والحمد كما نحرص علي الصدقات والزكاة وأعمال الخير.. أما من حرمه الله من تلك النعم فإنما هو من ظلم نفسه! 
أعرف أننا جميعا- وأنا أولهم- لنا أخطاؤنا بل وأحيانا خطايانا.. وأعرف أننا فعلنا سيئات وقلنا أقوالاً تخالف الشرع وينهي عنها الله.. لكن ها هي الفرصة قد حانت لمن لحق بهذا الشهر الكريم ليعيش فرحة التوبة وسعادة الاستغفار ورحمة القبول والرضا.. فالصوم لله وحده وهو الذي يجازي به سبحانه وتعالي..!! 

يقول النبي- صلي الله عليه وسلم- "للصائم فرحتان.. فرحة عند فطره. وفرحة عند لقاء ربه".. وهو ما يعني ببساطة شديدة أن الصوم سعادة الدنيا والآخرة.. لكن المهم أن نصوم كما أمرنا الحبيب المصطفي.. أي نصوم عن الفسق والفجور والمعاصي وايذاء الآخرين نفس صيامنا عن الطعام والشراب. 

وإذا كان الصوم يعلمنا الصبر.. فإنما يدلنا علي الخير كله.. ويكفي أن الله سبحانه وتعالي قال: إن الله مع الصابرين.. والصبر هو مفتاح الطريق إلي الله.. والصوم هو الطريق إلي تعلم الصبر كما أنه يعلمنا رقة الاحساس وصدق الشعور فإذا رق قلبك علي فقير أو مسكين أو محتاج بعد أن ذقت ألم الجوع والعطش فقد حققت هدفا من أهداف الصيام لكنه ليس الهدف الأساسي حتي لا يفسر البعض الصيام علي هواه فقد كان النبي عليه الصلاة والسلام أجود الناس وأكثرهم عطاء إلا انه كان أجود ما يكون في رمضان وأفضل حالة من حالات عطائه في رمضان فكان كما يقال أجود بالخير من الريح المرسلة..! 

إلا ان بعضنا وللأسف الشديد يستغل نهار رمضان في النوم والهروب من العمل وبذلك ضاعت منه فرصة الفوز بخيرات الصيام.. لأن المسلم إذا شعر بتعب الصوم فإنما ينكسر أمام أوامر الله ونواهيه وعندما تنكسر نفسه الأمارة بالسوء أمام أمر الله ونهيه ويعظم شعائر الله في الصوم فإنه بذلك يقوي نفسه ويسمو بروحه ويتعلم الصبر.. وكما يقولون فإنه إذا كان الصوم نصف الصبر فإن الصبر نصف الايمان لذلك يقول الله سبحانه وتعالي: "وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون" كما قال الحبيب المصطفي "الصوم جُنَّة" أي وقاية ومانع من الآثام وبالتالي وقاية ومانع من النار. 

"أهلاً رمضان".. لو عرفنا قيمة هذا الشهر الكريم وأن الله سبحانه وتعالي خص به أمة حبيبه محمد- صلي الله عليه وسلم- ما تركنا خيراً إلا وفعلناه.. وما فعلنا شراً فيه أبداً. 

ان الله يعتق فيه الرقاب من النار.. وان الله يجازي به.. وهل هناك خير وأفضل من ثواب الله؟ وان أمتنا الإسلامية في كل بقاع الأرض تعيش أمة واحدة في هذا الشهر الكريم فكلنا نصوم لرؤية الهلال ونفطر لرؤيته وهو أمر يوحد شعوبنا جميعا.. فقراء وأغنياء وسعداء وتعساء.. عرباً وأعاجم.. كباراً وصغاراً يعيشون حالة الإيمان الحقيقية والتواصل مع بعضهم البعض لذلك عرف أهمية هذا الشهر أعداء الإسلام والعروبة قبل أهلها.. وفهموا انه أحد أسرار الفوز والنجاة والتقدم والسعادة لذلك أدخلوا عليه كل الأوزار.. وحاولوا جذب المسلمين الصائمين إلي أمور أبعد ما تكون عن دينهم..ولكن لأن الله غالب علي أمره.. نري حالة الايمان تزداد بل وتلمع بشكل رائع مع هلال رمضان.. ويعود الانسان إلي فطرته التي فطره الله عليها وهو ما يعرفه العرب باسم المعروف كما يقول الشيخ الغزالي وكما يقول الشاعر العربي: 

ولم أر كالمعروف .. أما مذاقه 
فحلو. وأما وجهه فجميل ! 

فإذا كان هذا هو حال الصوم فكيف نسيء إليه؟ الاساءة تأتي إما من سوء العرض أو من سوء التطبيق.. وبالطبع فإن ذلك ينتج عن سوء الفقه وغياب البصيرة.. من هنا كانت ضرورة البحث عن أسس سليمة لتجديد الفقه وتجديد الرؤية الإسلامية بما يتوافق مع الواقع الذي نعيشه الآن. 

والبداية يجب أن تكون من الدعاة أنفسهم إلي الدين وإلي الصوم.. عليهم هم أولا ان يفهموا المعني الحقيقي للدين أو الصوم أو الصلاة حتي يقدموا المعني الحقيقي الصحيح للمسلمين ثم يشاركونهم التطبيق العملي الصحيح بما يتفق مع صحيح الدين وقول الله سبحانه وتعالي. 

عندما سأل حذيفة النبي- صلي الله عليه وسلم- هل بعد عصره الطيب شر؟ أي خير مشوب؟ قال الحبيب: نعم فسأله: فهل بعد هذا الشر من خير؟ قال الحبيب: نعم وفيه دخن فسأله حذيفة.. وما دخنه؟ قال الحبيب المصطفي: أناس يهدون بغير سنتي تعرف منهم وتنكر!! 

لقد توصل الحبيب المصطفي إلي أول الداء وهو الدخن حتي وصل بنا الأمر الآن إلي أن كثيراً من الدعاة لا يملكون بضاعة غير هذا الدخن.. ولعل هذا يفسر سببا رئيسيا من أسباب تراجع المسلمين.. لأننا ابتعدنا عن سنة الحبيب المصطفي.. ووجدنا من يدعو إلي الابتعاد عن الدنيا وعلومها بحجة الايمان أو الزهد ورسولنا الكريم دعانا إلي أن نعي ما حولنا ونفكر وندري ونفهم الدنيا كما نفهم الدين!! 

لقد أصبح بعض الدعاة يتحدثون عن سنن الفطرة كاللحية مثلا وكأنها من أساسيات الإسلام وفروضه بينما يتابعون أخباراً عن مذابح المسلمين أو عن فقراء المسلمين في بلادهم لأن ذلك- وللأسف- مبلغهم من العلم. 

وقد ذكر الشيخ الغزالي في كتابه الدعوة الإسلامية ضرورة فهم الحياة.. وقال ان العلم بالحياة الانسانية وما ظهر فيها من علوم وفلسفات وما تسوقه للناس من اغراءات ضرورة ملحة حتي نحسن عرض الإسلام ولنكشف الجوانب التي تضيء حياتنا منه. 
لقد كنا نصدر المبادئ والقيم إلي غيرنا فهل استغني هذا الغير عنا؟ وبم؟ ولم زهد فينا؟ وما هي أخطاؤنا؟ ويجيب: ان اخطاءنا في جنب الله كثيرة وتقصيرنا في خدمة الإسلام فاضح والفقه الدستوري والدولي عندنا صفر وفقه المعاملات مجمد والتربية  الفردية والمجتمعية فوضي ومع ان فقه العبادات متحرك الا ان الخلافات فيه تشير إلي عوج ينفر المتدينين في المسالك الدينية جملة. 
لابد أن نعرف ان للمسلمين أعداء يخشون صحوة الإسلام والمسلمين إذا عرفوا دينهم بحق.. وعلي الدعاة أن يعرفوا من يواجهون وما الفكر الذي يحرك هؤلاء الذين يريدون بنا شرا وما هي البدائل الإسلامية والوطنية لدينا؟ 
ان في شهر رمضان فرصة رائعة لأن نصحو من غفلتنا ونتنبه للخطر المحدق بنا.. انهم يعرفون أن قوتنا في فهم هذا الدين بحق.. ويعرفون أن شهر رمضان يوحدنا ويجمعنا علي قلب رجل واحد نحو الله ونحو المجتمع ونحو الحق لذلك فإنهم لابد أن يحاربونا من داخلنا بالابتعاد عن الحق والانسياق وراء أمور هامشية. 
رمضان كريم ومن كرمه أننا نعي ما يحدث حولنا ونعود إلي الله بحق.. وكل عام وأنتم بخير. 
همس الروح 
** لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين. 
** اللهم أرزقنا في رمضان من الأقدار أجملها ومن السعادة أكملها ومن الأمور أسهلها ومن الخواطر أوسعها ومن حوائج الدنيا أيسرها. 
** اللهم وفقنا لحسن صيام رمضان وقيام ليله وتلاوة القرآن.. وبلغنا ليلة القدر واجعلنا ووالدينا من عتقاء من النار ومن المقبولين.