هاي سليب
المجموعة المالية هيرميس
  • مصر
  • Loading...

رئيس مجلس الإدارة
سـعــــد سـليــــم
رئيس التحرير
عبد النبى الشحات

د. مروة محمد مصطفى

غداً ننسى

بقلم .... د. مروة محمد مصطفى

الثلاثاء 19 مارس 2019

حياتنا عبارة عن أحداث يومية غداً تصبح ذكريات،والذّكريات تدوّنها الأيام بحلوها ومرها،أيامنا الماضية صفحة من حياتنا،وأيامنا الحاضرة عبارة عن بضعة أسطر فى كتابٍ نحاول صياغته بشكل جديد،حتى لا نقع فى أخطاء الأمس،الحياة مليئة بالعثرات والعقبات،والقوي من يتجاوزها ويمضى نحو النّجاح،من أهمل فى نفسه من أجل غيره خسر الكثير،فمن غير المنطقى أن نعيش للآخرين وننسى أنفسنا. 


الحياة تمضى بنا وأعمارنا تمضى معها دون أن نشعر، والإنسان من حقه أن يتخطى الإلتزامات اليومية،والحواجز النفسية التى يعيشها،وينطلق نحو السعادة التى ينبغى أن يخلقها لنفسه،فالتوازن مهم فى حياتنا حتى لا نشعر بالندم فى وقتٍ لاحق،وبالمختصر المفيد الإنسان لا يعيش فى هذه الحياة إلاّ مرة واحدة.


ولقد سبقنا الأديب الكبير "أنيس منصور" حينما تناول فى كتابه "القوى الخفية" سبل تحقيق الراحة النفسية للإنسان وأهمية إجتيازها،قائلاً:"إذا كان عندك وقت فاجلس فى غرفة مغلقة عليك،وحاول أن تغمض عينيك،لا لكي تنام،ولكن لكي توفر لنفسك الهدوء ولعقلك الطاقة على أن تفكر،ولن أذهب بك بعيداً،فالمطلوب منك أن تفكر فى نفسك .. لا فى الذى حدث أمس أو أول أمس .. ولا فى الذى سوف يحدث غداً،ولا فى كيف تعاقب من أساء إليك أو تكافئ من أحسن إليك .. أو فى كيف تتخلص من الذين يضايقونك،أو تزداد ارتباطاً بالذين تحبهم ويحبونك .. وليس الأمر سهلاً .. فهناك مدارس فى التأمل،تطلب إليك أن تفعل ذلك كل يوم ولمدة ثلاث دقائق .. فقط هذه الفترة قصيرة،أما الغرض من ذلك فهو أن تستريح عقلياً ونفسياً بعض الوقت".


بالتأكيد سننسى كل حدث سلبى وقع فى حياتنا،دون أن ننسى الدرس الذى تلقيناه منه،والنسيان الذى أذكره فى هذا المقال لا يعنى أن يفقد الإنسان ذاكرته تماماً ويصل إلى حد "الزهايمر" لا قدَّر الله،لكن النسيان الذى نسعى إليه هو أن نطوى كل صفحة قديمة،تركت أثراً سيئاً فى حياتنا كي نبدأ حياة جديدة،فلولا نعمة النسيان لأصاب الإنسان الجنون وتعطيب القلب،نظراً لتكرار التفكير فى طرق مختلفة لإسترداد حقه الذى سُلب منه،وهنا يتحول الإنسان من شخص خُلق بالفِطرة على الخير والحب ونقاء القلب إلى شخص يحمل مشاعر الحقد والكراهية والإنتقام تجاه من ظلمه.


والإنسان الضعيف هو الذى يترك نفسه لكل هذه التأثيرات السلبية،أما الإنسان المتسامح يخطو الخطوات الصحيحة والثابته تجاه المستقبل،دون أن يلتفت إلى الماضى،وكلمة "تسامح" تعنى عدم خضوع الشخص إلى سُلطة الشَّر التى توجد بداخله،ففى وقتنا الحالى أصبح النسيان شيء ضرورى لبقاء الإنسان على قيد الحياة،وبالرغم من أن الإنسان بدون ذاكرة يصبح كائن بلا عقل،إلا أن الذاكرة وحدها لا تكفى،لذلك فقد أنعم الله علينا بالنسيان،لكي نستطيع أن نغفر ويملأ السلام قلوبنا.


فلقد خُلق الإنسان يحمل مشاعر الوفاء لذكريات تعيش بداخله،وأغلبنا يخفى خلف قناعه تجارب مختلفة خاضها بمفرده،تركت نقظة سوداء فى قلوبنا،ولأننا فى حاجةٍ إلى استعادة نقاءنا الداخلي،علينا أن نتناسى كي نستكمل مسيرتنا فى الحياة،وتأدية الرسالة التى خُلقنا من أجلها،ينبغى أن نواجه الواقع المحيط بنا بكل تحدى وذلك لن يحدث إلا حينما نشفى من أوجاعنا.


قد يبدو الأمر صعب لدى البعض،وقد يأخذ النسيان فترة ليست بقليلة،لكَّن الحقيقة تفرض علينا أن نتناسى،فبالنسيان يُولد الإنسان من جديد حينما يبدأ حياة جديدة خالية من الأسقام والأوجاع،ذلك لأن النسيان هو طوق النجاة الذى ينقذ الإنسان من إدمانه لذكرياته السلبية،وإصابته بالشيخوخة المبكرة من فرط الحنين لهذه الذكريات التى تؤثر بالسلب فى حياته،والعلاج الأمثل لكلّ هذه الأوجاع رغم صعوبته هو عدم أخذ الذاكرة مأخذ الجدّ وإنهاكها فيما يؤلمها.


عزيزى الإنسان لا تجلد نفسك فى تذكِّر أحداث ماضية تعكر صفو حياتك القادمة،فقد خلق الله نعمة النسيان كي تقف وتستعيد نشاطك من جديد حينما تُهزم وتقف جميع الظروف عائق فى وجهك،لابدّ أن تشفى من إدمانك لذكريات تنخر فى جسدك وتصيبك بالمرض والعجز المبكر،كن حريص دوماً على فلترة ذاكرتك،ولا تستبقى فيها إلا الخير،فمن أجل ذلك خلق الله النسيان.


[email protected]