هيرميس
الجهاز القومى لتنظيم الاتصالات

مجرد كلام

أريد أن أنام !!

 

 

نعيش في عالم تعتصره التوترات والمنغصات والمشاغل التي لا تنتهي، وكثيرا ما يحرمنا ذلك من النوم أو لا يجعلنا نحصل على كفايتنا منه. وتأتي أحدث الاكتشافات حول أهمية النوم للصحة البدنية والعقلية في وقت تجور فيه التكنولوجيا على حقنا من النوم بشكل لم يسبق له مثيل. ووسائل التواصل الاجتماعي، والإنترنت، ومشاهدة التلفزيون، وألعاب الفيديو، تمنعنا بشكل مطرد من اللجوء إلى الفراش في المساء.

ومنذ أكثر من 400 عام، وصف شكسبير النوم بأنه "ممرِّضة الطبيعة الرقيقة" وكان هذا الوصف أقرب إلى الحقيقة مما كان يعرفه شكسبير!!

وعدم الحصول على قسط كافٍ من النوم يتسبب في تشويه قدرتنا على ضبط مشاعرنا. وعلى المدى الطويل، يمكن أن يزيد ذلك من خطر الإصابة باضطرابات صحية عقلية. وقد تتسبب حالات القلق والاكتئاب في مزيد من اضطراب النوم. ولحسن الحظ، هناك طرق مؤكدة لتحسين جودة النوم والخروج من هذه الحلقة المفرغة.

ويقول الخبراء إن قلة النوم تزيد من خطر الإصابة بمرض السكري من النوع 2 وأمراض القلب والأوعية الدموية والسمنة.

لكن الحصول على قسط جيد من النوم ليلًا يعزز قدرتنا على إدراك العالم بدقة. أما الحرمان التام من النوم لمدة 3 ليالٍ على التوالي فيؤدي إلى حدوث تشوهات في الإدراك وهلوسة وأوهام.

الإنسان البالغ يحتاج إلى ما يتراوح بين 7 إلى 9 ساعات من النوم يوميًا، مع اختلاف التوصيات المحددة حسب العمر. ومع ذلك، تشير الدراسات إلى أن (29٪) من البالغين في الولايات المتحدة ينامون أقل من 6 ساعات كل ليلة.

وقلة النوم تمثل مصدر خطر، فهي تؤدي لظهور مجموعة من مشاكل الصحة العقلية. ويتسبب الأرق في زيادة احتمالات الإصابة بالاكتئاب بمقدار أربعة أضعاف بعد 3 سنوات. ووجد الباحثون أيضًا علاقة بين الأرق وزيادة احتمالات الانتحار.

وهناك علاقة بين مشاكل النوم في مرحلة الطفولة المبكرة وتطور الذهان واضطراب الشخصية في مرحلة المراهقة. وتعد اضطرابات النوم أيضًا سمة شائعة مصاحبة لمعظم الأمراض العقلية، بما في ذلك القلق والاكتئاب والاضطراب ثنائي القطب والفصام. وهذه العلاقة ثنائية الاتجاه (تأثير وتأثر) بين مشاكل النوم وسوء الصحة العقلية يمكن أن تؤدي إلى دوامة من الهبوط.

الرأي التقليدي يقول إن النوم المتقطع هو عَرَض أو نتيجة لـ [اعتلال الصحة العقلية]؛ ولذلك لا يحظى علاج مشاكل النوم بالاهتمام الكافي. وهناك من يرى أن النوم المضطرب يتسبب في حدوث اختلال الصحة العقلية. ثم تظهر دورة متصاعدة بين ضائقة أعراض الصحة العقلية، وتأثيرها على الأداء أثناء النهار، والمعاناة في الحصول على نوم صحي لتجديد النشاط والحيوية.

وتشير الدراسات إلى ضرورة تثقيف الناس حول النوم لتغيير سلوكياتهم وعمليات التفكير. وتشمل النواحي الصحية الجيدة للنوم، الحد من القيلولة أثناء النهار، وتجنب الكحول والنيكوتين والكافيين في المساء، والامتناع عن استخدام الأجهزة الرقمية في وقت النوم.

ويمكن تقييد النوم بتقليل الوقت الذي نقضيه في السرير ليتناسب بشكل أكبر مع مدة النوم التي نحتاجها. والتحكم في المحفزات، مثل استخدام غرفة النوم للنوم فقط، والنهوض من السرير بعد 15-20 دقيقة من الاستيقاظ.

وليلة من النوم المضطرب يمكن أن تجعلنا نشعر بالإحباط أو التوتر أو الغضب قليلاً في اليوم التالي. وقلة النوم تزيد من المشاعر السلبية حيث يصبح العمل صعبًا في اليوم التالي. وهي تقلل من الاستجابات العاطفية الإيجابية عندما تسير الأمور على ما يرام.

وتأخير النوم لمدة ساعتين، مع الاستمرار الاستيقاظ في الوقت المعتاد، يخنق المشاعر الإيجابية، مثل الفرح والحماس والشعور بالرضا. ويزداد هذا التأثير مع توالي أيام التأخر في النوم.

الاضطرابات العاطفية المؤقتة الخفيفة نسبيًا تقود إلى حلقة مفرغة. مثل اجترار أحداث اليوم الماضي، أو القلق بشأن الغد، وهذا بدوره يمنع الشخص من النوم مرة أخرى.

وقد يشعر المصاب بالاضطراب ثنائي القطب، بحالة تنبه شديدة تمنعه من النوم أثناء نوبة الهوس. كما يشعر المصاب باضطراب التوتر بالقلق الشديد.

وهناك علاقة بين جينات الساعة البيولوجية – وبين الإصابة باضطرابات نفسية معينة، بما في ذلك الاضطراب ثنائي القطب، والاضطراب العاطفي الموسمي، والفصام.

وتشير الأبحاث إلى أن المخ يعالج الذكريات العاطفية أثناء نوم حركة العين السريعة Rapid Eye movement (النوم الذي تحدث فيه الأحلام) مما يساعدنا على "التخلص من" التجارب المخيفة أو المؤلمة.

ولاحظ الباحثون أن مضادات الاكتئاب تثبط نوم حركة العين السريعة، مما قد يحسن المزاج بشكل مطرد وذلك بمنع اندماج للذكريات العاطفية السلبية من الحدوث.

وفي الكوابيس المتكررة التي تداهم المصابين باضطراب ما بعد الصدمة عادةً، يبدو الأمر كما لو أن الدماغ يحاول، بشكل متكرر، ولكنه يفشل، في إزالة الذكرى العاطفية المرتبطة بوقوع حادث صادم.

وتشير الأبحاث إلى أن عقار برازوسين، الذي يعالج ارتفاع ضغط الدم، يمكن أن يخفف من كوابيس المحاربين القدامى المصابين باضطراب ما بعد الصدمة.

يبدو أن هذا العقار يخفض مستويات النورأدرينالين، وهو أحد هرمونات الدماغ التي تحدد تقدمنا ​​في مراحل النوم المختلفة مع تغير مستويات هذه الهرمونات.

وهذا العام، بدأ الأطباء النفسيون في هولندا بحثا كبيرًا في مشاكل النوم لدى الذين تم تشخيص إصابتهم حديثًا بحالات اضطراب الصحة العقلية، بما في ذلك الاضطراب ثنائي القطب والاكتئاب والقلق واضطراب ما بعد الصدمة وانفصام الشخصية.

في وصف دراستهم القادمة، كتب الأطباء النفسيون: رغم ارتفاع معدل حدوث اضطرابات النوم والآثار السلبية المؤكدة على الصحة العقلية، لا يتم إيلاء اهتمام كبير لمشاكل النوم في مراكز رعاية الصحة العقلية. وكثيرًا ما يتم تشخيص اضطرابات النوم بعد سنوات من ظهورها؛ وهي السنوات التي تكون فيها قلة النوم قد خلَّفت آثارًا ضارة على الصحة البدنية والعقلية، والأداء أثناء النهار، ونوعية الحياة.

أريد أن أنام!!