• مصر
  • Loading...

رئيس مجلس الإدارة
إياد أبو الحجاج
رئيس التحرير
عبد النبى الشحات

د. إيمان بيبرس

المطالبات بتخفيض سن الزواج جريمة وإتجار بالأطفال

بقلم .... د. إيمان بيبرس

الثلاثاء 31 ديسمبر 2019

 

.. وأنصح نواب الأحزاب بمناقشة القضايا التي تنهض بمجتمعنا لا تضعفه 

 

ما أكتبه في السطور التالية رسالة أعبر فيها عن غضبي وأسفي جراء التصريحات أو المقترحات التي يطلقها بعض نواب البرلمان نيابة عن أحزابهم، بين الحين والآخر، مطالبين فيها بتعديلات في بعض قوانين الأحوال الشخصية والتي لا خلاف عليها من قِبل المعنيين بها، بل ومطابقة للشريعة الإسلامية.

ولا أخفي عليك عزيزي القارئ أن هذه التصريحات تشعرني بالأسى والحزن ، وفي نفس الوقت يتأكد لي أن هؤلاء الأفراد لا يعرفون دورهم الحقيقي كنواب برلمان يعبرون عن مطالب الشعب ويشعرون بأوجاعهم، كما لا ينتبهون للقضايا التي لها أولوية للنقاش والحل، وإعتراف واضح للجميع أنهم يعملون فقط لمصالح شخصية وفئوية لا يخرجون عنها، متناسين ما هو في مصلحة المجتمع والشعب المصري.

والقضية هذه المرة عزيزي القارئ، تعتبر جريمة في حق أبنائنا، بل في حق مجتمعاتنا، حيث تداولت وسائل الإعلام والمواقع الإخبارية المختلفة، وبعض الفضائيات المصرية أيضًا، للأزمة التي أشعلها "حزب النور" أثناء اجتماع اللجنة الدستورية والتشريعية بمجلس النواب لمناقشة مقترح الأزهر حول قوانين الأحوال الشخصية، حيث سجل اعتراضه على مادة منع زواج الأطفال قبل سن 18 عامًا، مطالبًا بإعادة المقترح للأزهر مرة أخرى لمراجعته، مدعيًا أن هذه المادة الخاصة بسن الزواج في منتهى الخطورة وتتسبب في حدوث أزمات، وقد تحرم الحلال وتحلل الحرام، موضحًا أن "البلوغ الحقيقي يبدأ من سن 15 سنة أما سن 18 فيه تزيد".

وكإمراة نسوية وأرأس مجلس إدارة جمعية نهوض وتنمية المرأة، وهي جميعة نسوية تعني بالمرأة وبقضاياها المتنوعة، ولها باع طويل في قوانين الأحوال الشخصية،أؤكد أن ما طالب به نائب حزب النور هذا من تخفيض لسن الزواج دون سن الـ18 عام، جريمة في حق المجتمع المصري، وخطوة خطيرة لإنتشار الزواج المبكر، الذي ثبت أن له أضرار صحية ومعنوية بل ونفسية لا حصر لها، كما يعتبر تشريع رسمي لزواج القاصرات الذي يعد من الكوارث الاجتماعية والأخلاقية التي نرفضها جميعًا بل ونطالب بالحد منها ومنعها، لأنها من الممكن أن تكون سبب واضح في تدمير المجتمع المصري.

 

وسؤالي هنا: كيف يكون هناك مثل هذه المطالبات بعد كل هذه السنوات التي نادت خلالها المؤسسات والهيئات الدولية والمحلية المعنية بحقوق المرأة والطفل، بالمنع والحد من زواج القاصرات على جميع المستويات، والذي نراه منتشرًا في المناطق النائية والعشوائية في بعض محافظات مصر؟! أليس هذا يدعو إلى الشعور بالأسى والحزن؟!!

كما إنني أتعجب من مطالبتهم للأزهر بإعادة مناقشة المقترح وهذه المواد في قوانين الأحوال الشخصية بل وتغييرها، لتتناسب مع أهوائهم ومعتقداتهم الشخصية، على الرغم من أن هذا المقترح لم يأتي من فراغ، بل كان نتاج لمجموعة من مشروعات قوانين الأحوال الشخصية من بعض أعضاء مجلس النواب والمجلس القومي للمرأة وجهات أخرى، وقد راجعها جميعها ونظر إليها بعين الاعتبار والتقدير، وبناء عليه، عكف الأزهر على صياغة مشروع متكامل لقانون الأحوال الشخصية، بالتعاون مع هيئة كبار العلماء على إعداده ومراجعته مراجعة دقيقة لأكثر من عام، واستعان فيه بذوي الاختصاص والمهتمين بقضايا المرأة والطفل والأسرة.

 

فلماذا هذه البلبلة التي يقوم بها هذا الحزب ونائبه؟!! والذين يؤكدون أن مرجعهم هو الدين الإسلامي في مطالبهم، وفي نفس الوقت يرفضون مقترح "الأزهر" الذي يعد أكبر مؤسسة دينية رسمية، والذي جاء مطابقًا للشريعة الاسلامية في جميع بنوده ، فضلًا عن أن أغلب الفقهاء أوضحوا أن زواج من هم دون الـ18 عام سواء كان ولد أو فتاة، مخالفًا للشرع ويعد إساءة بالغة إلى الإسلام ، ويعد نوعاً من التفريط في الأمانة وتطويع الشرع لتنفيذ رغبات البشر، وفي حديث الرسول صلى الله عليه وسلم " يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج" ، والباءة المقصود بها هنا هي القدرة البدنية والقدرة المادية، كما أن التشريع الإسلامي نبه إلى الضرر الكبير الذي يقع  في حالة زواج القاصرات دون غيرها من الحالات الأخرى. 

ليس هذا فقط عزيزي القارئ بل أقر قانون الطفل رقم 12 لسنة 1996 والمعدل بالقانون رقم 126 لسنة 2008،  بتعريف الطفل بأنه كل من لم يتجاوز سنه الثامنة عشرة سنة ميلادية، وتثبت السن بموجب شهادة الميلاد أو بطاقة الرقم القومي أو أي مستند رسمي آخر، أى أنه دون 18 عام يعد طفل دستوريًا، فإلى ماذا يستندون في مطالبهم هذه؟!!

 

والطامة الكبرى أن صندوق الأمم المتحدة للسكان قد حزر من تفاقم زواج القاصرات، وأوضح في تقرير له أنه مع زيادة هذه الزيجات سوف يزداد عدد القاصرات الحوامل، اللاتي قد يحدث لهن مضاعفات، وقد تكون السبب الرئيسي لوفاة هؤلاء الفتيات اللواتي تتراوح أعمارهن بين الخامسة عشرة والتاسعة عشرة في البلدان النامية .

وأود أن أنبه في مقالي هذا أن حجم مؤشرات ظاهرة زواج الفتيات الأطفال "صادمة وخطيرة"، حيث أشار الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء المصري، إلى ارتفاع نسب الزواج المبكر في مصر إذ بلغ عدد المتزوجين دون سن السابعة عشر إلى أكثر من 117 ألف فرد أي ما يعادل 0.8% لمجمل السكان الذين تتراوح أعمارهم بين 10 و17 سنة. 

 وترتبط ظاهرة الزواج المبكر بصورة مباشرة بصور الإتجار بالأطفال وتمثل أحد أشكال الاستغلال، ورغم الأبحاث والدراسات التي أكدت أن مصر تتصدر قائمة الدول العربية التي ينتشر فيها ما يعرف بالزواج السياحي إلا أننا مازلنا أمام مطالبات بتشريعات لإنتشار هذه الظاهرة الخطيرة.

ولهذا أطالب كل مسئول مصري بعدم الإلتفات إلى هذه الآراء المخالفة للشريعة الإسلامية، والتي جاءت فقط لعمل البلبلة وإشعال الأزمات في المجتمع المصري، كما أطالب الأحزاب السياسية والسادة النواب، بأن يضعوا في إعتبارهم مصلحة المرأة والطفل، وأن تكون مقترحاتهم خطوة للنهوض بالشعب المصري والمساهمة في حل القضايا الشائكة، وليس إفتعالها، وأن يكون الفصل والمرجع في قوانين الأحوال الشخصية إلى الشريعة الإسلامية وإلى المعنيين بهذه القوانين.

وفي النهاية أشدد على أهمية توقيع أقصى عقوبة لكل من شارك فى زواج طفل أو طفلة لم يبلغ الثامنة عشر من عمره وقت الزواج، ويعاقب مثلها كل شخص حرر عقد زواج وهو يعلم أن أحد طرفيه لم يبلغ السن المحددة في القانون، كما أطالب المواطن المصري الغيور على وطنه ومجتمعه بعدم الإنجراف وراء مثل تلك الآراء، بل الوقوف أمامها والتصدي لها، وأقول لنائب حزب النور أنت من تفتعل الأزمات ، وعليك ترك الحلال والحرام إلى من ينوط به من جهات رسمية.

--------------

خبيرة دولية في قضايا النوع الاجتماعي والتنمية الاجتماعية

وخبيرة في تطبيق التنمية المستدامة في المناطق العشوائية