بطاريات منصور
أخبار التعليم
  • مصر
  • Loading...

رئيس مجلس الإدارة
سـعــــد سـليــــم
رئيس التحرير
عبد النبى الشحات

علاء طه

أبيض وأسود

سينما مصر وظاهرة خالد جلال

بقلم .... علاء طه

الجمعة 08 نوفمبر 2019

في العرض المسرحي "سينما مصر"، لا مجال للإرتجال، ولا خروج عن النص، ولكن ما ينسحب علي الحاضر من تغليب للنقل علي العقل، وتقديس الماضي، لا ينسحب علي العرض، فبذكاء شديد يعيد المخرج الوهج لمشاهد أفلام السينما المصرية، ويقدم فُرجة مُعتبرة، فارًا بجلده ومشروعه لصناعة المواهب من ريبة غلق المجال العام، وألسنة نيران التناحر السياسي، وجحيم مواقع التواصل الإجتماعي.. ولم لا، فنحن أمام ظاهرة فنية فريدة اسمها "خالد جلال" لا تبيع الأكاذيب والأوهام وتقدم فنًا حقيقيًا وراقيًا، ونجحت خلال عقدين في صناعة نجوم أعادوا الإعتبار لمهنة التمثيل، وأضاءوا مسرح مركز الإبداع في الوقت الذي اطفئت أنوار كل مسارح القطاع الخاص. 

في السنوات الأولي للألفية الثانية تولي خالد جلال الإشراف علي مركز الابداع بدار الأوبرا المصرية، فحوله إلي مصنع للنجوم عبر مشروع الورشة المسرحية لإعداد الممثل الشامل، التي فيها توفر الدولة للمبدعين من الشباب فرصة الدراسة بعيدًا عن الأكاديمات التي شاخت، وتنفق عليهم بسخاء. 

الدفعة الأولي تخرجت في 2005 وضخت في شرايين الفن عددًا من الممثلين البارزين. 

في 2009 جاء مشروع تخرج الدفعة الثانية مسرحية "قهوة سادة" بمثابة إعلان عن نضج ونجاح ظاهرة الورشة.. كانت مصر تغلي سياسيًا في تساؤل عن هوية من يخلف الرئيس مبارك في الحكم، وسط غضب من ضياع حلم الوصول للمونديال علي وقع الهزيمة الكروية من الجزائر التي تحولت لفتنة بين البلدين، وفي الأفق قلق من تزاوج الثروة بالسلطة ومخاوف من أنياب رجال الأعمال بعد أن تورط أحدهم في مقتل المطربة سوزان تميم.. كان مزيج من النميمة والفوضي والجنون يحرك كل شئ وجاءت "قهوة سادة" باسكتشات ارتجالية تسخر في العمق من كثير ما يحدث بالمجتمع فكان نجاحها ساحقًا.

الارتجال والمغامرة وصلا للذروة مع الدفعة الثالثة التي قدمت مشروع تخرجها في مسرحية "سلم نفسك" التي أعادت السخرية والضحك من أمراض المجتمع والإرهاب، وكان النجاح رسميًا مستحقًا، والنجاح شعبيًا فعلًا مكررًا.

"سينما مصر" مشروع الدفعة الجديدة يبتعد عن الحاضر بلا ارتجال، ويقدم رؤية نصية مفعمة بموجة حنين لروائع أفلام السينما المصرية تحمل خوفًا من المغامرة، وخشية من الأفلام التي قد تحمل اسقاطًا سياسيًا فعين المخرج هذه المرة علي تكرار النجاح الرسمي الذي سيجلب كبريات شركات الإنتاج لتبني النجوم الجدد، وسيضمن استمرار المشروع.

في دور السينما الأفلام تومض علي الشاشة الكبيرة ثم تنطفئ، ويخرج المشاهد بحكاية ممتعة أو مثيرة أو ناقم علي ضياع فلوسه علي تذكرة فيلم سيئ، لكن في عرض سينما مصر علي مدار ثلاثة ساعات، تنطفئ الأفلام علي الشاشة لتومض في الذاكرة والقلب بحرص مشاهد كلاسيكية صنعت وجدان المصريين عبر تمثيل جيل جديد من المواهب الطازجة مثل الفواكه، والساخنة مثل الخبز البلدي.

الرواية  البديعة "جنتلمان في موسكو" للأمريكي أمور تاولز الصادرة في عام 2017 وترجمها للعربية إيهاب عبد الحميد، يري البطل فيها أن "هوليوود هي أخطر قوة في تاريخ الصراع الطبقي"، مفسرًا ذلك بأن الأفلام الموسيقية كانت "معجَّنات مصمَّمة لاسترضاء المعدَمين بأحلام يقظة عن نعمةٍ لا يمكن الوصول إليها". وأفلام الرعب "خفّة يدٍ تُستبدل فيها مخاوف الرجل العامل بمخاوف فتيات جميلات". وكوميديات الفودفيل "مخدرات سخيفة"، وأفلام الويسترن ؟ الدعاية الأكثر مراوَغةً علي الإطلاق:حكايات يُمثَّل فيها الشرُّ بتعاونيّات تَسلب وتنهَب، بينما يمثل الفضيلة شخصٌ واحد يجازف بحياته للدفاع عن حُرمة المِلكيّة الخاصة لشخص آخر.. أما في مسرحية "سينما مصر" فصاحب الرؤية والمخرج وهو البطل في العمل فيري أن السينما المصرية فعلت كل ما فعلته أفلام هوليود، لكنها لم تكن وسيلة للصراع الطبقي بمقدار ما تحولت إلي القوة الناعمة الرئيسية للوطن، ويلقي الضوء علي حقيقة أن الأفلام قد تكون أداة ترفيه لكنها أهم من السلاح والمال لتأكيد قوة الدولة عبر محافظتها علي الهوية والروح والوجدان.

مشاهد السينما الكلاسيكية قد تتحول في لحظة إلي فخ قاتل للمبدع، قد تورطه في معارك سياسية لم يكن يقصدها، أو توقعه في ورطة المباشرة، أو تسقطه في خندق الموالسة للسلطة، ونجح خالد جلال في عبور كل الحواجز باستثناء مشهد النهاية بما فيه من مباشرة لا لزوم لها.

لا أعرف هل قصد خالد جلال اختيار سنة ميلاده عام 1963، ليختار عبرها فيلم "الليلة الأخيرة" الذي أنتج في نفس العام، ومثل مصر في مهرجان كان السينمائي الدولي، ليجعله الإطار الرئيسي الذي تدور في قلبه مشاهد السينما المصرية ليقدم رؤية عن الهوية المصرية، واستعصائها علي الكسر أو الفقدان؟!

فيلم "الليلة الأخيرة"، إخراج وإنتاج كمال الشيخ،  مأخوذ عن الرواية الأمريكية To See a Stranger للكاتبة Margaret Lynn، وصاغه للسينما يوسف السباعي وصبري عزت.. هيتشكوك السينما المصرية في بدايته بالخمسينات عاني من مطاردة النقاد له بمقولة أنه مخرج يبحث عن إثارة فارغة، ولم يشفع له أن ثالث أفلامه كان "حياة أو موت" الذي عبر من خلاله عن تصوره للمجتمع الجديد بعد ثورة يوليو 1952، من خلال رحلة الفتاة والدواء الذي به سم قاتل؛ حيث تتكاتف طبقات المجتمع المختلفة ومؤسساته لإنقاذ فرد واحد، وهو نفس الفيلم الذي عرض داخل المسابقة الرسمية لمهرجان "كان" السينمائي الدولي عام 1955، وهو نفس الفيلم الذي يعد وثيقة نادرة عن القاهرة وشوراعها، لكنه أثبت في الستينات خطأ النقاد، ففي فيلم "اللص والكلاب" المأخوذ عن رواية نجيب محفوظ، كشف الكثير من أوجاع المجتمع والمتاجرين به، وفي فيلم "الليلة الأخيرة" فرض سؤال الهوية علي الجميع، من خلال قصة امرأة تستيقظ من نومها لتجد نفسها امرأة أخرى، تعيش حياة أخرى وزمنًا آخر.

الفيلم يأخذ بعدًا وجوديًا مجسدًا صراع وبحث امرأة عن هويتها الفردية وسط محيط يرفض هذه الفردية.. في الرواية الأمريكية البطلة ليزا دوركاس تبحث عن هويتها بعد أن فقدت ذاكرتها في غارة جوية علي لندن خلال الحرب العالمية الثانية، وبعد عقدين تجد نفسها إمرأة أخري زوجة وأم وإنما ذاكرتها لأمرأة أخري.. وفي "الفيلم المصري تتحول ليزا إلي نادية برهان صادق، تؤدي دورها فاتن حمامة، التي تفقد ذاكرتها في غارة جوية علي بورسعيد وتستيقظ فجأة عام 1962 لتجد نفسها فى زمن آخر ومكان آخر حيث تشير عقارب الزمن إلى 11 أبريل 1957 وزوج أختها شاكر، يؤدي دوره محمود مرسي، فى غرفتها، وأن اسمها صار فوزية وليست نادية، وتدور الأحداث بعد ذلك فى محاولة نادية لاستعادة الذاكرة رغم أنف شاكر الذى دبر المؤامرة وحاول إقناعها بأنها فوزية، حاول سرقة تاريخها، لكنها تصمم على استعادة الذاكرة، واستعادة الهوية على الرغم من تدبير المؤامرة بإحكام لدرجة وجود قبر باسمها تزوره وتقف أمامه، ومع هذا تصمم أنها نادية. 

الصراع الفردي للبحث عن الهوية يحوله خالد جلال لصراع وطن لاستعادة هويته وذاكرته، ويجعله محركًا ورابطًا لمشاهد أفلام السينما الكلاسيكية الجميلة التي يراها أيضًا تمثل الهوية المصرية والمزاج المصري منها الناصر صلاح الدين، ومعبودة الجماهير، وخلى بالك من زوزو، وباب الحديد، وأغنية على الممر، وجميلة أبوحريد، وأيام السادات، والمصير، وبداية ونهاية، والقاهرة 30، وشباب إمرأة، وعرق البلح، والكيت كات، وغيرها وبالنهاية تنتصر نادية في معركة استعادة اسمها وذاكرتها وهويتها الحقيقية أمام مكر وخداع شاكر.. ونقف أمام مشهد جماعي للفتيات اللائي أدين دور نادية بالعرض بملابس فرعونية يحاصرن شاكر وفي الخلفية علم الوطن، ليرمزن إلي مصر التي تأبي ذاكرتها علي المحو، وقادرة دومًا علي استعادتها والتصدي لكل شاكر الذي يرمز لكل غاصب.

العرض مميز في كل شئ من الملابس إلي الموسيقي والأغاني، كل شئ يقدم  بحرفية ومهارة للتخديم علي رسالة المسرحية، لكن الأهم أنه يقدم نخبة جديدة من المواهب الذين يصل عددهم الي 67 فردًا كنجوم للمستقبل، برز منهم غادة طلعت وريهام محيي وأحمد سعد والي، الثلاثة اعتقد أنهم سيستقلون قطار النجاح الفني سريعًا.

بقي أن مركز الابداع الذي تحول إلي مصنع للنجوم مع خالد جلال يحتاج إلي دعم أكبر من الدولة لأنه صار رئة الفن المصري السليمة، ونحتاج إلي دعم تقديم عروضه بجولات في المحافظات والجامعات لنشر قيم الجمال والحب والتسامح وتحفيز الابداع وجذب المواهب، وعلي شركات الإنتاج أن تقتنص نجومه لأنهم يستحقون الكثير.

 

[email protected]