كلام بحب 

أمير الإنسانية .. مصر لن تنساك

 

‎ظل طوال حياته مهموماً بأمته العربية وساعياً لتحقيق وحدتها من المحيط إلى الخليج .. وهو بلا جدال من أهم القادة الداعمين لتوفير الأمن والأمان لكل المهاجرين واللاجئين  المشردين فى العالم .. فكان من الإنصاف أن يكون أحد أكبر حكماء العرب .. ومن الطبيعى أن تمنحه الأمم المتحدة لقب « قائد العمل الإنساني » فى 9 سبتمبر 2014. بالتأكيد فإن رحيل الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح أمير الكويت خسارة كبيرة للأمتين العربية والإسلامية و لا نبالغ إذا قلنا إنه خسارة للعالم وللبشرية لمواقفه وأعماله .. فقد كان مدافعاً صلباً عن قضايا العرب والمسلمين فى المحافل الدولية حيث استمر 40 عاماً وزيراً للخارجية .. وأصبح عميداًللدبلوماسيين فى العالم .. وكان يملك قلباًعطوفا ويتصف بالمروءة وبالشهامة والحرص على السلام وإغاثة الملهوف وإيواء المشردين من ضحايا الصراعات و النزاعات فى  ‎كل مكان على ظهر الأرض  

‎.. وإذا كان رحيل المغفور له بإذن الله الشيخ  صباح خسارة دولية وللعرب والمسلمين .. فإنه كان يمثل «عامود خيمة» البيت الخليجى وأحد أهم ركائز استقرار هذه المنطقة خاصة وأن هذا العام كان صعباًعلى الخليج حيث شهد بدايته وفاة السلطان العمانى قابوس والآن يفقد أمير الكويت فى وقت يحتاج إلى الحكماء الذين يعملون على استعادة وحدة  «مجلس التعاون » لمواجهة التحديات الإقليمية والدولية

‎لا تنسى مصر أبداً مواقف أمير الكويت الراحل بعد 30 يونيو ومساندته الواضحة بحضوره للمؤتمر الإقتصادى فى شرم الشيخ فى مارس 2015.. وإشادته الدائمة بدور مصر فى تعزيز العمل العربى ودعم واستقرار الدول العربية.. كما كان التنسيق بين البلدين على أعلى المستويات وكافة الأصـعـدة .. فالعلاقات متينة واستراتيجية بين الدولتين .. وكان الشيخ صباح بحكمته يقوم بوأد أى فتنة أو تصرفات فردية غير مسئولة لان الرجل كان يقدر دور مصر قبل استقلال بلاده عام 1962 وبعدها أو خلال أزمة الغزو العراقى .. مثلما يعرف الشعب المصرى ما قامت به الكويت بعد هزيمة 1967 وأثناء حرب أكتوبر 1973 وبعدها.. فالمصالح مشتركة والتنسيق مستمر بين القيادتين والتواصل لا ينقطع بين الشعبين و لا يؤثر ما يقوم به البعض ممن لا يريدون الخير للطرفين ويحلو لهم الوقيعة بين الأشقاء خاصة عندما تعددت زيارات الأمير الراحل لمصر بلده الثانى وقيام الرئيس عبدالفتاح السيسى بثلاث زيـارات للكويت أعوام 2015، و2017، و2019 لتأكيد التنسيق وزيادة التعاون فى كل المجالات 

‎لـم تكن العلاقات المصرية الكويتية على المستوي الرسمى والدبلوماسى أو التنسيق التجارى والأمنى فقط .. ولكن الأهم هو التلاحم بين الشعبين فى الثقافة والأدب والفن والرياضة .. فمن من المصريين والكويتيين بل والعرب جميعهم ينسى فضل مجلة «العربي» التى أصدرتها وزارة الإعلام الكويتية عام 1958 برئاسة تحرير الدكتور أحمد زكى الذى كان قبلها رئيساً لجامعة القاهرة ومؤسساً للمركز القومى للبحوث ثم تولاها بعده الكاتب الصحفى الكبير أحمد بهاء الدين .. وفى المسرح فإن زكى طليمات ساهم فى تطويره وانطلاقه.. أما الكابتن طه الطوخى فكان أول مدرب مصرى يساهم فى فوز الكويت ببطولة الخليج لأول مرة .. والمعلم حسن شحاتة الذى فاز بأحسن لاعب فى آسيا عندما لعب لنادى كاظمة عام 1970 كل هؤلاء ساهموا فى الحياة الإجتماعية للشعبين وزادوا من توطيد العلاقات ببين المصريين والكويتيين 

‎رحم الله الشيخ صباح الأحمد .. الذى برحيله خسر دعاة الإنسانية أميرهم .. وفقدت شعوب الأمتان الإسلامية والعربية حكيمهم .. وغاب عن أهل الخليج من يجمع شملهم .. وودعت مصر صديقاً مخلصاً وداعماً فى المحافل الدولية ــ لذلك لن ننساه ــ فماذا عن الكويتيين الذين كان الله فى عونهم وصبرهم على مصابهم وهم يبدأون اليوم عهداً جديداً .. وخطوة نحو المستقبل مع قائد آخر يكمل المسيرة ؟ 

*****
‎الكويت وتحديات المستقبل

‎ عالية وشامخة مثل أبراج الكويت، كانت أحلام الشيخ صباح الأحمد لمستقبل بلاده .. فقد كان يخطط ليضعها فى مصاف الدول المتقدمة .. ويسعى لجعلها مركز مالياً وتجارياً عالمياً .. ويعمل على عدم الإعتماد على البترول وان يكون اقتصادها متنوعاً ومتعدد الدخل .. والأهم ان تستعيد الكويت مكانتها كواحة للديمقراطية والحريات وتفوقها الثقافى والفنى والرياضى الـذى اهتز كثيراً بعد حرب التحرير ‎من الغزو العراقي

‎ من شاهد فيلم « بس يا بحر » أول وأهم المحاولات السينيمائية الخليجية الـذى أخرجه خالد الصديق عام 1971 من تأليف عبدالرحمن الصالح وبطولة حياة الفهد ومحمد المنصور وسعد الفرج، فسوف يعرف من أين جاء أهل الكويت بصلابتهم وإصرارهم على النجاح وتجاوز الآلام والحزن .. وهذا يجعلنا على ثقة من أن الشيخ نواف الأحمد الصباح الأمير الجديد سيكمل مشوار شقيقه الراحل متجاوزاً كل التحديات الإقتصادية والسياسية والإجتماعية

‎ تعانى الكويت مثل معظم بلدان المنطقة والعالم من انخفاض عوائد البترول ومن جائحة كورونا مما يؤثر بقوة على الإقتصاد وعلى تنفيذ رؤية الشيخ صباح الأحمد التى وضعها للكويت الجديدة عام 2053 حيث كان يخطط لمشروعات تنموية عملاقة ومتنوعة أهمها إقامة منطقة حرة كبرى تجتذب الإستثمارات الأجنبية من خلال ما  يسمى  " جزر الكويت " الخمس ومشروع « مدينة الحرير » بالتعاون مع الصين .. وبعد تأهيل جيل جديد من الشباب المُسلح بتعليم ذكى ويجيد التكنولوجيا الحديثة.. وبالطبع فإن هذا الجانب الإقتصادى من أكبر التحديات

‎.. وعلى المستوى السياسى فالكويت تعيش أجواء الإنتخابات البرلمانية بعد انتهاء فترة مجلس الأمة فقد كان حلف الأمير الجديد اليمين آخر استحقاق لهذا المجلس وفقاً للدستور وإلا لظلت عملية تنصيب الأمير الجديد تنتظر إلى ما بعد الإنتخابات التى تشهد جواً ساخناً وتربيطات فى «الديوانيات» واجتماعات فى التشاوريات والوصول إلى الفرعيات وهى عبارة عن اتفاقات قبلية وعشائرية لإختيار مرشحين بعينهم يمثلون عائلاتهم .. فرغم عراقة الديمقراطية فى الكويت بالنسبة لدول الخليج ولكثير من الدول العربية مازالت القبائل والعشائر وأحياناً المذاهب الطائفية لها قوتها فى المجتمع وتؤثر على الحياة السياسية والنيابية وتزيد من سخونة الإنتخابات وربما تزيد حرارتها عن ما يضرب البلاد فى موسم " الطوز " 

‎ .. وبالنسبة للجانب الإجتماعى فيتطلع الكويتيون إلى ما وعدهم به الأمير الراحل وبدأ تنفيذه من تحقيق العدالة والمساواة .. فهو الذى كان نصيراً للمرأة وأول من استعان بها كوزيرة عندما كان رئيساً للوزراء وعندما أصبح قائداً للبلاد دخلت البرلمان بل وأصبح لها دورها فى الحياة العسكرية، ومازالت المرأة الكويتية تتطلع للأكثر.. ويطالب المنتظرون للحصول على الجنسية من « البدون » بسرعة إنهاء معاناتهم .. ويأمل الشباب فى دور أكبر خاصة وأن الشيخ نواف يؤمن بالشباب واعطاهم فرصة تولى المناصب عندما كان وزيراً للداخلية لضخ دماء جديدة .. كما انه له خبرة طويلة فى مساعدة البسطاء من خلال توليه وزارة الشئون الإجتماعية والعمل ومن قبلها كان وزيراً للدفاع أى انه قبل ان يصبح ولياً للعهد عام 2006 تولى مسئولية الأمن الداخلى والدفاع عن البلاد وعن مصالح الفئات المهمشة وعن الباحثين عن العمل ولقمة العيش لذلك تتزايد الآمـال فى المستقبل معه.. كما تأمل الـدول العربية ‎والإسلامية والخليجية ان يحافظ القائد الجديد للكويت على نهج بلاده الحيادى والداعم للمصالحة وتحقيق السلام وعدم التخلى عن القضايا الأساسية وأهمها فلسطين والقدس

يفخر الكويتيون ببلادهم وبتاريخهم الثقافي فهم رواد الكتابة والصحافة في الخليج .. وكذلك بانتاجهم الفنى والدرامى فإذا كانت مصر هي هوليود الشرق والعرب فإنهم يعتبرون الكويت هوليود منطقتهم .. وعندهم من النجوم الكبار الذين أبدعوا فى اعمالهم بالمسرح والتلفزيون ولا يمكن لاى عربى ان ينسى الفنان الراحل عبد الحسين عبد الرضا واعمالة واشهرها " عزوبى السالمية " ومسرحية  " باى باى لندن "  .. اما فى الرياضة فيتذكرون إنهم الاكثر فوزا  ببطولات دورات الخليج لكرة القدم واول من صعد من عرب آسيا لنهائيات كأس العالم عام 1982 في اسبانيا بفضل نجومهم جاسم يعقوب فاكهة الكرة الخليجية وفتحي كميل والعنبري والدخيل والطرابلسى وذلك عندما كان الشهيد الشيخ فهد الأحمد رئيساً لإتحاد الكرة وهذا الرجل سيظل فى ذاكرة المصريين قبل الكويتيين فقد استشهد دفاعاً عن وطنة فى اول يوم للغزو العراقى فى أغسطس عام 1990.. والأهم انه مناضل قاتل مع المصريين فى حرب 1967 ومع حركة التحرير الفلسطينية ضد اسرائيل و رغم انه من الاسرة الحاكمة إلا انه كان رحمة الله متواضعاً .. وكان لى شرف مقابلتة فى الكويت وفى الامارات واجريت معة عدة لقاءات بعد تأهل المنتخب الكويتى لكأس العالم 

..إذا كان أهل الكويت يعيشون في حزن لفراق أميرهم المحبوب الشيخ صباح الأحمد فإنهم يأملون بمستقبل مشرق مع الشيخ نواف وولي عهده الذي سيختاره بالتشاور مع العائلة .. وكل كويتي يردد مع شادي الخليج صاحب الصوت الذهبي "انا الكويت.. هذي بلاد لا تحب الخضوع الا إلى ربها وشعبها" وسلمت للمجد يا كويت