هيرمس
  • مصر
  • Loading...

رئيس مجلس الإدارة
سـعــــد سـليــــم
رئيس التحرير
عبد النبى الشحات

رياض سيف النصر

في رحاب نبيل زكي عاشق تراب الوطن

بقلم .... رياض سيف النصر

السبت 16 مارس 2019

عاد من المستشفي مستبشرا. بعد أن أنهي "كورس" حقن "الكورتيزون". ووعده الطيب بأن آلامه ستزول.. ويشعر بالراحة الكاملة بعد أسبوع واحد. 
لم يكن يعلم حتي رحيله أنه مريض "بالسرطان".. وأن المرض الخبيث في مراحله الاخيرة. وأن العلاج الذي يحصل عليه لمجرد التخفيف من الآلام المبرحة. التي استمرت شهراً ونصف الشهر.. ولم تفلح كل أنواع المسكنات في التخفيف منها. 
تحقق وعد الطبيب.. استراح من آلامه إلي الأبد.. رحل السياسي الكبير.. والكاتب الصحفي اللامع.. والمثقف الذي لم يتوقف عن القراءة حتي آخر أيامه.. والأهم الإنسان.. والصديق.. نبيل زكي. 
خلال اللحظات القليلة التي كان يتخفف خلالها من آلامه المبرحة اطلعني علي كتاب أنيق باللغة الفرنسية. تزينه صورة من الآثار الفرعونية وأشار إلي صورة أعرف صاحبتها جيداً. انها "سلوي" صاحبة أكبر حب في حياته. 
تعرف عليها عقب تخرجها من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية في الستينيات من القرن الماضي. 
وتواصلت مع جامعات أوروبية. حصلت منها علي شهادات في الترجمة الفورية بأكثر من لغة. واصبحت من ابرز المترجمين الذين ترشحهم مؤسسات الأمم المتحدة لمرافقة وفودها عند زيارة مصر. 
ولم يقف اختلاف الدين عقبة أمام رغبتهما في الزواج رغم ما أحدثه من صدمات للأسرتين. 
أسرة نبيل المسيحية في حي شبرا. لم تكن تتوقع أن يقدم علي تلك الخطوة التي زلزلت كيانها. واصابت والدته بأمراض عديدة. 
وأسرة "سلوي" في مصر الجديدة. وهي من جذور ريفية ووالدها يحمل رتبة اللواء. وكان يفخر بتفوقها العلمي.. وشخصيتها المستقلة لم تكن صدمة تلك الاسرة المسلمة أقل. 
تحملا معا نبيل وزوجته مصاعب عديدة. دفعتهما إلي التماسك اكثر.. وتحدي الجميع. وكان صمودها موضع اعجاب من أصدقاء الطرفين الذين راهنوا علي نجاح تلك الزيجة.. وكانت فرحة الأصدقاء أكبر بعد أن رزقا بطفلتين جميلتين. كان يفترض أن ترسخ تلك العلاقة الرائعة. التي صمدت أمام التحديات الكبيرة. 
وكان القدر يخبئ قرارا آخر. اضطر نبيل لمغادرة البلاد والعمل في العراق. عقب هجمة شرسة علي اليسار. وطلب من زوجته الحبيبة أن ترافقه. رفضت المغادرة واشتد الخلاف. وكان لابد من الانفصال مع الحفاظ علي حق رعاية الطفلتين. 
وافق نبيل علي أن تتولي الام تلك المهمة وألا يتوقف عن رعايتهما. خاصة أن الانفصال لم يؤثر علي الاحترام المتبادل بينهما. 
وافقت الزوجة علي العرض الذي تلقته من الأمم المتحدة وغادرت مصر منذ اكثر من اربعين عاما. ورفضت الزواج ووهبت حياتها لرعاية بناتها. ولم ينقطع نبيل عن زيارتهن. او دعوتهن لزيارة القاهرة. 
أخذ يقلب صفحات الكتاب. ويترجم لي بعض عباراته الفرنسية. ويشرح الفكرة وراء اصداره. 
** حرصت الأم علي ألا تنقطع صلة بناتها بالوطن. وما يجري علي أرض مصر من احداث. وكانت تحدثهما منذ نعومة اظافرهما عن تاريخ مصر القديمة والحديثة وارادت في الوقت نفسه أن تتعرفا علي اسرتيهما وباقي افراد العائلتين. 
يتوقف نبيل عند صورة والدته ويشرح ما جاء عنها في صفحات الكتاب. 
** اعتادت الجدة المتعلمة أن تسجل أحوال حي شبرا الذي عاشت فيه. وكيف كان المسلمون يعيشون معهم في الاربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي. في وئام ويتبنون شعار "الدين لله والوطن للجميع". 
ثم ينتقل إلي صفحات أخري تقدم عاذلة نبيل المسيحية وصورهم ووظائفهم ثم عائلة سلوي وصور عديدة عن الآثار المصرية. وصورهما عند الاهرام عند آخر زيارة لهما في مصر. 
وصفحات خاصة عن زوجته الثانية والدة نيفين التي عاشت معه في القاهرة.. وتعمل حاليا في احد البنوك العالمية في دبي. ومن أسف انها لم تكن بجواره لحظة الوفاة. وان كانت طلبت من والدتها ألا تتركه وحده رغم انفصالهما وقد حدث ونفذت "نبيلة" طلبها واقامت معه عدة أيام قبل الرحيل. 
إذا أردنا تلخيص حياة نبيل في عبارة واحدة. انه كان عاشقا لتراب الوطن التحق وهو طالب في المرحلة الثانوية. إلي الحركة اليسارية المصرية وهو يدرك ان القوانين التي صدرت في تلك الفترة تجرم كل من ينضم إلي الاحزاب اليسارية السرية. وان السجن مصير كل اعضاء تلك التنظيمات التي كانت تناضل ضد الاحتلال البريطاني. 
استبشر خيرا بقيام ثورة يوليو. التي تبنت شعارات كانت ترفعها الاحزاب اليسارية. ولكن الوفاق لم يدم طويلا. فقد اعتقل عام 1959 مع رفاقه اليساريين وامضي في المعتقل خمس سنوات. 
وبعد الافراج عنه عمل مع خالد محيي الدين في صحيفة المساء. ثم انتقل إلي الأخبار حتي الاحالة إلي المعاش. واستطاع خلال تلك الفترة ان يدرب العديد من الصحفيين الذين تولوا المسئولية بعد ذلك. 
ومن يتابع المقالات التي نشرت في وداعه يلاحظ انه حصل علي تقدير من كانوا يتفقون معه او يختلفون. ويشيدون بقدرته علي احترام الرأي الاخر. 
لم يتوقف نبيل طوال عمره عن الدعوة إلي التفكير العلمي. وعن مدنية الدولة وتحقيق العدالة الاجتماعية.. وحقوق الموطنة. 
تولي نبيل مسئولية المتحدث الرسمي باسم حزب التجمع وعضو مكتبه السياسي. وترأس تحديد الاهالي.. ثم رئاسته مجلس إدارتها.. وشارك مع المرحوم أحمد عباس صالح في اصدار مجلة الكاتب.. ولم يتوقف عن الكتابة في الاخبار حتي آخر ايام حياته.