المؤسسة المالية والاستثمارية الرائدة في الاسواق الناشئة والمبتدئة
  • مصر
  • Loading...

رئيس مجلس الإدارة
سـعــــد سـليــــم
رئيس التحرير
عبد النبى الشحات

منى عمر

سد النهضة ودبلوماسية حل الأزمة

بقلم .... منى عمر

الجمعة 01 نوفمبر 2019

 

لا شك ان قضية سد النهضة أصبحت من القضايا المثيرة للقلق المصري في الوقت الراهن خاصة وانها تتعلق بمستقبل وأمن البلاد المائي والقومي والإقتصادي

ولعل الخلاف في وجهات النظر في هذا الشأن بين كل من مصر وأثيوبيا يحيلنا إلى التاريخ القريب للعلاقات  بين البلدين  حيث أن هذه العلاقات كانت وطيدة إبان حكم الإمبراطور الراحل هيلاسلاسي والذي كانت تربطه علاقات صداقة قوية بالرئيس الراحل جمال عبد الناصر بالإضافة إلى أن الكنيسة الأثيوبية كانت تتبع الكنيسة الأرثوذكسية المصرية التي كانت ترسل القساوسة من مصر للعمل في الكنائس الأثيوبية ثم تراجعت قوة العلاقات في عهد منجستو هيلا ماريام الذي أطاح بهيلاسلاسي واستقلت الكنيسة الأثيوبية وأصبح لها بابا خاص بها

وقد استمرت العلاقات بين البلدين متوترة خاصة بعد ان كونت مصر تحالف سفاري ١٩٧٥ مع الولايات المتحدة والمغرب والسعودية وإيران وكينيا وهو تحالف مضاد للمد الشيوعي فاعتبر منجستو هذا التحالف مؤامرة مصرية ضد أثيوبيا.

ثم جاء إلى الحكم بعد ذلك مليس زيناوي قائد جبهة تحرير تجراي الإنفصالية سابقا والتي تربطها علاقات وثيقة بالخرطوم وهكذا أصبحت علاقات أثيوبيا جيدة بكل دول الجوار العربي بإستثناء اريتريا التي كان هناك صراع طويل معها أنهاه مؤخرا آبي أحمد الذي حصل على جائزة نوبل للسلام بسبب جهوده وسعيه لإنهاء هذه الحرب .

وهكذا فإن العلاقات مع أثيوبيا هي تاريخ من العلاقات المتباينة ومنذ أقدم العصور هناك روابط تجمع بين الشعبين أهمها تشاركهم في الإنتفاع بمياه نهر النيل العظيم وجدير بالذكر أن نهر النيل يأتيه ٨٥% من المياه من النيل الأزرق و١٥%من البحيرات العظمى.

وقد سعت مصر منذ أوائل القرن العشرين  لتأمين حصتها ومواردها هي والسودان من المياه من خلال أكثر من اتفاقية وقعت بريطانيا على اثنين منها لأنها كانت تستعمر مصر والسودان في ذلك الوقت وقد كانت أولى هذه الإتفاقيات عام ١٩٠٢ في أديس أبابا وكانت بريطانيا فيها ممثلة لمصر والسودان وأثيوبيا ونصت على عدم إقامة أي مشروعات على النيل الأزرق اوبحيرة تانا أو نهر السوباجا ثم كانت اتفاقية ١٩٢٩ والتي تم فيها إقرار دول الحوض بحصة مصر المكتسبة من مياه النيل وحق مصر في الإعتراض في حالة إنشاء هذه الدول مشروعات جديدة على النهر وروافده .

ثم وقعت مصر في عام ١٩٥٩  اتفاقية مع دول الحوض تم فيها الإعتراف بالحقوق التاريخية لمصر والسودان في نهر النيل.

ثم حدث مابين ١٩٥٦ /١٩٦٤ أن قام مكتب الولايات المتحدة للإستصلاح (إحدى إدارات الخارجية الأمريكية) بعملية مسح للنيل الأزرق وإقتراح وتحديد موقع لبناء السد دون الرجوع إلى مصر حسب الإتفاقيات السابقة.

وقد تم الإنتهاء من تصميم السد في نوفمبر ٢٠١٠
وفي مارس ٢٠١١ تم منح عقد قيمته٤.٨ مليار دولار لشركة ساليني كونستروتو الإيطالية  لتنفيذ المشروع الذي وضع له ميليس زيناوي حجر الأساس في ٢ابريل ٢٠١١ وقد أعلن حينئذ بأن السد لن يقلل من توافر المياه لدول المصب وأن بلاده سوف تتقاسم دراسة مخططات السد مع مصر حتى يمكن تقييم تأثيره على دولتي المصب.

هذا ويقع السد على النيل الأزرق بولاية بيشقول بالقرب من الحدود الأثيوبية السودانية على مسافة تتراوح بين ٢٠و٤٠كم ويعتبر أكبر سد كهرومائي في القارة الأفريقية والعاشر عالميا ويبلغ ارتفاعه ١٧٠ م وعرضه١٨٠٠ متر وهو مبني من الخرسانة المضغوطة وتبلغ سعة خزانه ٧٤ مليار متر مكعب من المياه وقد تمت تغطية تكاليف إنشاؤه من خلال السندات الحكومية والتبرعات الخاصة .

وقد اعتبرت مصر في ذلك الوقت ان توقيع إتفاق العنتيبي من قبل ٩ دول من دول حوض النيل في غياب مصر والسودان هو انتهاك لمعاهدة ١٩٥٩ 

وعندما طلبت مصر الفحص والتفتيش على تصميم السد رفضت أثيوبيا واشترطت تخلي مصر عن حق الفيتو على توزيع المياه الممنوح لها طبقا للإتفاقيات السابقة.

وفي مارس ٢٠١٢ أيد البشير بناء السد
وجدير بالذكر  ان توتر علاقات مصر مع عدد من دول حوض النيل وسوء إدارة مصر لملف المياه في بدايات إنشاء السد كان له أبلغ الأثر في تفاقم الأمر وتعقده.

وترى مصر أن هذا السد سوف يؤدي إلى خفض دائم لمنسوب المياه في بحيرة ناصر لأن مياه الفياضانات سوف تخزن في أثيوبيا  وهو من شأنه التقليل من قدرة السد العالي في أسوان لإنتاج الطاقة الكهرومائية  وأنه خلال ملىء الخزان سوف يحدث إنخغاض مؤقت في توافر المياه وإنخفاض دائم بسبب التبخر من خزان المياه وهو بالتالي سوف يؤدي  إلى فقد من ١١ إلى١٩ مليار متر مكعب من المياه سنويا مما سيؤثر بالسلب على المساحات المزروعة وعلى الجهود المبذولة للتنمية الزراعية والصناعية .

وقد تابعنامؤخرا ما حدث من توتر كبير بعد تصريحات آبي أحمد امام البرلمان الأثيوبي والتي لمح فيها لإستعداد بلاده للحرب إذا ما كان هناك تحرك مصري في هذا الإتجاه وهو مادفع بمصر للإعراب عن صدمتها وأسفها الشديد لهذه التصريحات وأنها ترى أنه من غير الملائم االخوض في أطروحات تنطوي على تناول الخيارات العسكرية لأن ذلك يعد مخالفا لنصوص ومبادىء  وروح القانون الأساسي للإتحاد الأفريقي.

وقد عاد آبي احمد ليؤكد التزام بلاده بعدم الإضرار بدولتي المصب حيث ان استقرار البلدين قوة وقيمة مضافة للقارة الافريقية بأسرها وقد اتفق مع الرئيس عبد الفتاح السيسي عقب لقاؤهما في روسيا يوم ٢٤ اكتوبر الماضي على ضرورة الإستئناف الفوري لأعمال اللجنة الفنية لسد النهضة من أجل التوصل لتصور نهائي بشأن قواعد ملىء وتشغيل السد .

والمتابع لهذه الأزمة يستطيع ان يلمح وجودا خفيا لإسرائيل منذ اللحظة التي تم فيها تحديد مكان إنشاء السد ثم قيامها بعد ذلك بتقديم دراسات الجدوى والخرائط الهندسية وقيامها حاليا بتوقيع عقود توزيع كهرباء السد إلى كينيا وجنوب السودان كذلك قدمت دراسات جدوى إلى كل من رواندا والكونغو لإقامة ثلاث سدود على مياه البحيرات العظمى والتى تشكل الرافد الثاني لمياه نهر النيل ولا شك ان وجود منظومة الصواريخ الإسرائيلية حول السد يعتبر أبلغ دليل على ضلوع أسرائيل في المؤامرة وانها تستخدم أثيوبيا كرأس حربة لإختراق القارة سياسيا واقتصاديا وعسكرياوهو مايحيلنا الى توقيت الشروع في بناء السد  وهو نفس توقيت تنفيذ الخطة الشيطانية الكبيرة في الشرق الأوسط   تحت مسمى ثورات الربيع العربي والتي كان الهدف منها تغيير الخريطة في المنطقة واضعاف البلدان بتفتيتها وزعزعة إستقرارها وتغيير نظم الحكم بها وإحلال أنظمة حكم عميلة وخائنة  وهو ماكشفته وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة هيلاري كلينتون في كتاب نشر لها.

وهنا لايفوتنا الإشادة بالسياسة الحكيمة لمصر وسعيها المستمر لضبط النفس واللجوء الى الطرق الدبلوماسية والوساطة الدولية وهي السياسة التي يثمنها العالم أجمع ويشيد بها.