• مصر
  • Loading...

رئيس مجلس الإدارة
سـعــــد سـليــــم
رئيس التحرير
عبد النبى الشحات

فريد ابراهيم

بالحسنى

د. طه حسين.. في ذكراه

بقلم .... فريد ابراهيم

الخميس 31 يناير 2019

ونحن مازلنا نحتفي بذكري عميد الأدب العربي الذي ظلمه اشباعه ورافعو رايته فأخفوا عظمته الحقيقية لغرض في نفس يعقوب. وحتي لا يكون ما قاله حجه عليهم. 

ما عظمته فكانت الانتصار لما يؤمن به والإعلان عما وصل فيه إلي يقين حتي لو خالف ما دعا إليه قبلاً أو عاد عما انتصر له ونافح عنه من فكر في زمن ما.. لذلك كتب بشجاعة الفرسان كتابه "مرآة الإسلام" معلنا فيه كلمته الأخيرة التي كانت بمثابة وصية لامته التي كان خوفه عليها شديداً وحرصه علي تقدمها جليلاً فأعلن أن العدو الغربي قد يعين الأمة الإسلامية علي التقدم لكنه سيحرمه من هويته ويضيع عليه خصوصته فناشد أمته التشبث بالقرآن لغة ومعني وقيماً والحرص علي اللغة العربية فهي الحامية للهوية والتمسك بالشريعة الإسلامية التي تمنح المسلمين هويتهم الحقيقية بل ناشد ابنته ألا تعلم أبناءها إلا في مدارس عربية. 

ونحن مازلنا في ذكراه كما قلت أذكر بعضاً مما جاء في كتاب "ما بعد الأيام" الذي كتبه الدكتور أحمد حسن الزيات فقد لاحقته سيدة بعد خروجه من أحد المؤتمرات المقامة في باريس حول الأدب وسألته لماذا لا تقوم المؤسسات الرسمية في الدول برعاية الأدباء المبدعين ليتفرغوا لادبهم وابداعهم؟ بدلاً من ملاحقة لقمة العيش التي تلهيهم عن ابداعهم فقال لها العميد.. "في فرنسا وروما. وفي بغداد وفي القاهرة وفي عواصم أخري كثيرة في عهود عديدة كان هناك امراء وملوك شملوا الفنانين برعايتهم وقد انتجت هذه الرعاية في كثير من الأحيان فناً رائعاً ولكنه كان بطبيعة الحال فناً تابعاً. وإذا قامت الحكومات الآن برعاية الفنانين والأدباء رعاية مادية فإن التبعية القديمة للأمراء ستصبح تبعية للحكومات فالدولة سيد خطر لأنها لا تقدم شيئاً بلا مقابل فإذا كان الثمن هو استغلال الأديب فهي صفقة قاتلة لأنه لا سبيل إلي الانتاج الحق إلا في ظل الحرية". 

هنا يرسي العميد حقيقة أو قاعدة متمثلة في استقلالية المبدع بحيث يكون المبدع بعيداً عن أية مؤثرات تخيفه من الكتابة أو تدفعه إلي المجاملة لحماية مكسب ما تحت يديه أو لخوف ضياع مكسب ما يسعي إليه وهكذا فإذا استقل المبدع كتب ما يكتبه قلبه وما تلده ملكاته بلا تحفظات.. لذلك قالوا إن أدب حافظ ابراهيم شاعر النيل العظيم ضعف بعد الوظيفة أي بعد أن صار موظفاً خوفاً علي هذه الوظيفة وحفاظاً علي مرتب يتقاضاه خلصة من الحاجة واللجوء إلي خاله الذي عاش يذكره بالانفاق عليه في صباه حتي كتب شاعر النيل : 

ثقلت عليك مؤنتي 
إني آراها واهية 
فافرح فإني ذاهب 
متوجه في داهية 

من هنا أصبح ابداعه مقيداً حفاظاً علي مرتب الوظيفة الذي قد يحرمه منه الانجليز الذين يحتلون مصر في المقابل وجدنا شعراء عاشوا بعيداً عن الوظيفة وبعيداً عن التأثيرات المختلفة فكتبوا ما أملته عليهم قرائهم وتركوا لنا ادباً غاية في الرقة والابداع والشفافية "كأمل دنقل" مثلاً الذي خلده هذا الأدب وإن عاش طيلة حياته في معاناة ليست خافية علي أحد. 

أقول هذا وأنا أتابع قراءة كتاب ما بعد الأيام للدكتور أحمد حسن الزيات زوج ابنة العميد متأملاً في عبقرية الرجل التي استطاعت ألا تعبأ بشيء سوي ما تؤمن به وتعتقد ولهذا عاش أدبه وعاشت أفكاره وعاشت تأملاته ورؤاه وإن خلف أعداء علي الشاطئين : اعداء يدعون حبه لكنهم يخفون حقيقة ما ترك ويجتزءون كلامه ويضخمون هذا المجتزأ بنظرية "ولا تقربوا الصلاة" وبقاعدة "ما قال ربك ويل للألي سكروا 

بل قال ربك ويل للمصلين. 

هي قاعدة فكرية استنها أبونواس ليجعل الحق باطلاً والباطل حقاً من النص نفسه والكلام ذاته. اما الجانب الاخر فقد عاش يلومه علي ما قاله في أول حياته دون أن يعرف أن ما قاله في آخرها مختلف جداً.

فتحية لطه حسين في ذكراه الذي إيقظ أمه وابهر العالم.