بطاريات منصور
أخبار التعليم
  • مصر
  • Loading...

رئيس مجلس الإدارة
سـعــــد سـليــــم
رئيس التحرير
عبد النبى الشحات

علاء طه

أبيض وأسود

أسرار رسمية يكشف أكاذيب غزو العراق

بقلم .... علاء طه

الجمعة 15 نوفمبر 2019

"في الحرب، الحقيقة هي الضحية الأولي".. في القرن الخامس قبل الميلاد أطلق ابو المسرح اليوناني اسخيلوس هذه المقولة، لكنها تظل طازجة إلي اليوم، مفعولها ساري، ولا يفوتها الكُتّاب في الإستعارة كلما حاولوا اختزال مسيرة أي حرب في كلمات موحية.. لكن في حالة العراق تحديدًا وغزوها علي ايدي القوات الأمريكية والبريطانية في 2003، لم تكن فقط الحقيقة ضحية، ولكن كانت الأكاذيب هي بطلة جريمة كبيرة لتدمير حضارة بلاد الرافدين.

16 عامًا مرت علي غزو العراق، وهو وقت كبير، حتي امتلكت هوليود الشجاعة لتنشر الغسيل القذر لهذه الحرب، عبر فيلم "official secret"، "أسرار رسمية"، للمخرج الجنوب أفريقي ديفيد هود، الذي يعرض هذه الأيام في صالات العرض السينمائية، مأخوذًا عن قصة حقيقية لكاثرين جان، الموظفة السابقة بالمخابرات البريطانية، التي وثقها كتاب "The Spy Who Tried to Stop the War"، "الجاسوسة التي حاولت إيقاف الحرب" لمارسيا وتوماس ميتشل. 

حتي وقت قريب كان يتخوف صناع السينما الإقتراب من هذه القصة خوفًا علي سمعة أمريكا وبريطانيا، لكن صعود ترامب من برامج الترفيه والفضائح الجنسية، لإدارة أمريكا، بكل ما يعنيه من شعبوية ومعاداة للديموقراطية والحرية، وبكل ما يعنيه من كراهية للحقيقة ولحق الناس في المعلومات، وتكرار نسخته بالكربون في بريطانيا عبر بوريس جونسون، وضع الجميع أمام أزمة هشاشة الديموقراطية وسيولتها التي تسمح لأشخاص معادين للإنسانية قي الوصول للحكم، وهو ما جعل المناخ مناسبًا لإنتقاد الذات، ولتمرير القصة عبر شريط سينمائي يكشف حجم التضليل والأكاذيب التي صنعها بوش الابن وذيله البريطاني بلير لغزو العراق، والأهم رسالة الفيلم عن سذاجة الشعبين الأمريكي والبريطاني حينما أطاح قائدهما بقيم الديموقراطية، وتحايلًا علي الحشود والإحتجاجات الرافضة للحرب في البلدين التي كانت الأضخم في التاريخ، وضربًا بعرض الحائط الرأي العام العالمي، وانحازا لتجار الحروب والسلاح علي حساب مئات الآلاف من الضحايا العراقيين والجنود من البلدين، وبالنهاية نقف أمام تساؤل حول المسؤولية الفردية تجاه المجتمع، وهل تستحق الحقيقة أن تخاطر بكل شيء من أجلها؟

نحن إذًا أمام توقيت مثالي للإعتراف بجريمة غزو العراق، وهو البلد الذي ينتفض منذ بداية الشهر الماضي علي مآلاته ومستنقع الفساد والإدارة السيئة جراء انهيار الدولة علي يد الغزاة، ووقوعها في ايدي طبقة سياسية لا تعرف سوي المصالح الخاصة.. شباب عراة يرفعون شعار "نريد وطنًا" ويدفعون أثمانًا باهظةً من الدم حيث وصل القتلي الضحايا خلال 45 يومًا لأكثر من 350 شخصًا غير عشرات الجرحي، لكنهم مصممون علي استعادة الدولة من فلول أمريكا وإيران وداعش الذين يسيطرون علي القرار السياسي. 

مفارقة هذا الفيلم الذي تعود احداثه للعقد الماضي أنك تشعر مع لقطاته ان لحظة الغزو وتداعياتها لم نفارقها رغم مرور السنوات، تغيرت الشخوص ولا زال العالم يعاني من نفس الممارسات، ولا يزال العراق ينزف.. بطلة الفيلم، الممثلة الرائعة،  كيرا نايتلي، ردًا علي سؤال مجلة تايم الأمريكية في حوار مطول معها قبل شهر، عن أهمية رواية هذه القصة اليوم قالت:" ما زلنا نعيش في عواقب ذلك الصراع، في بريطانيا، وفي أماكن كثيرة في العالم،  ويشكل حاضرنا. كانت هناك خيبة أمل كبيرة بعد تلك الحرب، وما زلنا نشعر بتداعيات ذلك. لا تزال مسألة مساءلة الحكومة، والأخلاق داخل أجهزة الاستخبارات لدينا حاضرة. ومسألة أي نوع من المجتمع نرغب نحن كمواطنين في العيش فيه، مهمة للغاية. بطريقة مضحكة، ما زلنا نعيش هذا الفيلم. إنها فترة ، لكنها لا تزال حاضرة إلى حد كبير".

كلام نايتلي يضرب منظقتنا بالأسي، فرغم أن الوجع وجعنا، فنحن الضحايا، والمصاب بيننا، فلم تصدر رواية عربية معتمدة علي الحقائق وموثفة عن هذه الحرب، لم نري فيلمًا مصريًا ولا عربيًا شجاعًا عن هذه الحرب، ولم نقتات سوي العواطف في تجارب طفولية مثل فيلم "العاصفة" لخالد يوسف، بينما يمكن ان نرصد عشرات الأفلام الأمريكية عن الحرب في العراق وهذا الفيلم أحدهم ولن يكون آخرهم.. العالم يحاسب نفسه وقادته ويعيد قراءة الأحداث ونحن مثل النعامة نضع أعناقنا في الرمال.

نايتلي في الفيلم تؤدي ببراعة ونضج الشخصية الحقيقية لكاثرين جان المترجمة من الصينية في جهاز الاستخبارات الإلكترونية البريطانية، كان عملها سريًا لا يعرفه أقرب الناس إليها، وكانت في السابعة والعشرين من عمرها، حينما بدأ بوش وبلير التحضير للحرب علي العراق، فبينما تتابع في منزلها أحاديثهما المفعمة بالتحريض علي غزو العراق بدعوي تجريد نظام الرئيس الراحل صدام حسين من أسلحة الدمار الشامل، التي لم يعثر عليها إلى اليوم، ومزاعم تعاونه مع تنظيم القاعدة الإرهابي، تغرق مع العشرات من زملائها بالاستخبارات في أعمال التجسس الإلكترونية والتنصت علي المكالمات الهاتفية، وفجأة تجد في بريدها مذكرة من وكالة الأمن القومي تكشف عن طلب الحكومة الأمريكية من بريطانيا التجسس على دبلوماسيي الأمم المتحدة حتى يمكن ابتزازهم لدعم غزو العراق عبر التصويت بمجلس الأمن لصالح الحرب.. المذكرة تطالبها و100 من زملائها بالتفتيش في الحياة الخاصة لمندوبي 6  دول بمجلس الأمن والحصول علي نقاط ضعف جنسية أو مالية أو عائلية لابتزازهم او رشوتهم من أجل الوقوف في صف الحرب مع أمريكا وبريطانيا اللتان تبحثان عن غطاء دولي شرعي للقرار.. ولأنها تعلم أن اسلحة الدمار الشامل أكذوبة، تقرر ايقاف الحرب لانقاذ آلاف الضحايا المحتملين ولو بالمغامرة بوظيفتهما وحياتها، فتسرب المذكرة السرية للصحافة حيث تتلقفها جريدة الأوبزرفر الموالية لتوني بلير وقراره بضرورة الحرب، وهنا نري شجاعة أخري من الصحفيين الاستقصائيين الذي يفضلون الإنحياز للحقيقة علي الركون لسياسة الجريدة وقربها من السلطة ويبذلون مجهودًا خارقًا ما بين صقور المخابرات والسياسة ما بين لندن وواشنطن حتي يتأكدوا من عدم تزوير المذكرة، وينشرونها بالنهاية في صدر الصفحة الأولي بعنوان قوي هو "الكشف: ألاعيب أمريكا القذرة للفوز بقرار الحرب على العراق" Revealed: Us Dirty Tricks to Win Vote on Iraq.

تعترف كاثرين بما قامت به ويقبض عليها ثم يفرج عنها بكفالة حتي يتم توجيه الإتهام الرسمي لها ومحاكمتها، لكن في المقابل يتحايل بوش وبلير علي الفضيحة بقرار الحرب المتعجل دون انتظار قرار دولي من مجلس الأمن.. تبتلع الحرب الفضيحة، وتنقلب حياة كاثرين مع زوجها ياسر المسلم التركي لجحيم لعدة أشهر، يتم فيها تعقبها، ويحاولون ابعاد زوجها عن بريطانيا، ويضغطون علي أعصابها، وهنا تظهر شجاعة جديدة من المحامي الحقوقي الذي تستعين به للدفاع عنها، والذين يحالون اغرائه وظيفيًا مقابل التخلي عن القضية، لكنه يرفض، وبالنهاية يوجه لها الاتهام الرسمي فتقرر عدم اعترافها بالذنب ويتقدم المحامي بطلب للمحكمة العليا بالكشف عن وثائق الحرب لإثبات الفضيحة، فتقرر حكومة بلير في أولي جلسات المحاكمة لملمة الفضيحة للحيلولة دون وصولها للرأي العام ثانية بسحب الإتهامات لكاثرين والتنازل عن دعوي الخيانة بزعم أنها قامت بالتسريب بنية حسنة.

مخرج الفيلم يدعم رؤيته ضد الحرب بكل ما أوتي من مواد فيلمية أرشيفية ومؤثرات، وشحن ممثليه بأداء يناسب ايقاع القصة التي تبدو مثل جمرة نار وسط رماد الحرب.

ربما لا يبدو الفيلم مثيرًا وساخنًا مثل أفلام الجاسوسية والمخابرات التي برعت فيها هوليود لكن تبقي رسالته قوية في فضح أكاذيب الحرب علي العراق، وفي ضرورة محاكمة ومساءلة بوش وبلير عن جرائهما وأكاذيبها، حتي لا يعاد تدويرهما وكوارثهما العالمية في  نسخ أشد سوءً وكارثية سواء في ترامب بأمريكا أو جونسون ببريطانيا.. والأهم يوجه أنظار العالم إلي العراق باعتباره بلدًا يحتاج لدعم الجميع لانقاذه من المعاناة المروعة التي عاشها في الحرب ولا يزال يعيشها في الفوضي الجارية الآن.

[email protected]