معاً للمستقبل

قرارات مصيرية صنعت التاريخ..!!

 

في حياة الشعوب والأمم قرارات مصيرية غيّرت وجه الحياة فيها، وصنعت أمجادها وأيامها التاريخية..وفي مصر أمجاد تاريخية صنعتها قرارات جريئة بوأتها ما تستحقه من مكانة وأخرجتها من هوة سحيقة كادت تلقي بها في غياهب النسيان لولا عناية الله وشجاعة رجال وضعوا أرواحهم على أكفهم لا يبتغون إلا وجه الله وصالح بلادهم التي من مصلحتها أن يسجل مؤرخوها وكتابها مثل تلك القرارات الشجاعة حتى تبقى الأجيال الجديدة على صلة بتاريخها وتتخذ من أصحابها قدوة حسنة تحذو حذوها، وتسير على هدى سيرتها وعطائها وتضحياتها.

ويكفي تأليف كتب مبسطة أو إنتاج مسلسلات شائقة أو أفلام جذابة تحكي سيرة أمة وتسجل للتاريخ أهم أيامها وتحولاتها الكبرى لتصنع للأجيال الجديدة مُثلاً عليا وقدوة حسنة حتى نتفادى مشكلات كثيرة وقعنا فيها جراء انزلاق شبابنا لتقليد لاعبي الكرة أو نجوم الفن وغيرهم ونسيان أبطال التاريخ الوطني الحقيقيين الذين قامت على أكتافهم نهضة الدولة وأمجادها.

من مشاهد التحول الكبرى في تاريخنا قرار تأميم قناة السويس الذي أقدم عليه الرئيس الراحل جمال عبدالناصر عام 1956 وواجه بسببه عدوان القوى الكبرى على مصر التي لم تتراجع قيادتها السياسية عن هذا القرار التاريخي الذي أعاد حقها في شريانها المائي الإستراتيجي الذي حفره أجدادنا بالعرق والدماء والدموع..كما جاء قرار الرئيس السادات بخوض حرب أكتوبر ليمحو عار النكسة،  ويستعيد الأرض والعرض ويكتب ملحمة تاريخية لم يحقق العرب مثلها في العصر الحديث، وأعقبه بقرار السلام لاسترداد ما بقي من ترابنا الوطني من براثن العدو الإسرائيلي ..ولا يقل أهمية قرار الرئيس السيسي يوم كان وزيراً للدفاع في حكم الإخوان بالانحياز لإرادة الشعب وقراره التاريخي بإزاحة جماعة الإخوان عن سدة الحكم بعد عام من الاستقطاب والتطاحن السياسي كاد يفضي إلى احتراب أهلي لولا عناية الله وثورة الشعب ضد محاولة اختطاف مصر لحساب التنظيم الدولي لجماعة الإخوان وقتها.

ذكريات حرب أكتوبر تحمل معها روائح النصر والعزة والمجد والشرف والانتماء بكل ما تحمله الكلمة من معنى.. وكلما تجددت تلك الذكرى أوقدت في ذاكرة الوطن همة وحيوية وإيماناً بقدرة المصريين على صنع التاريخ وتجاوز الآلام والتحديات والمخاوف ..فقد انتصر المصري على نفسه قبل أن ينتصر على عدوه المتغطرس وأعوانه الذين أمدوه بكل صنوف الدعم من سلاح وعتاد ومعلومات استخباراتية وصور حية بالأقمار الصناعية لما يجري على الأرض من اشتباكات أمدت في عمر المعركة الكبرى حتى حسمها المصريون في ست ساعات، أفقدوا العدو توازنه ولقنوه درساً أحسبه لن ينساه أبداً بعد أن صار لمصر درع وسيف ورجال أشداء صدقوا ما عاهدوا الله عليه .

من دروس أكتوبر وعبرها أن الحق لا يضيع مهما تقادم ولا يفت الحديد في عزيمة المصري متى شاء وآمن بحقه وقدرته وتهيأت له الظروف لاستعادة هذا الحق؛ فلا تنقصنا القوة ولا القدرة على مسايرة العصر ومواكبة التطور مهما تكن سرعته وصعوبته؛ فالمصريون دائماً قادرون على تطوير قدراتهم بسرعة مذهلة حتى في أحلك ساعات الشدة وأشدها إظلاماً ومن ثم فلا يساورنا أدنى شك أن مصر ستكسب معركتها مع سد النهضة وتحفظ حقها التاريخي في مياه النيل ما دامت معركتنا عادلة وعزيمتنا لا تلين في المطالبة بالحق الذي لن يضيع مهما طال الزمن.

ومن وحي نصر أكتوبر يتجدد السؤال: هل تراجع دور إعلامنا وصحافتنا عما كان عليه أيام النصر العظيم..وكيف كان هذا الدور استباقياً مارس التمويه والخداع الإستراتيجي كما رسمته القيادة الساسية قبيل الحرب لتضليل العدو ومن معه، فخاطب جبهتنا الداخلية بلغة غير تلك التي خاطب بها العالم الخارجي مما خلق أجواءً من التكتم والتعتيم انطلت على أعتى أجهزة المخابرات وبينها الموساد الإسرائيلي الذي تكونت لديه ولدى غيره قناعة بأن مصر لن يمكنها بدء الحرب أبداً حتى انفتح الطريق أمام قواتنا كي تعبر وتسجل ملحمة قتالية هى معجزة عسكرية بكل مقاييس العلوم العسكرية توقف أمامها الخبراء طويلاً بالإعجاب والفحص والدرس واستخلاص الدروس وجني الفوائد.

خاض إعلامنا وصحافتنا وهما في أعلى درجات المهنية والكفاء والاستنارة والوطنية المعارك على الأرض في طليعة جنودنا، يشدان من أزرهم ويسجلان بدقة وسرعة فائقة تفاصيل المعارك ومشاهد البطولة لحظة بلحظة ليعلم القاصي والداني كيف ضحى الرجال وتفوقوا وسطروا بدمائهم الزكية أروع قصص البطولة والفداء، وضرب شعبنا وجيشنا وشرطتنا أروع الأمثلة في الشجاعة والحكمة والصمود والجرأة والتحمل والإخلاص وحب الأوطان والكفاءة وعبقرية التخطيط ودقة التنفيذ بروح قتالية لا مثيل لها ..ولمَ لا وقد كنا جبهة داخلية موحدة يأتلف جميع أطيافها على قلب رجل واحد، لا خائن فيها ولا متخاذل ولا مرجِف ولا مثبّط للعزائم .

ولا عجب والحال هكذا أن يتحقق النصر في أبهى صوره، فالكل رضي بالتضحية والمشاركة في القتال، وكنا نرى المحررين العسكريين في صدارة الصفوف جنباً إلى جنب جنودنا وضباطنا فنال إعلامنا احترام الجمهور، وحفر بأحرف من نور مصداقيته في الذاكرة القومية وكان في أكتوبر 1973موضع فخر واعتزاز كبيرين وكم نرجو أن يعود لأداء الدور نفسه في مواجهة الدولة للإرهاب والفساد، وما يشنه أعداؤها هنا وخارج هنا من حروب نفسية أريد بها توهين العزائم ونشر الإحباط وصرف الشعب عن دولته التي تعيش ظروفا ربما هى أقسى مما عاشته قبل 47 عاماً غداة العبور العظيم ..أليست دولتنا مضطرة لخوض حرب ضروس ضد أهل الشر والإرهاب وأخطبوط الفساد والإهمال..ألسنا نعاني ظروفاً مؤلمة فرضتها أحداث يناير وتداعياتها المريرة ثم جائحة كورونا التي تسببت في وقف الأنشطة وتعطيل حركة الحياة والاقتصاد وما كان لمصر أن تعبرها لولا جهود إصلاحية مخلصة في الاقتصاد واستعادة الأمن والاستقرار والتغلب على مشكلات انقطاع التيار الكهربي، وتشييد شبكة طرق قومية عملاقة بأحدث مواصفات تمثل شرايين تنمية جديدة بطول البلاد وعرضها.

وقد يقول قائل ما الذي يجعل ظروفنا الحالية أخطر وأكثر صعوبة حتى من فترة ما بعد نكسة يونيو 1967..والجواب أننا اليوم نحارب على أكثر من جبهة في الداخل والخارج معاً؛ فثمة إرهاب يتخفى بأشكال مختلفة، محاولاً تقويض دعائم الاستقرار..وثمة عدو خارجي وآخر من بني جلدتنا، يعيش بيننا ويطلع على دخائلنا وأدق تفاصيل أسرارنا وهو جماعة الإخوان التي تمثل المتغير الأخطر في معادلة الصراع المفروض على مصر؛ جاعلة من معركتها أكثر خطراً من كل ما عاشته مصر في تاريخها الحديث وربما تاريخها كله؛ الأمر الذي يضاعف حاجتنا إلى دور أكثر فعالية واستنارة تضطلع به مؤسسات الدولة كافة وفي صدارتها الإعلام والصحافة، والأزهر في معركة أساسها الفكر، وقوامها الوعي الحقيقي الرشيد.

ثمة فروق شاسعة بين إعلامنا زمن أكتوبر، وما قام به من صناعة وعي شعبي ورأي عام ناضج افتقدناه للأسف بعد يناير وما وقع في أعقابها من أحداث ومتغيرات وصفها الرئيس السيسي بأنها كانت علاجاً خاطئاً لتشخيص خاطيء، استغله البعض ليقدم للمصريين صورة مزيفة لولا عناية الله وانحياز الجيش للشعب الذي خرجت ملايينه للشوارع لإزاحة جماعة الإخوان عن الحكم الذي لولا هذا الخروج الكبير لسقطت مصر في براثن الفوضى والتفكك والضعف والانهيار.

أخطر ما تعرضت له مصر ولا تزال هو محاولة خداع المصريين بوعي زائف أحدث وقتها انقساماً واستقطاباً حاداً وتفرقاً نتج عنه انفلات ضرب كل شيء وأضر بمجتمعنا ضرراً لا يزال الجميع يدفع ثمنه غالياً حتى اليوم.

وظني أن الإعلام والمؤسسات المعنية بصناعة العقل والوجدان ومن قبلها الأسرة لو تصدت وقتها لتلك الفتن ونهضت بأدوارها المرجوة لجرى إجهاض مخططات الفوضى الرامية لتفكيك الدولة وتدميرها بأيدي حفنة من بنيها الذين وقعوا فريسة للشائعات التي لا تزال هي ديدن الإخوان حتى هذه اللحظة..الأمر الذي يضاعف مسئولياتنا جميعاً إعلاماً وأحزاباً ونخبة لتحصين الوعي الشعبي ضد رياح الفتن وسيل الأكاذيب وحملات التشويه المغرضة.

وإحقاقاً للحق فإن الرئيس السيسي بذل ولا يزال جهداً خارقاً لبناء وعي حقيقي للمواطن لتحصينه ضد أدوات حروب الجيلين الرابع والخامس ليعوض غياب الإعلام المستنير حيث تصدى ببساطته وصراحته المعهودة لشرح تحديات المرحلة ومتطلباتها ومخاطرها وذلك من خلال ندوات تثقيفية للقوات المسلحة ومؤتمرات الشباب ومناسبات وطنية أخرى مثل افتتاح المشروعات القومية الجديدة ..موضحاً كيف جرى استخدام مواقع التواصل الاجتماعي لخلق صورة ذهنية زائفة لتستقر في وعي المواطن تحبطه وتهز ثقته في نفسه وقيادته ودولته.

ورغم المحاولات المستميتة من جانب أعداء مصر لزعزعة الاستقرار وإثارة القلاقل بين الحين والآخر فإن الرئيس السيسي لا يبدو قلقاً؛ ذلك أن الوعي الذي تشكل بعد تلك الأحداث كبير للغاية؛ ومن ثم فالرئيس لا يخشى على مصر من أخطار الخارج وتحدياته مادمنا هنا جبهة موحدة متماسكة، ويداً واحدة قوية.

ورغم متاعب شعبنا ومشاكله فلن تؤثر فيه الشائعات مهما كثرت ولن يضعف عزيمته الصلبة ما يمارس عليه من حروب نفسية بات واعياً بها وبأغراضها ولن تخدعه الأكاذيب ولن يهزمه الباطل مهما تعددت قنواته وأشكاله ؛ ومن ثم فلا غرابة إذن أن يشيد الرئيس السيسي دائماً وأبداً بالشعب وما تحمله في سبيل مصر وأمنها واستقرارها..ولا ننسى يوم طالب الرئيس قائد طابور العرض في أحد احتفالات أكتوبر بأداء التحية لهذا الشعب؛ عرفاناً بما صنعه من إنجازات وبطولات منذ ثورة يوليو 1952 وحتى اليوم، مروراً بثورة 30 يونيو..وفي المقابل فإن العام الذي حكمه الإخوان رأينا رئيسهم يطوف استاد القاهرة في أحد احتفالات أكتوبر داعياً قتلة السادات صاحب قرار العبور العظيم ليجلسوا ويا للمفارقة الحزينة في الصفوف الأولى غير آبه بعواقب مهزلة تعد من عجائب الدنيا ..لكن هكذا هي جماعة الإخوان التي تضمر لمصر وقياداتها وشعبها شراً مستطيراً لا يخفى خطره ولا يؤمن جانبه ..اللهم احفظ مصر وشعبها وقيادتها وجيشها وشرطتها وكل من يبني ويرفع راية دولته عالية خفاقة تباهي الدنيا بأسرها ..حفظ الله مصر وشعبها وقيادتها وجعلها في رباط إلى يوم الدين.