• مصر
  • Loading...

رئيس مجلس الإدارة
سـعــــد سـليــــم
رئيس التحرير
عبد النبى الشحات

فؤاد الدقس

الهجرة دِلالات ومفاهيم

بقلم .... فؤاد الدقس

الجمعة 30 أغسطس 2019

 بعد مضي ثلاثة عشر عاماً من الرسالة النبوية هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وسبقه أصحابه من مكة إلى المدينة للفرار من قريش واضطهادها للإسلام ولكل من يدين به حتى لو كان من السادة والأشراف في مكة  ، فقريش لم تتساهل أبداً مع من أسلم كائناً من كان لافرق عندها بين عبد وسيد ،  ولم تكن الهجرة إلى المدينة هي أول هجرة في الإسلام ، فقد كانت الهجرة إلى الحبشة في السنة الخامسة للرسالة هي الهجرة الأولى ، وتبعتها بعد أشهر قليلة الهجرة الثانية إلى الحبشة التي شكلت المخزون الاستراتيجي الأعظم لدولة الإسلام الوليدة، حيث إن الهجرة الأولى إلى الحبشة لم تستمر أكثر من ثلاثة أشهر ؛ بينما استمرت هجرة الحبشة الثانية حوالي أربعة عشر عاماً ، منها ثمانية أعوام قبل الهجرة الفاصلة إلى المدينة المنورة ، ثم مكث جعفر بن أبي طالب أمير مهاجري الحبشة وممن معه ست سنوات بعد هجرة المسلمين ورسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة المنورة ؛ فلم يطلب منهم الرجوع وجاءت السنة الثانية للهجرة وحملت معها الانتصار العظيم في بدر ، ومع ذلك آثر الرسول صلى الله عليه وسلم أن يبقى المخزون الاستراتيجي في مكانه بالحبشة لحين استدعائه في الوقت المناسب ، الذي حلَّ في أواخر السنة السادسة للهجرة بعد صلح الحديبية الذي سبقه انتصار المسلمين في حمراء الأسد بعد هزيمتهم في أحد ثم انتصارهم الكبير في الخندق على الأحزاب جميعاً  من قريش ويهود وغطفان وسائر المشركين من قبائل العرب ، وفي هدنة الحديبية مع قريش ومن حالفها من العرب ، استدعى الرسول صلى الله عليه وسلم جعفراً ومن معه من الحبشة فقد استقرت دولة الإسلام وغدت منتصرة قوية راسخة لايقف في وجهها أعتى قوى الأرض ، وأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم بكتبهِ رسلَهُ ومبعوثيه وموفديه إلى أمراء و ملوك وأباطرة وأكاسرة الدنيا يدعوهم فيها إلى الإسلام .    


 لقد لجأ رسول الله صلى الله عليه وسلم في تأسيس دولة الإسلام إلى الهجرة ومعطياتها كنواة لدولة جديدة في الحبشة تكون بديلة عن مكة في حال استئصال الإسلام والمسلمين في وطنهم الأول ، فالهجرة كانت حدثاً عظيماً في تاريخ الإسلام ،لأنها أعلنت وبقوة عن استمرارية هذا الدين في أي مكان حل فيه المسلمون سواء في الحبشة أو في المدينة المنورة ، حيث تم ترسيخ أركان هذه الدولة  ، من خلال وضع الأسس التي تجعل من أتباع هذه الدين مجتمعاً قوياً متحداً على أسس إسلامية ومبادئ إيمانية ؛ فقام الرسول صلى الله عليه وسلم بالخطوات الآتية تحقيقاً لهذه الغاية:


أولاً : بناء المسجد النبوي – أي صلة الأمة بالله تعالى.
ثانيًا: المؤاخاة – أي صلة الأمة المسلمة بعضها بالبعض الآخر.
ثالثًا: المعاهدة بين المسلمين وغيرهم من اليهود والمشركين العرب – أي صلة الأمة  بالآخر وهم الذين لا يدينون بدينها .


وسنلقي الضوء على المعاهدة بين المسلمين وغيرهم من سكان المدينة وما حولها سواء من اليهود أو العرب المشركين وذلك من خلال دستور المدينة أو (صحیفة المدینة) أول دستور مدني في تاريخ البشرية الذي كان يهدف إلى تحسين العلاقات بين الجميع ، وبإبرام هذا الدستور – وإقرار جميع الفصائل بما فيه - صارت المدينة المنورة دولة وفاقية رئيسها سيدنا محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم المكي القرشي ، وصارت المرجعية فيها للدين الإسلامي ، وصارت جميع الحقوق الإنسانية مكفولة، كحق حرية الاعتقاد وممارسة الشعائر، والمساواة والعدل، فأي حدث أو اشتجار يخاف فساده بين أهل هذه الصحيفة من المسلمين واليهود والمشركين يردّ إلى الله سبحانه وتعالى وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم، وهذا يدل على خضوع جميع رعايا دولة الإسلام الأولى إلى سلطة واحدة واعترافهم بقيادة النبي صلى الله عليه وسلم ، ورئاسته.


وقد أسلم من أسلم من يهود المدينة وما حولها وبقيت ثلاث قبائل على دينها وهم بنو قينقاع وبنو النضير وبنو قريظة، وهم الذين تم إجلاؤهم تباعاً في السنة الثانية والرابعة والخامسة للهجرة النبوية عن المدينة المنورة بعد إخلالهم بشروط الحماية ونقضهم عهود ومواثيق معاهدة  الدفاع المشترك والتعايش السلمي .


وفي قلب هذا المجتمع بدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بإقامة مجتمع جديد يقوم على النظام العادل فأرسى دعائم دولة قوية تقوم على سيادة القانون الإلهي الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولامن خلفه ، وليس على سيادة همجية ، أو أهواء قبلية ، أوتكتلات عشائرية أو ما شابه ذلك.


وتظهر أهمية ما قام به رسول الله صلى الله عليه وسلم من عمل من خلال تأمل الأوضاع العامة التي كانت سائدة جزيرة العرب حيث النزعة الفردية والفوضى التسلطية القبلية واللا قانون فقد كانت شريعة الغاب هي السائدة ، فببناء المسجد أسس لرابطة الدين بين المسلمين جميعاً ، وبالمؤاخاة أزال الطبقية وأذاب الفوارق فالكل سواسية لافرق بين سيد وعبد ، والأكرم في دين الإسلام هو الأتقى في عمله والأنقى في قلبه ، وبدستور المدينة أقام دولة راسخة قوية أخضعت مملكتي كسرى وفارس   وسائر ممالك الأرض لسلطانها بفتوحاتها وانتصاراتها على مدى أقل من عقدين من الزمن .


إن هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم أسست للإنتقال من الظلمات إلى النور ومن التشرذم إلى الوحدة ومن القبلية إلى الحضارة ، لم تكن الهجرة مجرّد انتقال لأفراد من مكان إلى مكان آخر فحسب وليست انتقالاً من حال إلى حال، بل رسخت إلى وجود أمة قوية مهابة ، وبنت دولة مترامية الأطراف ، وارتقت بها من التفرق إلى الوحدة فتعززت بذلك قوة المسلمين .


ستبقى الهجرة النبوية بكل ما تحمله من دلالات ومفاهيم حدثاً عظيماً ورمزاً خالداً ومظهراً من مظاهر الفخر والاعتزاز، ونحن حين نعايش هذه الذكرى العطرة نتطلع إلى حاضرنا اليوم حيث تداعت علينا الأمم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها ، فالله نسأل أن يبدل تشرذمنا اتحاداً ووحدة ويبدل ضعفنا وهواننا على الأمم جمعاء إلى قوة نسترد بها حقوقنا المغتصبة وندحر بها الإرهاب وداعميه ونسترجع أمجادنا التي كنا ولا زلنا نفخر بها حين سدنا أرجاء الأرض قاطبة ، وهذا لايأتي بالتمني ووضع اليدين على الخدود ، فلكي نستعيد كل هذا علينا أن نستحضر صاحب الهجرة المباركة نبراساً ينير لنا الطريق لنمشي على دربه ونتبع سنته ونسيرعلى منهاجه .