رَمَضَانَ والناس
هيرمس
  • مصر
  • Loading...

رئيس مجلس الإدارة
سـعــــد سـليــــم
رئيس التحرير
عبد النبى الشحات

محمد علي البدوي

الطب والسياحة:

بقلم .... محمد علي البدوي

الأحد 30 ديسمبر 2018

تسعي الدول لتنويع مصادرها السياحية من أجل خلق فرص جديدة لاستيعاب المتغيرات الكثيرة التي أصابت الاقتصاد العالمي وجعلته دائم التغير.

 

ومنذ قديم الزمان يسافر الناس بحثا عن مهارة طبيب هنا أو هناك وكم قرأنا عن قصص مشاهير الأطباء العرب الذين ذاعت شهرتهم إبان العصرين الأموي والعباسي وكيف كان يتهافت عليهم الناس من كل حدب وصوب بحثا عن علاج أو نصيحة.

 

ومازالت صفحات التاريخ تذكر الرازي وابن سينا وأبن النفيس والزهراوي وامية بن عبدالعزيز الاندلسي وأبو علي احمد بن مندويه وغيرهم الكثير والكثير ممن أضافوا الي علوم الطب حتي أن مؤلفاتهم ظلت مرجعا أساسيا لكل علماء الطب حتي بدايات القرن التاسع عشر الميلادي.

 

وانتشرت في ربوع الدولة الإسلامية المستشفيات(البيرامستان)ويقال انها كانت تعالج المرضي بالمجان.
ويعد بيمارستان قلاوون أشهر بيمارستان عرفته القاهرة حيث خصص له الناصر قلاوون الأموال والأطباء والمعاونين واهتم به اهتماما كبيرا وكان يعالج كافة الأمراض الي أن تحول في عصور لاحقة لمستشفي لعلاج الأمراض النفسية والعقلية فقط وتم تحريف كلمة بيمارستان الي مورستان واصبحت ترتبط بكل ما يتعلق بالعلاج النفسي والعقلي.

 

والفضل في النهضة الطبية في العصور الإسلامية يعود إلي حركة الترجمة الواسعة وإفساح المجال للإبداع والابتكار في كافة المجالات مما انعكس علي الطب بشكل مباشر.

 

وكنا قديما نطلق علي الطبيب لقب (الحكيم) نظرا لما يجب أن يكون عليه الطبيب من إنسان يجمع بين بساطة العلماء وحكمة الفلاسفة والمفكرين والمبدعين ولا يمكن أن ننظر للطبيب الا من وجهة النظر هذه لأن الطبيب في نهاية الأمر ليس مجرد جراح يحمل المشرط والسكين بين يديه بل هو فيلسوف يعرف كيف يداوي جروح النفس قبل جروح البدن.

 

والطب ليس بمعزل عن المجتمع فهو احد أعمدة نهضة المجتمع وتقدمه واتذكر مقولة العالم الكبير الدكتور أحمد زويل عندما تقابلنا في مدينة السحر والجمال شرم الشيخ وطلبت منه أن يحدثني عما يتمناه لمصر فقال لي بالحرف الواحد'اتمني ان نهتم بالطب والتعليم فهما عماد النهضة'.

 

والطب في كل بلدان العالم غالي التكلفة وباهظ التكاليف بغض النظر عن النظم التأمينية التي تضمن لمعظم طبقات الشعب(في البلدان الاوروبية) الحصول علي خدمة طبية متقدمة بأسعار زهيدة أو بتغطية تأمينية مجانية وهذا ما نتمني ان نشاهده في مصر في القريب العاجل ورأيي الشخصي أن مصر سوف تنجح في تطبيق هذه المنظومة التأمينية لأن وراء هذه الفكرة رئيس لا يعرف إلا النجاح.

 

المهم أن العلاج والطب أصبحا في كثير من الدول الأوروبية مصدرا من مصادر السياحة واصبحا يحققان أرقاما قياسية لا يمكن تصورها.هذا النجاح يكون وراءه منظومة طبية ذات سمعة ممتازة ومهارة طبية يفد إليها المرضي من مختلف بلدان العالم لثقتهم في أن ما سيدفعونه من أموال سوف يتحول إلي خدمة طبية عالية الجودة وليس هناك أغلي ولا أهم من صحتنا وصحة عائلاتنا لكي نضحي بالغالي والنفيس من أجلها.

 

وقضية أسعار الطب المرتفعة ليست قاصرة علي بلد معين بل هي ظاهرة عامة في كثير من البلدان ولكنها تكون أكثر ظهورا في المجتمعات الفقيرة كما أن فرضية أن الطب قد تحول الي تجارة لا يمكن تعميمها وكذلك لا يمكن تجاهلها لانها قضية تمس حياة الملايين ممن لا يملكون الا الامل في علاج ناجع.

 

إذن موضوع إستخدام الطب في الترويج للسياحة ليس بجديد، وحتي في مصر هناك بعض المستشفيات ذات السمعة الجيدة التي تستضيف من حين لآخر بعضا من إخواننا العرب لتلقي العلاج بها ولكنها تبقي مجرد محاولات فردية لا ترتقي إلي كونها منظومة متكاملة من أجل الترويج للسياحة العلاجية في مصر.

 

كنت قد ذكرت في مقالة سابقة أهمية تصدير الأطباء للخارج وطالبت وزارة السياحة أن تدرس القصور الشديد لدي بعض الدول الإفريقية في تخصصات طبية معينة منها جراحة المخ والأعصاب وكيف يمكن أن نرسل البعثات العلمية والطبية لهذه الدول كنوع من القوي الناعمة لمصر لأن الاخوة الأفارقة في حاجة شديدة الي العديد من الأطباء المهرة ومصر بكل تأكيد تمتلك الأطباء المهرة من ذوي الضمائر الحية ممن سيشكلون فريقا تسويقيا لكل ما هو مصري.

 

ما دفعني اليوم للكتابة حول السياحة العلاجية هو تجربة أراها جديرة بالإهتمام والتسويق خاصة إذا صدرت عن مؤسسة وطنية لا تهدف مطلقا إلي الربح المادي علي حساب السمعة الجيدة.

 

رأيت وشاهدت في مستشفي وادي النيل فكرة إستضافة خبراء أجانب لإجراء جراحات دقيقة وعلي درجة عالية من الخطورة في تخصصات مختلفة  وأسعدني واثلج قلبي الدقة والرعاية مما يمكن أن يكون نواة للتسويق لهذه الفكرة في الدول العربية الشقيقة.بغض النظر عن بضعة سلبيات يمكن تلافيها بقليل من المتابعة والمراقبة وتطبيق مبدأ الثواب والعقاب.

 

الدكتور أحمد رزق استشاري جراحة المخ والأعصاب وصاحب الخبرات الكبيرة في مستشفيات ألمانيا أكد لي أن مستشفي وادي النيل لا يقل بأي شكل كان عن أي مستشفي في ألمانيا ولولا الثقة الكبيرة في إمكانيات المستشفي لما زارها خبير كبير في جراحات المخ والأعصاب بحجم البروفيسور (مارتن بيتاج)احد أهم خبراء جراحة المخ والأعصاب في المانيا.

 

الدكتور أحمد رزق عمل في ألمانيا لمدة ٨ سنوات متتالية فاكتسب العديد من الصفات الألمانية الحميدة كالدقة والالتزام ولذلك أراه منصفا في وجهة نظره واراه سعيدا بتجربة إستضافة الخبراء في مستشفيات مصر ولا أراه منحازا عندما يؤكد لي أن غرفة العمليات بهذا المستشفي لا تقل عن اي غرفة عمليات في كافة المستشفيات الألمانية.

 

لا أميل الي الأحكام المغلفة أو التهويل ولكن حكمي المبدأي واحساسي يؤكدان علي أن التجربة جديرة بالدراسة والتعميم،فكم من مريض في حاجة إلي خبرة الطبيب الأوروبي وكم من مريض يسعي جاهدا للحصول علي فرصة السفر للخارج لتلقي العلاج في مستشفيات أوروبا.

 

يمكن أن تكون هذه التجربة نواة لخطة شاملة يتم من خلالها استهداف الأسواق العربية والإفريقية وتحقيق مبدأ المصلحة المتبادلة فنحن نستطيع أن نوفر لهم الخبرة الأوروبية بأسعار زهيدة وهم يتلقون العلاج في بلادنا وهذه أكبر واضخم دعاية يمكن أن نقوم بها.

 

لقد اسعدني لقاء عابر مع أحد الأشقاء من ليبيا وهو يتحدث بسعادة عن نشوته وفرحته بوجوده في مصر لعلاج نجله وكيف استطاع توفير مبالغ مالية كبيرة بعدم ذهابه الي أوروبا واختياره لمصر لتلقي العلاج بها وودت لو أن هناك قسما للاعلام بالمستشفي ليسجل لحظات فرح هذا الشقيق العربي ولكن الامل مازال موجودا في التفات أجهزة التسويق والإعلام لمثل هذه اللحظات الإنسانية الشديدة الخصوصية.

 

المهم أن تسعي وزارة السياحة للترويج لمثل هذه الزيارات وأعتقد أن الأمر ليس بشاق أو متعب ولا يحتاج إلي مجهودات جبارة بل مجرد تنويه عن زيارات الخبراء الأجانب ليس لمستشفي وادي النيل فقط بل لكافة المستشفيات الموثوق بها والتي تستضيف هي الاخري خبراء أجانب في مختلف التخصصات.

 

أعلم أن العديد من الاخوة في السودان ولبنان والعراق والأردن وليبيا وكافة الدول العربية يسافرون إلي بعض الدول الأوروبية بحثا عن العلاج ويدفعون مبالغ باهظة رغم أن مصر يمكن أن توفر عليهم الكثير من الأموال والوقت مع إمكانية توفير الخبراء الأجانب.

 

أرجوا أن يلتفت المسؤول عن القطاع السياحي لهذه القضية الهامة وأن يسعي جاهدا لوضع خطة شاملة للإستفادة من السياحية العلاجية.

 

لست في موقع المقارنة بين أطباء مصر وغيرهم من الأطباء ولكن الواقع والمعطيات يؤكدان  ثقة المريض المصري والعربي في الأطباء الأوروبيين ومن حسن الحظ أن التكلفة المادية للعلاج في أوروبا تكاد تكون مستحيلة لكثير من المواطنين،لذلك فتجربة استقدام الخبراء الي مصر جديرة بالاهتمام والدراسة لانها توفر المال والوقت وفي نفس الوقت تعطي نفس النتائج التي يصبو إليها المريض.

 

معظم مستشفيات مصر تستقدم أطباء أجانب ولكنها مجهودات في غالبها فردية ولا ترتكن الي الدعاية والرقابة المناسبة ونحن في أمس الحاجة الي اي منشطات سياحية خاصة في موسم الشتاء الذي يبدو انه طويل.

 

بالطبع هناك وجهة نظر تجارية بحتة وهناك بعض المستشفيات لا تهتم باستقدام خبراء علي درجة عالية من الخبرة والأمانة العلمية ولكن الرقابة الحقيقية يمكن أن يكون لها دور في متابعة ومراقبة هذه المستشفيات حتي لا نضر بسمعة الوطن.في النهاية أتمني من كل مسؤول عن السياحة في مصر أن يقوم بحصر كافة المستشفيات التي تستضيف الخبراء الأجانب وان يبدأ علي الفور في الدعاية لهذه الزيارات فهناك الآلاف ممن يريدون السفر لتلقي العلاج في أوروبا ولكن العوامل الاقتصادية تمنعهم.

حفظ الله مصر جيشا وشعبا