• مصر
  • Loading...

رئيس مجلس الإدارة
سـعــــد سـليــــم
رئيس التحرير
عبد النبى الشحات

محمود عابدين

الوردة الجورية.. والطفلة اليونانية

بقلم .... محمود عابدين

الثلاثاء 07 مايو 2019

منذ زمن بعيد.. قمت بزيارة عمل قصيرة إلى دولة اليونان في الأيام الأولى من شهر رمضان الكريم .. أي في مثل هذه الأيام.. تجولت في مدنها وريفها.. استمتعت بجوها الجميل ومصايفها الرائعة وآثارها العتيقة قدر المستطاع.

وللحقيقة فإن اليونان تستقبل ما يقارب الـ 20 مليون سائح سنويا.. أي أن قطاع السياحة في هذا البلد الأوروبي هو المساهم الأكبر في اقتصادها نظرا لشواطئها الخلابة ومواقعهاً الأثرية الـ 17 المصنفة ضمن مواقع التراث العالمي لليونسكو.. مع العلم أن مصرنا الحبيبة بها من الشواطئ الساحرة والآثار النادرة ما يجعلها تتقدم أي دولة في العالم.. فقط نحتاج إلى عقول مبدعة لاستغلال واستثمار تلك الثروات حتى ننهض باقتصادنا من عثراته ونعيد لقطاع السياحة والعاملين فيه ما فقدوه طوال السنوات الأخيرة بسبب الإرهاب الأسود الذي أساء لنا جميعا.
 

المهم.. أثناء تواجدي في ريف منطقة  "خالكيزا" والتي تبعد عن العاصمة أثينا حوالي 80 كيلو متر.. لفت انتباهي حديقة عامرة بأشجار الفواكه والورود لمنزل ريفي مكون من طابقين يشبه إلى حد بعيد القصور الملكية لأجدادنا قدماء المصريين العظام.

أمام هذا المشهد المُبهر.. مددت يدي وقطفت وردة بيضاء من النوع الجوري رائعة الجمال.. كانت تتدلى من غصنها خارج سور الحديقة الخشبي.. وما هي إلا ثوان معدودة حتى سمعت صوت طفلة عمرها 8 أعوام تقريبا تستغيث بوالديها لاسترجاع الوردة مني.

وبسرعة البرق.. خرجت والدتها.. سيدة في العقد الرابع من عمرها.. غاية في الرقي والجمال.. وبعد أن "حكت" لها ابنتها الجريمة البشعة التي ارتكبها هذا الغريب ( العبد لله ).. إستسمحتني السيدة بالإنصات لحديثها لدقائق معدودة.

امتثلت للأمر ولم أبرح مكاني حتى اقتربت منى وتأكدت بأنني غريب عن المكان.. وهنا التمست السيدة لي بعض العذر.. ومع ذلك أعطتني درسا قاسيا ومهما في التعامل مع الزهور والأطفال معا.

في الحقيقة تأسفت للسيدة أكثر من مرة على ما بدر مني بعد أن أعدت الوردة للطفلة وانتهى الموقف بــ "سلااااااااام".

تذكرت هذه الواقعة بعد مرور 30 عام تقريبا عندما شاهدت أحد أطفالنا الأبرياء ممسكا بيد والده وهو ينهر شابا في العقد الثالث من عمره يقطف عدد من الورود اليانعة الجميلة التي تزين المساحات الخضراء بميدان التحرير منذ يومين.. فما كان مني إلا أن شكرت الطفل على وعيه البيئي والوطني.. كما شكرت والده على حُسن تربية طفله.. وبدأت في توجيه بعض النصائح للشاب الذي اغتال – عمدا أو جهلا – مجهود المخلصين الذين زرعوا هذه الزهور لنسمتع بعطرها الفواح وجمالها الأخاذ كلما مررنا بالميدان.

الموقفان السابقان جعلاني أتذكر الحدائق الجميلة التي كانت تزين المساحات الصغيرة أمام كل فصل من فصول مدرستي الابتدائية في قريتي الحبيبة "منية محلة دمنة".. كما تذكرت أيضا المجهود المُضني الذي كان يبذله فراش المدرسة "عم مسعد" – رحمه الله – في زراعة ورعاية هذه الحدائق.. وكيف كانت مُدرسة الفصل الأبلة "فاطمة" – رحمها الله – من وقت لآخر تجعلنا نساعد "العم مسعد" في الاهتمام بحديقة الفصل.

وهذا ما يجب أن ننشئ عليه أطفالنا حتى يعرفوا ويدركوا معنى الوعي البيئي والاتجاهات والقيم والعادات والتقاليد والمسؤولية والادراك والتربية الإيجابية نحو القضايا البيئية التي تساعد على وفي خلق روح المشاركة الوطنية.