هاي سليب
المجموعة المالية هيرميس
  • مصر
  • Loading...

رئيس مجلس الإدارة
سـعــــد سـليــــم
رئيس التحرير
عبد النبى الشحات

د. حاتم صادق

ايران والخليج وامريكا

بقلم .... د. حاتم صادق

الأحد 19 مايو 2019

 

بين ليلة وضحاها عادت ايران مرة أخرى لتحتل العناوين الرئيسية في جميع وسائل الاعلام العالمية، هذه المرة يدور الحديث عن حرب محتملة تستعد الولايات المتحدة الامريكية لخوضها ضد تلك الدولة "المارقة".. وبغض النظر عن موقفنا الثابت والرافض لاى اعتداء على اى دولة في العالم، طالما لم يكن هناك قرار اممى يؤكد تجاوزها للاعراف والقوانيين الدولية ، الا ان حالة ايران منذ سقوط دولة الشاة في نهاية السبعينيات من القرن الماضى تظل محور جدل وخلاف..

فكثيرا ما تابعنا قادة طهران منذ اعتلائهم سدة الحكم ،وهم يتوعدون بالويل والثبور وعظائم الأمور ل"الشيطان الأمريكي ، والكيان الصهيوني" .. ما يقرب من ٤٠ عاما ونغمة الوعيد لم تتراجع إعلاميا لدرجة أصيب معها كل المتابعين بالملل، فمازالت لغة الخطاب كما هي ، في الوقت الذى تكشف فيه الحقائق يوميا ان حجم العلاقات والمعاملات بين الثلاثى طهران وواشطن، وتل ابيب عكس ما يبديه الاعلام وصناع القرار السياسي في ايران.. ومن منا ينسي فضيحة "ايران كونترا" التي كانت بداية تلك العلاقة الثلاثية غير المقدسة.

غير انه وفى الواقع  ما تقوم به ايران هذه المرة من الاستفزازات وتحرش بالسفن وناقلات النفط العملاقة في الخليج ، تبدوا مختلفة بعض الشيء ، خاصة من ناحية التوقيت ، فايران تدرك جيدا انها لا قبل لها بمواجهة عسكرية مع أمريكا ، ولنا في حرب العراق وايران اسوة حسنة التي استمرت اكثر من ٨ سنوات لم تستطع فيها حسم الأمور في ميادين القتال لصالحها، وهو ما اضطر بأية الله الخمينى في ذلك الوقت بإعلان وقف الحرب من جانبه، وهو قرار كان اصعب من تجرعه للسم الزعاف.

كالعادة قادة طهران يفضلون قعقة السلاح وسياسية طق الحنك بدلا من المواجهة .. وهى عادة قديمة ثبت فشلها في كل المواجهات التي خاضتها ايران في المنطقة.

طهران تسعى للاستفزاز بكل ما تملك سواء إعلاميا او عسكريا .. وهى تسعى وتستعجل المواجهة ووتتمناها من كل قلبها ، مع الولايات المتحدة الامريكية في هذا التوقيت تحديدا .. ليس لقدرتها على حسم المواجهة ، ولكن لاستخدام صور الدمار والخراب وجثث القتلى الذى سيخلفها القصف في الاعلام العالمى، خاصة اننا في شهر رمضان الذى يعد من الأشهر الحرم.

وتجيد طهران سياسة خلط الأوراق، فهى تأمل ان تجنى ثمار تلك الحرب المحتملة داخليا واقليما وعالميا، حتى في الداخل الأمريكي ذاته..

فعلى الصعيد الداخلى.. يأمل ملالى طهران ان تحد الحرب المحتملة من تصاعد حجم المعارضة الشعبية في الداخل ضد الفساد الاقتصادى والسياسيى الذى يدفع فاتورته أبناء الشعب البسيط.. ويمنحهم قبلة الحياة غير المتوقعة لفرصة جديدة للبقاء في السلطة... وربما تكون تلك هي الحسنة الوحيدة المؤقتة التي يراهن عليها صناع القرار هناك.

وعلى الصعيد الاقليمى، فان قادة ايران يتوهمون ان الحرب ستحول المنطقة الى ساحة مواجهة مفتوحة، وستعيد قراءة المشهد بصورة مغايرة في بعض مناطق التوتر ، مثل اليمن ، وسوريا ، ولبنان... وأيضا العراق التي بدأت مؤخرا انها تخرج رويدا رويدا من تحت السيطرة الإيرانية، ولكن ما لا يدركه هؤلاء القادة ان مزاج الشارع العربى تغير بشكل كبير ، خاصة بعد الاحداث التي تلت ما يسمى بثورات الربيع العربى، واصبح هناك وعى ويقين بان بعض الأطراف التي كانت في خانة الأصدقاء المحتملين باتوا الان في خانة الأعداء الصريحين، وهذا الامر ينطبق على ايران ، وبعض المنظمات والجماعات التي تنفرد باحتكار لفظ المقاومة.

على الصعيد العالمى، يريد هؤلاء القادة استثمار الخلاف الناشب بين الإدارة الامريكية ، والاتحاد الاوروبى حول انسحاب واشنطن من المعاهدة النووية الموقعة مع ايران والمعروفة اتفاق 5 + 1 ، والذى بسببه يواجه الرئيس الامريكي دونالد ترامب موجة عاتية من الغضب الاوروبى. وتامل تلك القيادة ان تتسبب المواجهات العسكرية في زيادة هذا الشرخ ، حيث سيزيد هذا من مخاوف الأوروبيين في ان يكون لهذه الحرب تداعيات خطيرة على امنهم القومى تتمثل في تنشيط الخلايا النائمة للقيام بعمليات إرهابية تمتد لتشمل كل المدن والعواصم الأوروبية... وهذه أيضا ربما تكون من المكاسب التي يمكن ان يحققها النظام الايرانى من تلك الحرب المحتملة.

بالنسبة للوضع في داخل الولايات المتحدة الامريكية، فأن أعداء الرئيس ترامب في تزايد مستمر سواء على الصعيد السياسي او من جانب الاعلام، وهناك انتخابات رئاسية ستكون على الأبواب ، ونشوب تلك الحرب واحتمالية سقوط ضحايا من الجنود الامريكين سيكون لها ثمن باهظ للغاية قد يتحمله ترامب وحزبه ، لكن بالتأكيد لن يقبله او يتحمله الاعلام المعارض او الحزب الديمقراطى الذى يتمنى لترامب السقوط في هذا المستنقع للقضاء على فرص ترشحه لولاية ثانية.

في كل الأحوال ، فأن المواجهة هذه المرة مختلفة بعض الشيء، فكلا الطرفين لهما رؤيتهما وحدودهما التي لا يجب ان يتجاوزاها، وهذه المرة أيضا يمكن القول ان طهران تمتلك بعض الأوراق التي يمكن اللعب من خلالها سياسيا وليس عسكريا، اما ترامب، فأنه بحاجه لتحسين موقفه قبل الانتخابات .. وطهران نموذجا يمكن استخدامه كهدف قابل للضرب دون ان يبكى عليه احد خاصة في المنطقة، ولكنه في نفس الوقت فان تداعيات الضربة التي ستكون بلا شك محسوبة بدقة، لايمكن التنبيء بها.. وربما يكون هذا هو العنصر الحاسم قبل اتخاذ القرار النهائي.

----------------------

استاذ بجامعة حلوان - استشارى دولى