المؤسسة المالية والاستثمارية الرائدة في الاسواق الناشئة والمبتدئة
  • مصر
  • Loading...

رئيس مجلس الإدارة
سـعــــد سـليــــم
رئيس التحرير
عبد النبى الشحات

مؤمن الهبـاء

شهادة

الدراما .. وبناء الوعى

بقلم .... مؤمن الهبـاء

الجمعة 15 مايو 2020

يلعب الفن الجاد الهادف دورا مهما فى نشر الوعى بقضايا الوطن والتحديات التى يواجهها ، وتساهم الأعمال الدرامية والمسلسلات التليفزيونية فى تشكيل الرأى العام وتنويره من خلال المضمون الذى تبثه ، وهذا الدور هو أحد عناصر " القوة الناعمة " فى المجتمع ، فالدراما تدخل كل البيوت ، وحكاياتها تتمثل الواقع وتعيد بناءه فى سياقات مشوقة وقوالب جذابة ، وتتسلل إلى  العقول فتؤثر فيها وتعيد صياغة توجهاتها وآرائها .

وإذا كنا ننتقد الكثير من الأعمال الفنية التى تنحو إلى التسطيح والتجهيل ، وتركز على العرى والمخدرات والشذوذ والعنف والبلطجة ، فإن دراما شهر رمضان هذا العام تضمنت بعض الأعمال الجادة التى تحمل لجمهور المشاهدين رسائل إيجابية حول قضايانا الحقيقية التى تستحق التركيز عليها فى إطار معركة الوعى التى يخوضها الوطن .

  فى مقدمة  هذه الأعمال يأتى مسلسل " الاختيار " الذى فرض نفسه على البيوت المصرية فسجل أعلى معدلات المشاهدة ، وأكد للمرة الألف فساد نظرية " الجمهور عايز كدة " ، هذا المسلسل عمل فنى إبداعى ووثيقة درامية من الوزن الثقيل ، وقد نجح فى إنعاش الروح الوطنية للمصريين لما يرصده من بطولات لأبطال حقيقيين داخل صفوف الجيش ، جعل لهم رمزا كبيرا مازال الناس يتحدثون عن سيرته العطرة ، هو الشهيد العقيد أحمد منسى ، وفى المقابل نقل صورة واضحة وواقعية لكيفية تفكير الإرهابيين والأعمال الخسيسة التى يقتلون بها أرواحا بريئة .

ويبدو لى أن " الاختيار " ركز على عنصريين أساسيين فى رسائله الكثيرة لجمهور المتلقين : أما العنصر الأول فيتعلق بالتأكيد على أن مواجهة الإرهاب لا تقف عند حدود المواجهة المسلحة ، بل تمتد إلى مواجهة الفكر الدينى الملفق والمزيف الذى يتبناه الإرهابيون ويخدعون به البسطاء ، وهناك حرص محمود على أن تأتى هذه المواجهة فى سياق درامى سلس وطبيعى بين القائد وجنوده ، وليس بطريقة الوعظ الزاعق والإرشاد التى تفسد العمل الدرامى وتنفر منه .

وأما العنصر الثانى فيتعلق بأهمية توعية الشباب بدورهم الوطنى ورسالتهم ، فالوطن ليس مجرد مكان للعيش فيه ، وإنما هو المبدأ والعرض والمصير ، الوطن يحتاج إلى رجال يعرفون قيمته ويدافعون عنه عندما يتعرض للتهديد ، والشهادة من أجل الوطن بطولة وكرامة وعز وخلود .

وبعد " الاختيار " يأتى مسلسل " النهاية " الذى ينتمى للخيال العلمى وتدور أحداثه عام 2120 ، ويتنبأ بزوال إسرائيل وتفتت الولايات المتحدة الأمريكية إلى عدة دول بعد حرب يشنها العرب تعرف بحرب تحرير القدس ، ويشكل المسلسل رسالة لإيقاظ الوعى الوطنى والقومى تجاه العدو الذى يرفض اليد العربية الممدودة له بالسلام ، ويصر على انتهاج سياسة القهر والعنف وضم الأراضى بالقوة ، ضاربا عرض الحائط بقواعد الشرعية الدولية وقرارات الأمم المتحدة وبكل المواثيق والاتفاقات التى وقع عليها .

 من الطبيعى أن يزعج هذا المسلسل إسرائيل التى تجهز الآن لإعلان ضم أجزاء جديدة من الضفة الغربية بعدما ضمت القدس والجولان ، ومن الطبيعى أن تهاجمه  الخارجية الإسرائيلية التى تحولت من العمل السياسى إلى مراقبة الدراما العربية  والاحتجاج عليها ، رغم أن  إسرائيل تنتج بشكل متواصل أعمالا فنية تهاجم العرب والفلسطينيين وتصورهم كإرهابيين ، وتدعى أنها تكفل حرية الإبداع ، لكنها فى الواقع تصادر حق الآخرين فى هذه الحرية .

يقول بيان الخارجية الإسرائيلية إن توقع نهاية إسرائيل الذى جاء فى المسلسل أمر مؤسف وغير مقبول ، خصوصا أنه يأتى بعد 41 عاما من توقيع معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل ، ويقول جاكى حوجى محرر الشئون العربية بصحيفة "معاريف" إن ثقافة  العداء لإسرائيل مازالت متجذرة لدى المصريين ، ويؤكدها حرصهم فى كل موسم رمضانى على إنتاج مسلسل يرسخ تلك الثقافة وتنتشر رسالته فى دول المنطقة عبر شاشات العالم العربى .

وفى هذا الاتجاه أيضا يشير المحلل الإسرائيلى دانى سيترينوفيتش صراحة إلى أن علاقات إسرائيل مع الدول العربية التى وقعت معها اتفاقات سلام ـ مصر والأردن ـ لم تتجاوز الإطار الرسمى ، وفى مجالات محدودة للغاية لا تعكس أبدا ما كان مأمولا من تطبيع العلاقات بين شعوب متجاورة .

وينسى هؤلاء الغاضبون فى إسرائيل أن اتفاقات السلام تمنع الحروب بين الدول  لكنها لا ترغم الشعوب على التطبيع قسرا ،  وأن التطبيع الشعبى للعلاقات لا يأتى إلا من خلال الثقة المتبادلة والرغبة الصادقة فى التعاون السلمى ، وهذا ما لم يجده المصريون والعرب من إسرائيل طوال العقود التى مرت بعد توقيع معاهدات السلام ، بل على العكس لم يجدوا من إسرائيل غير الرغبة الدائمة فى التوسع والعدوان على حقوق الغير وأراضيهم ومقدساتهم ، وهذا كفيل بوقف أية مظاهر للتطبيع الشعبى معها .

ويشدنا الحديث عن مسلسل " النهاية "  إلى الحديث عن مسلسل " أم هارون " الذى امتدحته إسرائيل ، ورأت أنه يحمل رسالة للتقارب مع شعوب عربية راغبة فى السلام والتعاون ، ويمثل تحولا فكريا يستدعى انتهاز الفرصة لتوجيه بوصلة التطبيع الشعبى نحو الشعوب التى لم تكتو بنار الحرب معها .

ودافع أفيخاى أدرعى المتحدث باسم جيش إسرائيل عن مسلسل " أم هارون " وأشاد ببطلته الكويتية حياة الفهد التى تواجه اتهامات المؤامرة  ، وهاجم الجمهور العربى الذى يميل إلى البرامج التليفزيونية العنصرية المعادية للسامية ، والتى تعتبر كلمة التطبيع خيانة .   

 ويتجاهل أدرعى ورفاقه حقيقة أن مسلسل " أم هارون " أثار رد فعل سلبى ، وأنه  مرفوض شعبيا ، وهناك مطالبات متزايدة  بمقاطعته ، ومقاطعة الفضائية العربية التى يعرض عليها ، ناهيك عن أن هناك تخوفا كبيرا من أن يكون المسلسل الذى يتحدث عن مغادرة يهود الخليج إلى أرض فلسطين المحتلة مع بداية النكبة عام 1948 مجرد تمهيد لطلب تعويضات لأسر وعائلات هؤلاء اليهود عن ممتلكاتهم وبيوتهم  التى تركوها وراءهم بعد أن استقروا فى إسرائيل .

ويذكرنا مسلسل " أم هارون " بالمسلسل المصرى " فارس بلا جواد " الذى كان على النقيض تماما من فكرة التطبيع ، مستمدا مادته من " بروتوكولات حكماء صهيون " ، وعرض فى رمضان عام 2002 عن شخص حقيقى  يدعى حافظ نجيب ـ جسده الفنان محمد صبحى ـ عاصر مرحلة التآمر  لتأسيس دولة إسرائيل ، وكان مقاوما لها ، وبسبب هذا المسلسل وجهت إسرائيل خطاب احتجاج لمصر اتهمت فيه صناع المسلسل بمعاداة السامية ومساندة الإرهاب الفلسطينى ـ المقاومةـ ضدها ، كما استدعت الخارجية الأمريكية السفير المصرى بواشنطن لإبلاغه باستياء واشنطن من المنحى العدائى لليهود الظاهر فى المسلسل ومعاداته للسامية والمطالبة بوقفه المسلسل فورا ، ورغم الضغوط الرسمية وغير الرسمية عرض المسلسل كاملا ولم يتوقف .

وهكذا ستظل مصر رائدة الوعى الشعبى بين أشقائها العرب ، وستظل قوتها الناعمة  موجهة فى الاتجاه الصحيح لحماية الأمن القومى العربى ، وستظل الصيغة التى اعتمدها المصريون هى الصيغة الأكثر قبولا فى الوعى العام العربى ، بألا تطبيع ولا تعاون مع العدو الصهيونى إلا بعد الحل العادل والشامل للقضية الفلسطينية ، واسترداد الأرض العربية المحتلة ، وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشريف ، لكن إذا أصرت إسرائيل على تعنتها فليس أمامنا إلا الوعى الذى نستمسك به لآخر لحظة ، والدراما ـ بالطبع ـ أحد أهم  الأسلحة فى معركة الوعى .