هاي سليب
المجموعة المالية هيرميس
  • مصر
  • Loading...

رئيس مجلس الإدارة
سـعــــد سـليــــم
رئيس التحرير
عبد النبى الشحات

د. أبو الفتوح صبري

صنوف بشرية الجاد والإنساني

نقابل شخصيات متنوعة في التكوين العلمي والثقافي ومتنوعي المزاج والصفات الشخصية، ومنهم من يحتل مراتب وظيفية قيادية، ربما لا يستطيع كل منا أن يتعرف عليهم جميعا في حياته، فكل إنسان ونصيبه، فربما يكون مديرك إنسانًا حنونًا وعطوفًا، وربما يكون مديرك شخص فظ غليظ القلب، وربما يكون جادا في عمله وراقيا في معاملاته.. أنا هنا لست كخبير تنمية بشرية، لكن فقط صاحب تجربة، أتاحت لي فرص التنقل من عمل إلى آخر التعرف على بعض أنواع المديرين، وقد لاحظت فيهم السيئ والمتوسط السوء والمقبول منهم، أما الجيد فهو صنف صعب ونادر الوجود، وقد قرأت عن أنواع المديرين: المدير النرجسي، الذي يستلزم التعامل معهم بقدر كبير من الاهتمام والتوجيه والولاء، المحب والمنتظر للمديح على أي رأي وأي فعل، وهذا دائم اللوم للآخرين تجاه أية إخفاقات.. وهناك المدير القلق، وهذا شخص دائم القلق والمتابعة على أدق التفاصيل، وهناك المدير المتقلب، ذو المزاج المتقلب إذا غضب يغب الجميع والعكس، وهناك المدير المتكبر والمتغطرس الذي يرى رأيه الصواب، ويقلل من أهمية الآراء الأخرى، وهناك المدير المتسرع الذي يتخذ القرار بسرعة دون تمعن أو حساب ردود الفعل، وهناك المدير المتعالم، الذي يظن أنه يعلم كل شيء ويفهم في كل شيء، ويستطيع أن يتحكم ويعطي قرار صائب في كل شيء، وبأي وقت، وتحت أية ظروف، وهذا المدير مشكلة كبيرة جدا، فعادة ما تسيطر عليه مجموعة من الأشخاص من أصحاب المصالح، والذين يحجبوه عن الواقع الحقيقي إلى واقع من صنعهم، ليظن أنه مدير ملهم، وأنه قدم كل ما عليه، بل أتى بما لم يأت به الأوائل السابقون، ولا الزملاء الحاليون والمستقبليون، ويعيش هذا الوهم ويصدقه، ولا يقبل غيره، وهذا النوع منتشر جدا في واقعنا، فأعتقد أنك إذا لم تقابله كمدير مباشر، فأنت سمعت عنه من صديق أو قريب، أو رأيته في عمل تلفزيوني، أو قرأت عن مصائبه حين انكشف المستور.

والحقيقة أنني رأيت في بلاد الغربة نوعا آخر من المديرين، فأنا أتكلم عن تجربة شخصية راقت لي، فأحببت أن أنقلها لكم، فمنذ 3 سنوات انتقلت للعمل في جامعة الفارابي الوطنية الكازاخية، وهناك بدأت أسمع عن رئيسها، حيث اتفقت الآراء عنه على أنه شخصية قوى جدا، واختلفت في التفاصيل، فهناك من نظر إليه على أنه شخص قاسي جدا وحاد جدا ومخيف جدا، وهناك من نظر إليه على أنه مدير يحب عمله ويتقنه ويقوم بمهام عمله بصورة احترافية، وأخبرني صديقي رئيس القسم الذي أعمل به أنه شخصية مشهورة جدًا في كازاخستان تفوق شهرته شهرة الوزراء والفنانين والمطربين، والحقيقة أنني شرفت بلقائه عدة من المرات، سواء في اجتماعات رسمية أو لقاءات غير رسمية، ولاحظت أن الجميع داخل الجامعة، أساتذة وطلابا وإداريين وعمالاً يحترمونه ويبجلونه، فيذكره الجميع بإجلال وإكرام، ولا يذكر اسمه إلا مقرونا بلقبه، والحقيقة أنني عندما قابلته وجدته رجلا ذا هيبة، يحسن الكلام والرد، ويجيد التعامل مع المواقف المختلفة، وما اشتهر به من صرامة وجد إنما نابعان عن متطلبات عمله لهيئة تعليمية وخدمية كبيرة، صرامة في تطبيق القوانين، وصرامة في التعامل مع المال العام، وعدم التهاون مع المخطئ، صرامة تساعده على أداء مهام وظيفته في مؤسسة مترامية الأطراف، وكبيرة، تمثل حجر الزاوية في إعداد جيل من الشباب والقادة الذين يحملون على عاتقهم النهوض بمستقبل هذا البلد، فهذا هدف استراتيجي لا تهاون فيه، ومع صرامته هذه فالكل يحترمه ويبجله.. إنه احترام وتبجيل حقيقي نابع من القلوب لتعاملاته وسلوكياته الراقية مع الجميع، فهو لا يهين أحد، ولا يرفع صوته على أحد، ولا يشيح بوجهه أو يده، إنما يطبق القانون واللوائح والإداريات على الجميع.. احترام وتبجيل لعظم قدره ورقي منزلته، وهذا يعود إلى العرف، فالشعب القازاقي يعرف حقوقه ويطالب بها، ويعرف واجباته وينفذها، ويبجل القادة –أيا كانت درجته القيادية- ويحترم النظام والتراتبية الوظيفية، ويلتزم بالقوانين ولا يخرقها أبدًا؛ حتى وإن أمن العقوبة أو الغرامة..  احترام وتبجيل يعود إلى كبر سنه، فالشعب القازاقي يقدر كبار السن ويحترمهم جدًّا، ويغرس قيمة احترام كبار السن في الطفل، وهو لا يزال صغيرًا، وهنا يعتبر من غير المقبول أن يجادل الصغير رجلًا أكبر سنًّا منه، ولا يجوز رفع صوته أمامه.. احترام وتبجيل لأداء واجبه الإداري بحب وتفان واتقان، وتقديم مصالح الوطن والمواطنين.. احترام وتقدير لقدره العلمي والإبداعي فهو أستاذ جامعي له أكثر من 400 مقالة علمية وعشرات الكتب العلمية والوسائل التعليمية والاختراعات في مجال النمذجة وإدارة العمليات الاجتماعية والاقتصادية، وقد جاز على لقب الجدارة العلمية للعلوم والتكنولوجيا بكازاخستان.. احترام وتبجيل نابع من عقولهم ليس لقسوة الرجل -وإن عرف بحازمه في الأمور التي تحتاج لحزم- بل لقدرته على فهم وملاحظة أدق التفاصيل، واتخاذ القرارات الصائبة في الوقت المناسب.. احترام وتبجيل نابع من تواضعه وتواجده بينهم في كل المناسبات والاحتفالات والأنشطة القومية منها والوطنية والعلمية والتعليمة والترفيهية والثقافية، فهو مدير متواضع يتواجد ويشارك ويتكلم وينصح ويوجه ويأمر بكل ما فيه فائدة للمجتمع التعليمي الجامعي طلابًا وأستاتذة وإداريين، والمجتمع القازاقي أجمع.. احترام وتبجيل لإبداعاته التربوية والأدبية فهو شاعر له  ديوان شعري بعنوان (نوِّر حَوْلَكَ) مترجم إلى العربية، وهو ديوان شعري تعليمي تربوي يوجه فيه أعين الشباب والتربويين إلى أهم القضايا التربوية الروحية المعاصرة، والتي تمثل إشكاليات أخلاقية في عالم تقني متسارع الخطوات، ويلفت الشاعر النظر إلى الحكم والأخلاق والمعايير والقيم القازاقية التربوية والروحية القيمية، والتي يجب ألا يغفل عنها الأحفاد، فهي طريقهم إلى المستقبل، فمن بلا ماض لا مستقبل له .. احترام وتبجيل لفهمه قيمة الشباب، ودورهم في التنمية فيعتمد على اختيار القيادات منهم، ويقدمهم، فمعظم قيادات الجامعة من الشباب نسبيا، كما يحرص على تهيئة الموظفين القادرين على أداء مهام وظائفهم وتلبية تطلعات الشعب القازاقي.. احترام وتبجيل لعدم وجود فرص للتسامح مع الخطأ، مع التفريق بين المتعمد منه وغير المتعمد.. احترام وتبجيل لتقديم مصلحة الطلاب على أية مصلحة أخرى ومباشرة ومتابعته العملية التعليمية بدقة شديدة، واستماعه أسبوعيا لتقارير عن العملية التعليمية ومناقشته أدق التفاصيل داخل تلك التقارير..  احترام وتبجيل لوصول الجامعة تحت قيادته إلى مرتبة جديدة في تصنيف "كيو أس" هي الأعلى في كازاخستان ودول وسط آسيا.. إنه نموذج المدير المتفاني والإنساني.

   * موفد الوكالة المصرية للشراكة من أجل التنمية- وزارة الخارجية المصرية إلى جامعة "كازنو"- كازاخستان.