هيرميس

عين العقل

العميد يبكى .. ويعترف

 

اشتهر الدكتور طه حسين عميد الأدب العربى برهافة الحس ورقة المشاعر ، فقد كان ذا طبيعة يسيرة سهلة ، بدت واضحة فى أسلوبه المكتوب والمنطوق ، فامتازت عباراته بأنها سلسة رقراقة فى تتابعها وتدفقها ، وإذا كان البعض قد عرف عنه  الميل إلى الصلابة والفظاظة فى بداية ظهوره الأدبى والفكرى ، فربما كان ذلك مقصودا منه فى تلك المرحلة لإثبات الذات وتأكيد التحدى للظروف الصعبة التى نشأ فيها ، لكنه فى المراحل التالية ، خصوصا بعد أن انتهت إليه راية العمادة والريادة ، أظهر جانب اللين فى أقواله وأفعاله ، فكان بكاء أوابا ، حتى نقل عنه أنه أنفق معظم الوقت أثناء حجته فى البكاء والتشبث بأستار الكعبة .

وقد وقعت مؤخرا على اعتراف مهم ساقه الدكتور العميد بنفسه عن نفسه ، فيما يتعلق بالميل إلى البكاء ، إذ قال أمام جمع من كبار القوم علما وثقافة : " والشيء الذى أنبئكم به ولا أتردد ولا أستحى ـ كما يستحى الرجال عادة من الإتيان بمثله ـ هو أنى لا أقرأ قط سيرة عمر بن الخطاب رضى الله عنه وأستطيع وأنا أقرأ هذه السيرة أن أملك دموعى ، ذلك لأن عمر ـ كما رأيته ـ هذا الرجل الذى عذب نفسه فى الدنيا أشد العذاب مبتغيا أن يرحمه الله فى الآخرة ، ويحشره مع صاحبه  محمد صلى الله عليه وسلم وأبى بكر رضى الله عنه ".

هذا الاعتراف ورد فى كتاب " مقدمة فى الديمقراطية للدكتور طه حسين " من إعداد الزميل إبراهيم عبد العزيز ، وهو كتاب يضم العديد من المقالات والمحاضرات التى ألقاها الدكتور العميد فى مناسبات مختلفة حول فكرة الديمقراطية. 

المقال الأول فى الكتاب عبارة عن مقدمة أملاها د . طه حسين لكتاب له بعنوان " الديمقراطية " لكن الظروف لم تسمح له بإتمامه ، والمقال الثانى بعنوان " ميلاد الجمهورية الديمقراطية عند اليونان " ، أما المقال الثالث فهو محاضرة ألقاها بقاعة " إيوارت " التذكارية بالجامعة الأمريكية بالقاهرة فى 25 فبراير 1955 بعنوان " عمر بن الخطاب والحكم الصالح " ، وفى هذه المحاضرة جاء الاعتراف الذى بين أيدينا . 

يقول د . طه حسين : " أعترف أننى لا أحب أحدا من علماء المسلمين كما أحب عمر ، لأنه أعظم المسلمين بعد النبى صلى الله عليه وسلم أثرا فى الحياة الإسلامية ، وهو ـ كما تعرفون ـ يصور المثل الأعلى لكل ما يمكن أن تطمح إليه الشعوب فى تحقيق العدل فى الأرض ، فالحديث عن عمر هو حديث عن العدل فى أوسع معانيه ، العدل السياسى ، والعدل الاجتماعى بنوع خاص ، فعمر هو الخليفة الذى لم يعرف نظام الطبقات ، ولم يعرف فرقا بين قوى وضعيف ، ولا فرقا بين غنى وفقير ، ولا فرقا بين عاجز وقادر ".

لقد نظر الدكتور العميد إلى عمر نظرة سياسية واجتماعية ، ولم يكتف بالجانب الدينى وما يتضمنه من تقى وورع ، لذلك كان عمر عنده المثل الأعلى للحكم الصالح ، أو " الحكم الرشيد " ، فقد أخذ أهله ـ أهل بيته ـ بالشدة والحزم ، وطبق عليهم الأوامر والنواهى قبل أن يطبقها على عامة المسلمين ، ووضع رقابة صارمة على حكام الأقاليم ، وبعث إليهم بالمفتشين والمحاسبين الذين يحصون ثرواتهم كل عام ، ويرون كيف يتعاملون مع الناس ، وكيف يتصرفون فى مال الدولة ، ثم  يعقد لهم اجتماعا سنويا للتشاور والتباحث والمساءلة فى موسم الحج .

ويرى د. طه حسين أن أول جوانب العظمة فى عمر هى " العظمة الشخصية " ، فقد قهر نفسه قبل أن يقهر الخطوب التى عرضت له ، وأخذ نفسه بما لم يكن أحد يستطيع أن يأخذ به نفسه وغيره من المسلمين ، ويعترف قائلا : " فلست أعرف فى تاريخ الأمم التى قرأت تاريخها رجلا فى قوة ضمير عمر ويقظته ".

وكثير من الروايات التى أوردها الدكتور طه فى المحاضرة عن عمر معروف مشتهر ، لذلك فإنى مولع أكثر بإبراز رؤيته وتحليله لهذه الشخصية العبقرية ، ففى هذا التحليل تتكشف لنا أيضا طوية الباحث ـ العميد ـ وشخصيته وميوله وأفكاره وقناعاته .  

يقول : " لكن أهم وأخطر ما عمله عمر فى حياته ، وهو عندى أخطر من الفتح ، وأخطر من تنظيم البلاد التى فتحت ، كان أخطر ما عمله عمر هو أن يأخذ هؤلاء العرب بالشدة وبالعنف دون أن يتجاوز حدود الله وأوامره ، ويحملهم على أن يؤمنوا للعدل ويذعنوا له".

وفى الختام .. أتوقف ـ كما توقف د. طه حسين ـ عند اللحظة الأخيرة من حياة عمر ، بعد أن طعنه أبو لؤلؤة المجوسى ، وبعد أن استفاق للصلاة وتدبير أمر الخلافة وأمر دفنه ، يقول الدكتور العميد : " فى هذه الساعات الأخيرة كان رأسه على حجر ابنه عبد الله ، فقال لابنه : ضع خدى على الأرض ، فقال الإبن : فخذى والأرض سواء ، لكن عمر نهره : ضع خدى على الأرض لا أم لك ، ووضع خده على الأرض ، ثم جعل يقول هذه الكلمات ويرددها حتى مات : ويل لعمر وويل أمه إن لم يغفر الله له ، ليتنى لم أولد ، ليتنى كنت منسيا ، ليتنى لم أكن شيئا مذكورا ". 

رحم الله أمير المؤمنين عمر ، ورحم عميدنا الكبير .