بطاريات منصور
أخبار التعليم
  • مصر
  • Loading...

رئيس مجلس الإدارة
سـعــــد سـليــــم
رئيس التحرير
عبد النبى الشحات

علاء طه

أبيض وأسود

عصور العار الأمريكي تتلاحق

بقلم .... علاء طه

الجمعة 11 يناير 2019

مصر علي موعد دائم مع إعلان المشاريع الأمريكية التي تصنع مفاصل السياسة العالمية.. القاهرة تحضر بقوة التاريخ والجغرافيا والمكانة والقدرات العسكرية والقوة الناعمة.. هنا الأديان والأساطير والأرض والفرص والخيال، وأفضل منصة للتحدث للمنطقة.. لكن لم يعد اليوم يشبه البارحة.


عشرة أعوام تفصل ما بين خطاب أوباما التاريخي بجامعة القاهرة في يونيو 2009، وما بين خطاب بومبيو الهام بالجامعة الأمريكية في التجمع الخامس يناير 2019.. أوباما رئيس أمريكا جاء متوددًا متواضعًا ووقف علي أرض مصرية مستشهدًا بآيات من القرآن الكريم، ليقل إن "الولايات المتحدة ليست عدوًا للمسلمين والعرب".. حاول أن يرطب آثار الحروب التي أشعلها سلفه جورج بوش الابن ما بين أفغانستان والعراق، لكنه بالنهاية حول الحروب إلي فوضي، وسكب البنزين علي النار فاشتعلت حروب جديدة ما بين ليبيا وسوريا واليمن.. وكل المعاني الأخلاقية التي روج لها من الديموقراطية إلي حقوق الإنسان بدت الطعم بالصنارة من أجل إصطياد المزيد من المكاسب لأمريكا أولًا وليذهب العرب والمسلمين ومعهم اسرائيل للجحيم.


التمثيل الأمريكي انخفض هذه المرة مع خطاب هام للعالم، فالمتحدث وزير الخارجية المتعصب والعنصري مايك بومبيو، وفضل أن يتحدث علي أرض مؤسسة أمريكية بالقاهرة، وجاء مغرورًا متباهيًا، ليقل لنا أن أمريكا "قوة خير"، وواشنطن "تعمل على إقامة تحالف استراتيجي في المنطقة لمواجهة أهم الأخطار في المنطقة"، وسيضم "دول مجلس التعاون الخليجي إضافة الى الأردن ومصر".. والاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط يمكن تلخيصها في نقطتين "محاربة النظام الإيراني بعد القضاء على إرهاب تنظيم الدولة الإسلامية".. والعمل على أن "تحتفظ اسرائيل بالقدرات العسكرية" للدفاع عن نفسها. 


يزف لنا بومبيو الخبر السار وهو أن "عصر العار الأمريكي الذي فرضته أمريكا على نفسها قد ولى وكذلك ولت السياسات التي ولدت كل هذه المعاناة التي لم يكن لها داع".


ويتفاخر بأننا أمام عصر جديد شهد خلال 24 شهرا من حكم ترامب قائلاً: "تنمو روابط جديدة بصورة لم نكن نتصورها حتى عهد قريب، من كان يصدق أن يزور رئيس الوزراء الإسرائيلي مسقط" .. و"في أكتوبر من العام الماضي عزف النشيد الوطني الإسرائيلي أثناء تتويج بطل الجودو الإسرائيلي كفائز في دورة ألعاب كيمج في الإمارات العربية المتحدة وكانت هذه أول مرة يسمح فيها لوفد إسرائيلي بالمشاركة تحت العلم الإسرائيلي وكانت أول مرة يحضر فيها وزيرا الثقافة والرياضة الإسرائيليين".


الإعلان الأمريكي الجديد بالمنطقة إعلان الحرب علي إيران، والدفاع حتي الثمالة عن أمن إسرائيل.. والإستراتيجية الأمريكية حلف لمواجهة إيران حتي لو وصلت الأمور إلي معارك عسكرية، وتطبيع رسمي، بالأمر المباشر، بين العواصم العربية مع إسرائيل، والدعوة لتطبيع شعبي مجاني.  


مؤسسة الأمن القومي، وهي مؤسسة فكرية تضم العديد من مستشاري أوباما السابقين في السياسة، علقت علي خطاب بومبيو بانه "يعكس ليس فقط تفاهة إدارة ترامب، ولكن أيضًا إلى افتقارها إلى رؤية استراتيجية ".. وتستند علي أن "بومبيو مع الإدارة الأوسع التي يمثلها، يعتبر الإسلام عدوًا، وحقوق الإنسان مصدر قلق، والمستبدين جديرين بالدعم".


دعونا من المعركة بين الجمهوريين والديموقراطيين، التي انتقلت إلي خطاب بومبيو بالقاهرة، فهي معركة خاصة بتحقيق المصالح الأمريكية فقط.. ولنهتم بطلبات أمريكا الجديدة من المنطقة وهل هي في صالح الدول العربية وشعوبها أم ضدها، ليكن الحوار أكثر دقة وبراجماتية هل سنستفيد من أمريكا أم لا؟!


من اللحظة الأولي لترامب فهو صانع فوضي أكثر منه صانع استقرار وسلام.. إعلانه المنفرد بنقل السفارة الأمريكية للقدس الشرقية باعتبارها عاصمة لإسرائيل خنجر مسموم في قلب العرب والمسلمين، والجسد لا يزال ينزف بالدم.. وطيلة الأشهر الماضية تبدو سياسته بالشرق الأوسط هشة وغير متماسكة ومتناقضة ومتضاربة.. فهو يعلن الحرب علي الإرهاب بلا هوادة، لكن بفوضوية وعجالة يعلن الإنتصار علي داعش في أول ديسمبر الماضي، ويقرر سحب الجنود الأمريكيين من سوريا تاركًا الملعب خاليًا لإيران التي يردد أنه يحاربها، ومعطيًا لداعش قبلة الحياة والعمل من جديد بحديقة الشرق الأوسط.. العراقيون فهموها سريعًا واعلنوا غضبهم من القرار وهاجموا زيارته للمنطقة الخضراء في بغداد بشكل سري مع زوجته بأعياد الميلاد، التي اعتبروها نوعًا من الغطرسة وعدم تقدير للسلطة السياسية الوطنية الحاكمة التي لم يقابلها أثناء زيارته أو يخبرها بنيته القدوم للعراق.. وعراقيون بارزون طالبوا علنًا للمرة الأولي بقطع العلاقات مع أمريكا وطرد مسئوليها وجنودها الباقين.. ولعل هذا ما أجبر بومبيو علي زيارة العراق يوم الأربعاء الماضي رغم أنها لم تكن علي جدول جولته الحالية لدول الشرق الأوسط.


الأهم هو الحقائق علي الأرض فالولايات المتحدة تبدو في أضعف أوقاتها التاريخية في ظل إدارة رعناء علي رأسها ترامب.. فهو يفشل وإدارته إلي الآن بسبب سوء إختياراته وخلافاته مع الديموقراطيين في تعيين سفير له بالقاهرة ومنذ عام 2017 يدير السفارة قائم بالأعمال، الأمر متكرر في 40 دولة هامة بالعالم.. وتصور أن جولة بومبيو لتسعة دولة بالمنطقة يحكمها عدم وجود سفراء أمريكيين بخمسة دول منها.. نحن أمام أزمة في السياسة الخارجية الأمريكية، تبدأ من عدم وجود دبلوماسيين أكفاء وتنتهي بعدم وجود رؤية.. واللحاق بأمريكا يبدو مغامرة بمصالح أي دولة، في ظل أنها لا تريد القيام سوي بأدوار الإشراف علي الحروب لتحقيق مصالحها.. وإن كان عصر العار الأمريكي انتهي حسب تعبير بومبيو مع رحيل أوباما، فإن عصر أمريكيًا أشد عارًا يلوح في الأفق، تكون فيه الفوضي عارمة وستقف فيه الإنسانية أمام مأزق أخلاقي عميق.. والدرس المستفاد من خطاب بومبيو أن أمريكا تنكفأ علي نفسها، والابتعاد عنها في هذه الأوقات غنيمة.. ومحاربة إيران وحماية إسرائيل وسائل جديدة لضخ الدماء في شرايين الإقتصاد الأمريكي.. والأفضل للعرب أن يحددوا استراتيجية خاصة بهم ويبدأوا في تنفيذها تقوم علي إنهاء الحروب وضمان الحق الفلسطيني وتحقيق الرفاهية والأمل لشعوبهم وضمان العيش المشترك وتداول السلطة وتحقيق الكرامة الإنسانية فذلك أولي، وذلك أضمن للبقاء.

[email protected]