المؤسسة المالية والاستثمارية الرائدة في الاسواق الناشئة والمبتدئة
  • مصر
  • Loading...

رئيس مجلس الإدارة
سـعــــد سـليــــم
رئيس التحرير
عبد النبى الشحات

مجاهد خلف

إلى الأمام

من سرق مفاتيح الحب ؟!!

بقلم .... مجاهد خلف

الخميس 05 مارس 2020

 

سألوني عن أزمة الحب الحقيقية وحالة التيه والتوهان التى تضرب سوق المحبين على غير هدى؟!

قلت ببساطة :لاننا لا نعرف كيف نحب ولا من نحب ولا متى..ليس هذا فقط بل ونقاوم النزوع الانساني الفطري نحو الحب وبالحب..تعقدت أزمة الحب عندما ضاعت المفاتيح الحقيقية للحب وفقدنا البوصلة الصحيحة الدالة عليه والمؤدية اليه وعندما انتزعت جهات مغرضة ومفسدة توكيل الحب وسيطرت عليه وتلاعبت بالحب وبقيمه وتمكنت من افراز عصارات رديئة غريبة مشبوهة ومشئومة لاعلاقة لها بالحب ولا باي شيء يقرب الى الحب او حتى يضعك على طريق الحب وسقوها للناس مرا وعلقما.

هناك كنز كبير عن الحب نسيناه اوتجاهلناه غفلة اوعمدا موجود في القران الكريم يفصل كل ما يهم النفس البشرية عن الحب وعلاقاته بشتى انواعها تفصيلا في اكثر من 76 اية.والقرآن بمقدار ما يستنهض العقول للفكر يستحث القلوب للحب وينبه إلى أن إدراك العقول للحق لا يغني عن توجه القلوب بالحب إليه ويحذر من أن تتوجه الأفئدة بالحب إلى ما ليس أهلاً له. ستجد  فيه حب الله للإنسان وحب الإنسان لله وحب الإنسان لأخيه الإنسان ثم عن دور الحب في حياة الإنسان عندما يكون منضبطاً بنهج القرآن وعندما يكون شارداً عن ضوابطه..

في العصر الحديث حاول دخلاء على عالم الفن وخاصة الدراما بكل انواعها اختراق المجتمع وجعلوا من انفسهم اوصياء على الحب ولديهم التوكيل الحصري للحديث عن الحب وتقديمه للناس صباح مساء!

ولا يمكن ان ننكر انه تم العبث والسيطرة على فكر وعواطف قطاعات عريضة واللعب في وجدانهم العاطفي بالدراما من الداخل او الخارج بكل اللغات مدبلجة وغير مدبلجة..ثقافة قطاعات عريضة من الشباب عن الحب اقتبسوها من تخاريف وهلاوس تم تقديمها في افلام ومسلسلات..حالات التمرد والرفض والتطاول على كثير من القيم المستقرة والاخلاق الاجتماعية والدينية تمت من خلال هذا الالحاح المريض والمستمر ليل نهار وتقديم نماذج لعلاقات ليست شاذة فقط بل مريضة وعفنة وتم تصديرها للشباب والفتيات باسم الحب.ولم يعد الحب تلك القيم السامية النبيلة التى تبني وتؤسس لمجتمع وعلاقات قوية قائمة على الطهر والنقاء.وانما اوحت للشباب ان الحب هوالباب الملكي للصياعة والوضاعة والخسة والندالة والطريق المفتوح للرذيلة والفساد الاخلاقي والاجتماعي وانه باسم الحب يتم ارتكاب كل الموبقات وتفتح كل ابواب الخيانة والتمرد الاجتماعي وغيره حتى فشت الرذيلة ووقع الكثير في مستنقعات من الفساد وتسللت جرائم القتل والرغبة في الانتقام وتم تشويه المجتمع بتلك النماذج الرديئة للعلاقات الآثمة والحب منها براء.

اقول ان هؤلاء انتزعوا التوكيل الحصري للحب في ظل غياب مؤسسات مهمة للتوجيه والتنشئة الاجتماعية كان موقفها سلبيا اومتناقضا ومحاربا للحب الحقيقي مما ساعد اصحاب الزيف والباطل والبهتان على المرور والنفاذ بمخططاتهم.

اشير صراحة الى الاسرة اولا والمدرسة والجامعة ومعهما المؤسسة الدينية.غاب دور هؤلاء في تعزيز قيم الحب الحقيقية السامية في مواجهة عمليات التمييع والتهريج والتسطيح والاستخفاف بالحب والاسفاف.

وزاد الطين بلة ان اوحى بعض شياطين الوكلاء الى البعض ان الحب حرام وانه مناقض للدين.وسدوا كل الابواب واعتبروا ان الحديث عن الحب لا يليق بمقام علماء الدين وان المشايخ لا يصلحون بل لا يجوز لهم الحديث في الحب..وانه رجس من عمل الشيطان!

وهي كلها اكاذيب ومغالطات للتشويه اولا وللانفراد بالساحة ثانيا لترويج ما يريدون من غريب وتغريب والتركيز على نشر القيم الدخيلةعلى مجتمعنا والمساهمة في تدعيم الخطة الجهنمية التى اصطلحوا على تسميتها باسم تحطيم التابوهات وانه لا شيء مقدس فكل شيء مباح ومستباح بما في ذلك القيم وحتى الدين نفسه.ولا بأس من تطاول من هنا وهناك.

صمتت مؤسسات التربية والتنشئة وتناست سواء عن عمد او جهل او تقصيراو سوء تقدير ما قدمه كبار العلماء والفقهاء ايضا من ذخائر وكنوز على هذا الصعيد ويفوق بكثير ما قدمه الاخرون من تأصيل علمي وشرح وتوضيح وكشف لخبايا واسرار النفس الانسانية ونزوعها نحو الحب وكيف يكون والطرق الصحيحة لتقويم الحب بأنواعه المختلفة العلوية والسفلية وما بينهما حتى يكون نافعا ويظل محتفظا بطهره وطهارته وقدسيته.

يجمع كل علماء النفس والاجتماع والدين وغيرهم ان افضل من كتب في الحب وتحدث عنه الامام ابن القيم الجوزية في كتابه الرائع الماتع روضة المحبين ونزهة المشتاقين.وكل المحققين في فترات التاريخ القديم والحديث اجمعوا على انه من افضل ما كتب عن الحب وان المؤلف الامام ابن القيم اورد فيه من الفوائد العلمية والتنبيهات والنكت والمناقشات ما لا نجده في كتاب آخر وانتقى فيه من الاخبار والاشعار والحكم والعظات.ونزه الحب عن الفحش والمجون وما يخل بالاداب العامة.

وله مؤلف اخر في اسماه الكتاب الكبير في المحبة جمع فيه كل ادلة اثبات المحبة..محبة العبد لربه ومحبة الرب لعبده الى جانب حوالي مائة طريق للمحبة وفوائدها وما تثمره لصاحبها من الكمالات واسبابها وموجباتها..والرد على من انكرها وفساد قوله في ذلك واكد ان المنكرين للحب والمحبة قد انكروا خاصة الخلق والامر والغاية التى وجدوا من اجلها.

وهل ينسى احد الامام الفقيه ابن حزم الاندلسي وكتابه الرائع "طوق الحمامة في الالفة والألاف"وابن حزم إمام كبير في الفقه الظاهري

وجمع في الكتاب أخبار وأشعار وقصص المحبين وتناول عاطفة الحب بشيء من التحليل النفسي من خلال الحكايات البشرية التي بلغته.ويعالج العواطف بأسلوب قصصي من منظور إنساني تحليلي.والكتاب عمل فريد  يضم ثلاثين بابا وفيه أبواب طريفة مثل "باب من أحب من أول نظرة"و"باب من أحب في المنام". الكتاب اكتسب شهرة واسعة وحظي بعناية شديدة في الأدب العربي والغربي وتُرجم الى الإنكليزية والروسية والإسبانية والفرنسية والألمانية.

وهناك فقيه اخر برع في هذا الباب وهو ابن أبي حجلة الفقيه المغربي الحنبلي وكان معاصرا لابن القيم وله عمل بديع في الحب جمعه في "ديوان الصبابة" وبدأه بمقدمة يذكر فيها أخبار من قتلهم الهوى وتركهم كهشيم محتظر.

وهناك كتاب "نشوة السكران من صهباء تذكار الغزلان ومؤلفه الشيخ محمد صديق خان من علماء الهند الكبار وله عشرات الكتب في الحديث والتفسير والاعتقاد وكتاب "نشوة السكران" لطيف اختصر فيه كتب "ديوان الصبابة" و"تزيين الأسواق في أخبار العشاق" لداود بن عمر الأنطاكي"و"سبحة المرجان".

الملاحظة الجديرة بالاعتبار والتى سجلها النقاد والشراح أن فقهاء الإسلام حينما ألّفوا في الأبواب الخاصة بالحب وعلاقاته وهمومه وافراحه واتراحه كان لهم أغراض متعددة مثل الأغراض الأدبية أوأغراض في كشف النقاب عن العاطفة الإنسانية أو من باب ذكر القصص والحكايات والمُلح.وقد أكثروا من ذكر عقوبة المعاصي في ثنايا هذه الكتب وفضل العفة والتعفف وشؤوم المعصية.

استعيدوا مفاتيح الحب من مغتصبيها واعطوها لاهل الحب والمحبة الصافية الصادقة..لتعود نسائم الحب وطيوره لتغرد وتملآ الارض بهجة وسعادة من جديد ..لعل وعسى.

والله المستعان..

[email protected]