بث مباشر
أخبار التعليم
  • مصر
  • Loading...

رئيس مجلس الإدارة
سـعــــد سـليــــم
رئيس التحرير
عبد النبى الشحات

د. أبو الفتوح صبري

صنوف بشرية.. العفريت الضحوك

بقلم .... د. أبو الفتوح صبري

الاربعاء 15 مايو 2019

إن الغربة لها أحكام خاصة، ففي بدايتها تكون قدرتك على التقاط الاختلافات في السلوكيات والتصرفات والأقوال وأنماط المعيشة كبيرة ثم لا تلبث أن تهدأ وتتحول مع مرور الوقت إلى اللامبالاة، وهذا نوع من الانسجام مع الواقع.. وهنا لا زلت أتكلم عن شخصيات قابلتها، ورأيت منها ما أثارني إثارة ملحوظة فكريًا واجتماعيًا، سواء منها السلبي وسواء الإيجابي، فكانت دافعًا للإعجاب، أو الاستغراب، أو الاستهجان.. ومع مرور الوقت أدركت تفرد هذه الشخصيات، ورأيت أن بعضهم يمثل تجربة حياتية مثمرة يجب أن أشاركها مع غيري،

فتساءلت كيف يعيش هؤلاء الناس؟ وكيف أصبحوا على ما هم عليه؟ وما هي مدخلاتهم الثقافية والفكرية والعلمية والاجتماعية التي أنتجتهم ليصبحوا بهذه الصورة؟ واليوم مع شخصية عجيبة في أقواله وأفعاله، في اهتماماته وتطلعاته، في نظراته وابتسماته، في آرائه وميوله، وقيمه ومعاييره، هو شخصية عربية فريدة، ونحن نقول لكل فرد من اسمه نصيب، لكن عنه نقول إنه اسم على مسمى "مبارك العفريت"، فلديه القدرة على الاحتواء والتفهم والتواصل الحسن، مستخدما في ذلك أسلوبا فريدا يمزج فيه بين الجد والمزاح الهادئ العاقل الرزين، وهو شخصية قادرة جذب انتباه الجميع بقدراته البحثية والثقافية وبقدراته الشخصية والإنسانية، فيعطي لكل شخص قدره، ويتعامل مع كل شخص بما يناسبه، ويشكل في المواقف فتراه إنسانا رائعا، يوزع ابتساماته على جميع من تقع عليه عينه، وتراه باحثا فذا في قاعات الدرس والمكتبة مهتما بمهمته الأولى وهي الدراسة والتعلم محيا للغة الفارسية، وتاريخ إيران والفرس، وخبيرا في الشأن الإيراني الحديث وماهيته وأبعاده وسياسة إيران الداخلية والخارجية، وتراه دبلوماسيا محنكا في استقبال الضيوف والتعريف بهم، والحرص على إبداء الترحيب اللازم، وتراه عربيا أصيلاً في كرمه وجوده، وبساطته وتواضعه..

فتجد الجميع: أساتذة وإداريين، طلابًا وزملاء، أساتذة وشيوخ، منجذبون له، منتبهون لأقواله، منتظرون لابتساماته، سعداء بلقاءاته، متفقين على حسن سمته وطيب نطقه..

وأذكر أول لقاء بيني وبينه كان منذ ما يزيد عن 3 سنوات، حيث سمعت صوتًا عربيًا أمام مكتبي بكلية الدراسات الشرقية جامعة الفارابي، وكان الواقفان اثنين مبارك وعبدالله، طالبان عربيان يدرسان في الماجستير، أحدهما خليجي والأخر شامي، وإذا بهما يعرفاني وكأنهما كانا يبحثان عني، وفي ابتسامة معهودة عليهما قال أحدهما: أنت دكتور يونس، نعم كانت إجابتي، ومن أنتما؟ سألت.. وكنت قد نسيت أنهما عربيان فتكلمت بلغة فصيحة، وكأني أخرج من فليم كارتون للأطفال، وهي اللغة التي يفهمها الزملاء والطلاب، فضحكا، وبدأت قصتي مهما منذ تلك اللحظة، وهي قصة لأني انتبهت فيها إلى شخصيتين عربيتين رائعتين، أحدهما شامي ونحن نحب أهل الشام وطيبتهم، وكانت فكرتي قبل ذلك عن الخليجيين بصفة عامة، فكرة ليست دقيقة، حيث كانت قناعتي أن الغنى والرفاهية التي يعيشون فيها، أكسبتهم غرورا وصلفا ولا مبالاة، وغير ذلك من الصفات التي يمكن أن تفهم من السياق، فضلا عن عشرات الأخبار التي ترى فيها تعرض المصريين أو المغاربة أو السودانيين أو الشاميين أو غيرهم من أهالي البلاد التي تبحث عن رزقها  في بلاد النفط، والحقيقة أن هذا العفريت، قد أسهم في تغيير هذه الفكرة لدي، فرأيت إنسانا متواضعا ومحبا للعرب بصفة خاصة وللمسلمين بصفة عامة، ومهتما بالشأن العربي العام ونشر الثقافة العربية والإسلامية ومحبا لبلده الإمارات ومعرفا بثقافتها وتاريخها، ومحترما لبلاد العرب جميعا وخاصة مصر والتي دائما ما يذكرها بأم الدنيا  وأنها كبري الدول العربية وثقافتها وحضارتها عي الأعرق والأقدم، ومساهما في كل الفاعليات الثقافية والعلمية الصفية واللاصفية بشتى الطرق اللوجستية والتعليمية والمادية.. فما طلب القسم منه شيئا إلا وأجابه إلى طلبه بابتسامة يصدق فيها قول الشاعر "تراه إذا ما جئته متهللا *كأنك معطيه الذي أنت سائل"،

وهناك جانب آخر في شخصية، وهو معرفته بثقافة البلد التي يدرس فيها، حيث استطاع في وقت وجيز أن يلم بكل بمجمل تقاليد وعادات وقيم ومبادئ ومعايير القازاق والقوميات الأخرى، وهذا الإلمام بفهم واحترام يعطي درسا لبعض الآخرين ممن يتكبرون ويستهجنون ولا يبدون الاحترام المطلوب والكافي واللازم لبعض غرائب التقاليد والعادات، وهو ما يؤذي مشاعر أهل البلد، فغرابة العادات التقاليد إنما هي دليل على العراقة والأصالة وقدم هذه البلاد وأهلها، وهي وإن كانت غريبة الآن علينا فهي كانت في وقتها متجانسة مع زمانها.

---------------------

* موفد الوكالة المصرية للشراكة من أجل التنمية- وزارة الخارجية المصرية إلى جامعة "كازنو"- كازاخستان.