هاي سليب
  • مصر
  • Loading...

رئيس مجلس الإدارة
سـعــــد سـليــــم
رئيس التحرير
عبد النبى الشحات

د. إيمان بيبرس

خدعوك فقالوا 3

الانتحار يضرب المجتمع المصري

بقلم .... د. إيمان بيبرس

الاربعاء 27 مارس 2019


ها اليوم عزيزي القارئ أشاركك سلسلة مقالاتي التي بدأتها بدافع غيرتي على بلدي، والحقيقة إنني لا أذكر حقائق لا تعرفها بل أزيل التراب من فوق أوراق أنت تعلمها جيدًا لكنك بطريقةً ما لا تستطيع الوصول إليها، بسسب الموجة التي يقودها البعض من ترويج إشاعات ومعلومات كاذبة، ولكن للآسف الشئ المخجل أن بعض وسائل الإعلام وبعض مواقع التواصل الإجتماعي هي من تنساق وراء هؤلاء المندسون بنشر تصريحاتهم التي تتضمن أرقام وإحصائيات خاطئة من شأنها نشر حالة من الفزع والهلع بين فئات الشعب المصري وإثارة البلبة وهدم كيان الدولة المصرية نتيجة ضرب كيانها الإجتماعي والأسري في مقتل.

ففي مقالي هذا أتناول معك أيها القارئ قضية لها أبعاد مختلفة، فالحقيقة إنني فزعت وصدمت من كم الأكاذيب والأخبار المضللة وغير المؤكدة التي تنتقل بسرعة البرق حول ما تتناوله وتبثه بعض وسائل الإعلام وبعض مواقع التواصل الاجتماعي حول ارتفاع معدلات الانتحار في مصر، وكأن شبح الموت يحاصر بلد المائة مليون نسمة دون سابق انذار!

فما نجده من التناول الإعلامي – في الفترة الأخيرة- لحالات انتحار فردية مختلفة في عدة محافظات، وقعت لأسباب سواء كانت ضغوط  اجتماعية أو اقتصادية أو حالات نفسية ، ما هي إلا تغطية مضللة من نشر إحصائيات وأرقام مبالغ فيها وغير منسوبة لمصدر رسمي، فضلًا عن بعض مواقع التواصل الاجتماعى التى تعتمد على بعض وسائل الإعلام  في ترويج الأخبار الكاذبة دون التدقيق في الأرقام والإحصائيات ، والعكس أيضًا تعتمد بعض وسائل الإعلام على مواقع التواصل الإجتماعي، مما يجعل الأخبار الكاذبة تصبح كالنار فى الهشيم! وهذا ما يعد من أبشع صور الإجرام.

لذا أتساءل وأثير جدلًا واضحًا مع كل مواطن مصري، حول حقيقة أن هناك ارتفاع في نسب حوادث الانتحار وما بين وجود تضخيم إعلامي للوقائع من عدمه؟! فهل فجأة وبدون مقدمات الانتحار في مصر أصبح ظاهرة مقلقة أم إنه تضخيم إعلامي؟!

وهنا يجب علينا التريث فيما ينشر ونفكر بالعقل والمنطق، فبالأدلة والبراهين ووسط الأرقام المتضاربة والتقديرات غير الدقيقه عن معدلات الانتحار في مصر، نجد أن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء وهو الجهة الرسمية الموثوق في بياناتها، صرح من خلال احدى المواقع الصحفية بتاريخ 3 أغسطس 2018 عن إحصائية رسمية صادرة عنه أن حالات "إيذاء الذات عن عمد" الانتحار التي شهدتها مصر طوال السنوات الثلاث الأخيرة 2015 و2016 و2017 لم تتعد مجموعهم 183 حالة ، وكان الذكور الأكثر إقدامًا على التخلص من حياتهم بواقع 140 حالة مقابل 43 حالة فقط بين الإناث.

فنرى وفقًا لهذه الاحصائية أن حالات الانتحار في مصر سجلت ارتفاعًا طفيفًا خلال الثلاث سنوات الأخيرة ، فنجد 52 حالة انتحار في عام 2015، ثم ارتفعت قليلًا إلى 62 حالة في عام 2016 ، وصولًا إلى 69 حالة في عام 2017 ، فما نجده هو زيادة بسيطة لا تتعدى الـ10 حالات من عام 2015 إلى عام 2016، وأيضًا زادت 7 حالات فقط في عام 2017 عن العام السابق، وبذلك نجد أن نسبة الانتحار في مصر زادت بنسبة طفيفة للغاية وليس كما يزعم البعض بارتفاع النسب.

وأيضًا عزيزي القارئ تعلم أن ما ينشر عن ارتفاع احصائيات الانتحار في مصر عالميًا عن باقى دول العالم غير صحيح ، فمصر وفقًا لتقرير منظمة الصحة العالمية  عن حالات الانتحار لعام 2016 جاءت  في المركز 152 بنسبة 4.4% ، وبهذه النسبة تأتي مصر في أواخر قائمة الانتحار والتي تتضمن 183 دولة في مختلف أنحاء العالم، حيث تصدرت دولة غيانا في أمريكا الجنوبية المرتبة الأولى في قائمة الانتحار بنسبة 30,2%، ثم دولة ليسوتو في أفريقيا جاءت في الترتيب الثاني بنسبة 28,9%، وفي الترتيب الثالت جاءت روسيا بنسبة 26,5%، في حين دولة ليتوانيا في أوروبا حصلت على الترتيب الرابع بنسبة 25,7%، ودولة سورينام في أمريكا الجنوبية حصلت على الترتيب الخامس بنسبة 23,2%، بينما نرى أن دولة اليابان جاءت في المركز 30 بنسبة 14,3%، ثم جاءت الولايات المتحدة الأمريكية في المركز 34 بنسبة 13.7%، وأخيرًا نجد أن دولة بربادوس في أمريكا الشمالية تصدرت أقل دولة بها نسب انتحار في نفس القائمة حيث كانت الدولة 183 بنسبة 0.4%.

وردًا على ما يروجه البعض في أن مصر تتصدر قائمة الدول العربية في نسب الانتحار ، فهذه مجرد اشاعات فوفقًا لنفس التقرير السابق ، نجد أن دولة قطر تحتل المرتبة الأولى في الدول العربية الأكثر انتحارًا فجاءت ترتيبها 137 بين دول العالم بنسبة 5.8% ، ثم يليها البحرين تحتل المرتبة الثانية وترتيبها 138 بنسبة 5.7% ، ويليلها ليبيا تحتل المركز الثالث بترتيب 142 بنسبة 5.5% ، وجاءت مصر في الترتيب الرابع 152 بنسبة 4.4 % في حين جاءت الكويت أقل دولة عربية في نسب الانتحار حيث جاءت في الترتيب 178  بنسبة 2.2 %.

ففي الحقيقة عزيزي القارئ ، تؤكد هذه الاحصائيات الرسمية بالبرهان القوي كذب الشائعات المروجة بأن مصر تعاني من ارتفاع ظاهرة الانتحار، وهذا يؤكد بالدليل القاطع أن ما يحدث من حوادث انتحار ماهي إلا حالات فردية ، ولكن ما يضخم الأمور هو قيام بعض وسائل الإعلام بفرد مساحة لمثل تلك حالات الانتحار الفردية في مصر والتشدق بها من آن لآخر وتكرار سردها والحديث عنها مستغله لطبيعة المجتمع المصري الذي ينظر بفزع وقلق لمثل تلك الأمور التي يعتبرها دخيلة عليه، ويروج لنشر حاله من الإحباط والسلبية بين الشباب الذي يعد هو الثروة القومية لاقتصاد أي دولة، فضلًا عن تقديم صورة سلبية عن أحوال المجتمع إلى الخارج مما يسئ إلى سمعة مصر، مع العلم أن معدلات الانتحار –السابق ذكرها- ليست مفزعة أو مقلقة كما يروج البعض، فهذه النسبة لازالت أقل بكثير جدًا من المستويات العالمية بالمقارنة مع الدول المشابهة لنفس الظروف والأوضاع الاقتصادية والاجتماعية. 

وأخيرًا ينبغي أن يدرك جميع المواطنين المصريين أن الإشاعات والأخبار الكاذبة أشد خطرًا على المجتمع من حرب الإرهاب ومواجهة الأعداء، لذا يجب على وسائل الإعلام أن تعتمد على المصادر الرسمية الموثوقة وعلى رأسها الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء لنشر الحقائق، وأيضًا يجب على المواطن ألا يصدق أو يردد من أخبار دون التأكد من مصداقيتها، حتى نقف بجوار وطننا الحبيب، وللحديث بقيه في مقالة جديدة وقضية شائكة جديدة عن أحوال المجتمع المصري في سلسلة مقالاتي "خدعوك فقالوا".

--------------
خبيرة دولية في قضايا النوع الاجتماعي والتنمية الاجتماعية
وخبيرة في تطبيق التنمية المستدامة في المناطق العشوائية