هيرميس
الجهاز القومى لتنظيم الاتصالات

معاً للمستقبل

الشامتون..أخلاقنا إلى أين؟!


بين الحين والآخر تطفو على السطح حادثة أو أكثر فتنهال عليها التعليقات وردود الأفعال الكاشفة لما آلت إليه أخلاق وسلوكيات مجتمعاتنا..انظر مثلاً لحادثة زميلنا عمرو أديب شفاه الله ..وواقعة المذيع تامر أمين الذي أساء وأخطأ خطأ هائلاً بحق أهلنا في الصعيد..وانظر لحجم التشفي والشماتة في الأول.. والهجوم المسيء ضد الأخير والذي جاوز به بعض رواد التواصل الاجتماعي حد الغضب والإساءة وكعادتها استغلت جماعة الإخوان وأذرعها الإلكترونية وأبواقها الإعلامية الواقعتين بالتهويل والشماتة والتشفي والهجوم الضاري، ناسين أن الشماتة في المرض أو الموت ليست خلقاً إنسانياً ولا دينياً .. لقد قوبل "تامر" بإساءة أكبر رغم اعتذاره ووقفه عن العمل وسحب الترخيص منه ..وكنا نرجو ألا تقابل الإساءة بإساءة أشد منها وأفظع ..وألا تزهق روح التسامح تحت سنابك الغضب والتشفي .. مع تسليمنا بأن "تامر" أخطأ وتجاوز ولا يرضى أحد بما قال..لكن هل يكون الرد على الإساءة بمثل هذا التدني والعنف اللفظي..؟!

ما يحدث في مجتمعاتنا مؤشر كاشف لما وصلت إليه أخلاقنا ..وكيف تحولت من التسامح والحب والرحمة بالصغير وتوقير الكبير والعفو عن المسيء إلى النقيض تماماً حتى بلغت حد الغلظة والتعسف والعنف والقسوة..لماذا وصلت أخلاقنا لحافة التطرف في رد الفعل وانعدام الضمير وربما الحقد الدفين..أين وازع الدين والفطرة السوية..لماذا تراجعنا إنسانياً إلى هذا الوضع المخيف..من المسئول عما وصلنا إليه..أين ذهب الحب والطيبة وجبر الخواطر..؟! هل هو غياب الأسرة أم ضعف الدور التربوي للمؤسسة التعليمية..وتراجع أدوار المؤسسات الدينية والثقافية والإعلام وخصوصاً الأعمال الفنية درامية كانت أم سينمائية التي تنشر سلوكيات العنف والعري والاستهلاك النهم والتواكل والفهلوة والاستخفاف بالضمير والقيم الموروثة والتقاليد الأصيلة لمجتمعنا..أضف إليها غياب الرادع القانوني لجرائم الفضاء الإلكتروني الذي تحول لساحات ومنصات تشهير واستباحة للأعراض وانتهاك للخصوصيات وبث الأكاذيب والتطاول ..وهكذا تضافرت كل تلك العوامل مجتمعة حتى صرنا إلى ما نراه اليوم من سلوكيات أصابت قيمنا الرفيعة في مقتل ؟!

ما نحن فيه من تراجع أخلاقي يرجع في جانب منه إلى غياب القدوة الحسنة في المجتمع ..كما يرجع إلى تهافت الأعمال الفنية وابتذالها..وادعاء صناعها أنها لا تصنع الواقع بل هي انعكاس له، وأن ناقل الكفر ليس بكافر وهو قول حق أريد به باطل؛ فليس كل ما يُعرف يقال أو ينشر بين عوام الناس ..وأن تسليط الضوء على أي سلوكيات منحرفة يزيدها انتشاراً ويعطي لأصحابها مزيداً من الجرأة على ارتكابها جهاراً نهاراً دون خجل أو مواربة..فهل من وظائف الفن الجاد استثارة الغرائز و جر المجتمع للعنف والرذيلة وتهوينها في عيون النشء والصغار حتى يألفوها ولا يجدوا عيباً في تقليدها ..وهنا لا يمكننا تبرئة الأعمال الفنية والمسلسلات الهابطة ولا مواقع التنابز الاجتماعي و برامج التو شو التي طفح بعضها بالجدل والتشهير والابتزاز والانتهازية بعد أحداث يناير !!

فأي صلة تربط مجتمعاتنا اليوم بحضارة عريقة ملأت الدنيا علماً ونوراً وأخلاقاً حسنة كانت مضرب الأمثال حتى وقت ليس ببعيد ..؟!

لم يحدث هذا التدني كله بين عشية وضحاها ..لكنه تفاقم بعد انفجار أحداث يناير 2011 وما تبعها من انفلات طال كل شيء حتى شاعت تلك الأخطاء وصارت خطايا تنخر في عظام مجتمعاتنا ما يؤكد أنها كانت بفعل فاعل أراد منها النيل من استقرار مصر وأمنها حتى ظهر النفاق والإهمال والتنمر والتشفي على أرضية الاستقطاب والانقسام الذي كاد يفضي بنا إلى احتراب أهلي نجانا الله منه ..وهنا يأتي سؤال: أين كانت مناعة مجتمعنا ومقاومته وقواه الحية..ولمَ توقف عن التصدي للأخطار قبل أن تبتلعنا وترمي بنا في هوة سحيقة بلا قرار..وهل يجوز التسامح مع مثل هذه الموبقات الخطيرة التي شكلت واقعا غريباً على مصر وأمتها العربية..؟!

وبدلاً من أن تتنادى الضمائر الحية من قوى المجتمع الفاعلة لمجابهة هذا التردي تغافلت عن خطورة ما يجري من تصدير صورة مغلوطة عن مصر تحاول جماعة الإخوان والكارهون لبلدنا ترسيخها في الأذهان، وتصديرها للخارج دون أن تجد من يفندها أو يدحضها؛ فإعلامنا للأسف يخاطب نفسه وينكفيء على ذاته ويأتي رداً للفعل وليس استباقاً له كما يقتضي منطق الأشياء.

وللأسف يسود اعتقاد خاطيء أن فرائض الإسلام مقصورة على الصلاة والصوم والزكاة والحج وصلة الرحم وبر الوالدين ..وتناسوا أن الدين المعاملة.. وهناك أمور لا تقل أهمية عن العبادات ذاتها، ومنها المحبة وجبر الخواطر الذي هو من أفضل الطاعات فقد دخل رجل الجنة في كلب سقاه بعد أن كاد يموت عطشاً، كما دخلت امرأة النار في هرة لا هي أطعمتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض..جبر الخواطر يعبر عن عظمة أخلاق المسلم ونبله وكرمه ومواساته لأخيه المسلم وشركائه في الوطن في المحن والشدائد..وجاءت آية " ولسوف يعطيك ربك فترضى" كاشفة لعظم جبر الخواطر..فمن سار بين الناس جابراً للخواطر أدركه الله في جوف المخاطر..وإذا ما وفقك الله لعون أخيك ومواساته في شدته وجبرت خاطره وفرجت كربه فإن الله سوف يسخّر لك من يقف بجانبك في شدتك ..فالبر لا يبلى، وكما تدين تدان.

اجبر خواطر الآخرين ولو بكلمة طيبة ولو كنت مهموماً فسوف يفرج الله تعالى همك لأنك فرجت هم غيرك؛ فجابر الخواطر لا ينساه ربه مهما طال الزمن، وحتما سوف يرضيه جزاء ما قدم للآخرين من معروف..وكما يقول الشاعر الحطيئة:

من يفعل الخير لا يُعدَم جوازيه..لا يذهب العرف بين الله والناس

أما التشفي في الموت والمرض فسلوك مريض نهى عنه الرسول الكريم بقوله :" لاتظهر الشماتة بأخيك فيعافيه الله ويبتليك" رواه الترمذي..كما أن الله لا يحب الجهر بالسوء من القول إلا من ظُلِم؛ ولا يعني ذلك إبداء الشماتة في الظالم لكن أن يرفع المظلوم أمره إلى القضاء لدفع هذا الظلم عنه ورد الحق مرة أخرى لصاحبه.

المؤمن قلبه مليء بالرحمة التي تجعله يحن إلى الإنسان إذا ما تعرض لمكروه حتى لو كان هذا الإنسان قد ظلمه "وإن تعفوا أقرب للتقوى"..أما الشماتة بالمصائب التي تقع للغير فهي خُلق ذميم يتنافى مع الرحمة والمودة التي ينبغي لها أن تسود بين الناس..وهي -أي الشماتة- خُلق الكافرين والمنافقين وسمة الضعفاء وفيها تحقير للآخرين  والإسلام نهانا عن تحقير الغير..قال تعالى:" إن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا  وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (آل عمران:120)..ألا يعلم الشامتون بغيرهم أن الأيام دول ولا تدوم الحياة على حال ..وهل يضمن الشامت أنه سيموت معافي ولا يبتليه الله بمثل ما شمت به كما يقول الشاعر الحكيم:

فقل للشامتين بنا أفيقوا..سيلقى الشامتون كما لقينا

الشماتة لا تجوز شرعاً والواجب أن ندعو بالشفاء والعافية لكل مريض وأن يمنحه الله الصبر لتجاوز محنته برضا وإيمان.

الشرع يقول لك أحبب ما شئت لكن إذا أحببت فلا تنحرف إلى الحرام..لا يقول لك : لا تكره ولكن إذا كرهت فلا تظلم ولا تسخر ولا تشمت ولا تتنمر ..الشرع لا يقول لك : لا تأخذ حقك ولكن لا تظلم ولا تسرف ..نحن سنعيش مرة واحدة على هذه الأرض..إذا أخطأت فاعتذر ..وإذا أحببت فعبر عن حبك ولا تكن معقداً..والأهم لا تكره ولا تحقد ولا تحسد..ولا تندم على حب أو معروف قدمته لأحدهم ولم يكن يستحقه..كن دائماً معتزاً بنقاء قلبك وإياك أن تلوم طهارتك..الرحمة أجمل كثيراً من الحب بل هي أكبر من الحب؛ فالحب أحد أبواب الرحمة ..والحب الحقيقي لا يموت، وهو الحل الأمثل لمشاكل الإنسان على الأرض..يمكننا عمل الكثير بالحق لكن بالحب أكثر..كم تمنيت أن نعيش الحب دوماً لا أن نحتفل به يوماً واحداً في العام ..فالحب يعني الكثير والكثير..الحب الحقيقي أن تشعل أناملك كي تضيء لهم الطريق، وتحرق أيامك كي تبث فيهم الدفء، وتمنحهم عينك دون تردد حتى تنير لهم الظلام..الحب الحقيقي أن تساعدهم على الوقوف عند التعثر، وتدخل السرور إلى قلوبهم عند الحزن، وتمنحهم الأمل عند اليأس..هو أن تحتفظ لهم بمساحة جميلة من الأحلام في داخلك ومساحة شاسعة من الرحمة والمودة، وأن تتحلى بقدرة هائلة على الغفران والتسامح إذا ما أساءوا إليك دون أن تنتظر منهم جزاء ولا شكوراً..هو أن تدفع عنهم كلمات السوء في غيابهم، وتحرص على بقائهم صفحة بيضاء في أعين الآخرين وتحفظهم مهما غابوا عنك ..هو أن تترجم إحساسهم إلى من يهمه أمرهم وتحمل أحلامهم إلى من لا يكتمل حلمه إلا بهم، وتدعو لهم بالسعادة ..أن تمتص حزنهم وتصغي إلى همومهم، وتحمل عنهم ما لا يستطيعون حمله من متاعب الدنيا وهمومها..أن تقدم لهم دعوة مستبشرة إلى الحياة حين يفقدون شهية الحياة ..وتقدم لهم دعوة إلى الحلم حين يفقدون المعنى الجميل للحلم ..أن تتجرد من أنانيتك من أجلهم، وألا تفرض عليهم مشاعرك وأحلامك ..وألا تصطاد قلوبهم في الماء العكر.

الحب فرصة ليصبح الإنسان أفضل وأجمل وأرقى ؛ فهو ليس مجرد عاطفة ووجدان كما نسميه وإنما طاقة وإنتاج ..هو أعظم مدرسة يتعلم فيها كل عاشق لغة لا تشبهها لغة أخرى ..الحب سر لا يعرفه إلا المحبون..الحب لا تعريف له ..فتعالوا يحب بعضنا بعضاً ..فما أجمل حياتنا إذا سادها الحب والرحمة والمغفرة والتسامح ..وكيف تكون أحوال البشرية إذا ما تحقق لها ذلك الأمل..هل يختفي ما نراه من صراعات وحروب وأمراض وأوبئة وكوارث ومجاعات وجرائم وقلق على المستقبل..؟!

الأخلاق الحسنة طريقنا لعودة الزمن الجميل..العطاء بلا مقابل مفتاح السعادة..يحدونا أمل كبير أن يعود لأخلاقنا رونقها الأصيل كما يتطلع الرئيس السيسي ..حينها يتوقف العنف وإثارة الجدل في قضايا خلافية وربما هامشية أو سوفسطائية لا تجني الشعوب من ورائها شيئاً إلا التعاسة والتخلف والعداوة والتمزق والضعف والهوان ..ومثل تلك الأحوال وإن كانت ترضي أعداءنا لكنها لا ترضي الله سبحانه وتعالى.

مصر اليوم على طريق الإصلاح في كل مجالات الحياة، ونتطلع لمزيد من جنى ثمرات هذا الإصلاح وذلك الجهد الهائل وأن تنعم به أجيالنا القادمة وأن يغمرنا رضا وتفاؤل وأمل في مستقبل أكثر أمناً ورخاءً ورحمة..مستقبل تسوده الأخلاق الفاضلة التي خسرت الإنسانية كثيراً من روحها الآدمية حين فرطت فيها واستسلمت لغواية المطامع والشهوات وحب السيطرة والهيمنة والنزاعات التي تجرد الإنسان من إنسانيته وتجعله يعيش التعاسة والحرمان من الطمأنينة والرضا وراحة الضمير والبال ..الأخلاق روح الدين وعماد الحضارة وجوهر الإنسانية ولهذا قال نبي الإنسانية وسيد الخلق.."إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق..".