المؤسسة المالية والاستثمارية الرائدة في الاسواق الناشئة والمبتدئة
  • مصر
  • Loading...

رئيس مجلس الإدارة
سـعــــد سـليــــم
رئيس التحرير
عبد النبى الشحات

حزين عمر

بنات 6 أبريل .. والمثقف العضوي

بقلم .... حزين عمر

الخميس 14 مايو 2020

 

"المثقف العضوي" تعبير يبدو مثالياً وخلاباً, نردده كثيراً وقت الأزمات الوطنية و" الفرز " الوطني: لمن ينبهرون برنين الذهب ورحيق الدولار والدينار والريال, فيريقون عصير عقلهم شعراً وقصة ورواية ومسرحاً ومقالة ونقداً وفناً, وتٌرمىَ  " الصرة" في حجرهم فيلتقطونها كما تلتقط القرود الفول السوداني!!

ومع إراقة عصير عقلهم يريقون المبادئ والمواقف والآراء, ويسوقون الحجج, ويروجون البراهين لمن "يدفع أكثر", سواء أكان عدواً لوطنهم, أو متآمراً عليه, أو في يد الأعداء.. وهذا هو "قطاع" من قطاعات المثقفين الأشد والأكثر نكالاً بالحقيقة بالحقيقة والوطنية والإنسانية والقيم الخالدة.. وأقل هذا القطاع فتكاً وأذى ذاك الذي يدعي "الحياد" وينأى بقلمه وعقله وإبداعه عن الخوض في المواقف الحاسمة.. فهو بلا لون ولا هوية ولا موقف, حتى لو بدا أهله ووطنه في قارب على وشك الغرق, ببحر من التطرف والإرهاب والتآمر والخيانة, فلا يبادر أبداً بمد قشة لإنقاذهم!!

 

***

هنا يطفو على السطح مفهوم " المثقف العضوي", المالك لزمام الكلمة والتعبير بعامة: مبدعاً ومفكراً وباحثاً وعالماً ومؤرخاً..ستكون قبلته المقدسة هي الإنسانية والوطن وقيم الحق والعلم والحياة والأمل..فالكلمة لديه سهم مصوب  ضد الفساد والتطرف والإرهاب والظلم والخيانة, والتعبير لديه طائر عنقاء صادح بالحقيقة لا يموت أبداً, ومثل هذا المثقف الملتزم  ــ وهو غير الالتزام بالمعنى الاشتراكي للأدب الملتزم أو الموجه ـــ لا يملى عليه موقفه وتوجهه سوى ضميره  ووعيه بالتاريخ وبالمستقبل وكبريات الحقائق الحياتية.. ولا يقف عند حدود التعبير بالكلمة أو الريشة أو الصورة, بل هو كذلك مندفع للدفاع عن معتقده الوطني بكل السبل المتاحة لديه.. تراه منكباً ساعة على الكتابة والقراءة, وساعة منخرطاً في نقاش حول قضايا وطنه, وساعة مصطفاً في مظاهرة داعمة للتنوير والتطوير ضد الظلام والرجعية والعدمية .. وكأني في هذه اللحظة أشير بسن قلمي إلى أحمد محمد عبده الذي بدأ كفاحه العقلي مبكراً, لكنه كان تالياً لكفاحه المادي المباشر كرجل مقاتل وضابط بالقوات المسلحة .. ومع البندقية المرابط بها ليل نهار يمتد يده إلى قلمه ليجتاز حدود الميادين والصحاري إلى آفاق التخيل, وما لم يقله بسلاحه المباشر قاله بسلاحه الإبداعي عن وقائع حروبنا وانتصاراتنا وهزائمنا وسلبياتنا وإيجابياتنا وأخلاقنا.

 

***

وما أن وضع أحمد عبده سلاحه جانباً, وحانت لحظة انصرافه إلى الحياة المدنية حتى انطلق مغرداً على أوسع نطاق,  قصة قصيرة ورواية ومناقشة ومشاركة في الحياة الثقافية والعامة عبر أنشطتنا الثقافية الممتدة كندوة الجيل الجديد بنقابة الصحفيين, وصالون حزين عمر الثقافي ونادي القصة ودار الأدباء . وحانت لحظة الفرز الأولى مع اندلاع أحداث 25يناير 2011, فكان أحمد عبده معنا كتفاً بكتف ضد الفساد المعشش منذ ثلاثة أو أربعة عقود, وعهدناه صامداً معنا في الميادين , ميدان التحرير وأمام وزارة الدفاع, وميدان المنافحة بالكلمة عن حق الشعب في التغيير, وفي حكم سديد, وفي حاكم رشيد.., ومع اختطاف ثورة يناير, وتدمير بوصلتها, وركوبها من المتطرفين والإرهابيين والمأجورين والجواسيس, واتخاذها مطية لتخريب مصر وإعادتها إلى عصر الظلمات العثماني, حينها كانت لحظة "الفرز العظمى" لأصحاب المواقف الوطنية من أصحاب الولاء للأعداء وخطط تفتيت الوطن .. ومرة أخرى نجد أحمد عبده معنا كتفاً بكتف, كما شهدنا مثقفين وطنيين آخرين منهم:  عز الدين نجيب ومحمد أبو العلا السلاموني ومحمود نسيم وعبد القادر الهواري واللواء خالد مطاوع واللواء طيار محمد عبد الله والفنان رضا رمزي والشاعر نبيل أبو السعود, كتلة واحدة في ثورة 30 يونيو, وقد بدت لحظات المواجهة الدموية على الأبواب, ولا نملك جميعا غير دمائنا لتقديمها للوطن, حتى يتخلص من الهوة التي سقط فيها طوال  عام الرمادة الإخواني. يتجسد هنا بجلاء معنى "المثقف العضوي" الذي نخلعه على أحمد عبده, كما تجسد معنى الخيانة والنكوص والتطرف على عشرات آخرين ممن يُحسبون على المثقفين, وقد انحازوا  للتنظيم الإرهابي.. والحق أنهم كانوا "خلايا نائمة " نشطت واستيقظت في اللحظة الحاسمة للمواجهة.. وقد سجلوا أسماءهم بسطور من ظلام في قوائم التأييد للتنظيم الإرهابي, والطريف أن أكثرهم ـــ بعد زوال غمة الإخوان وهزيمة مشروع الإرهاب والتطرف وانتصار ثورة 30 يونيو, راح بعض هؤلاء المتطرفين يغيرون جلودهم وألوانهم, إما بالصمت أو بالتنكر أو حتى بالتحول ــ الظاهري ــ من النقيض للنقيض.               

في هذه الأجواء الضبابية أكد "الفرز" أن أحمد عبده ابن بار لهذا الوطن, وقد عاد كل منا إلى طريقه في الحياة وكدح العيش, أما هو فلم  يعد!!

كنت أرصده أيام المظاهرات والاعتصامات ممسكاً بورقة وقلم, ولم أنشغل بسؤاله, فإذا به يترصد كل مرصد لتسجيل اللحظة ووجوهها وتحولاتها..حتى امتلك أحمد عبده ما لا نملكه نحن من الذاكرة الموثِقة للثورتين, وكأنه يؤكد أن الثورة انتقلت من الميادين إلى الأوراق وصفحات الكتب, وأنه لا بد من ذاكرة موضوعية محايدة ترصد نبوءاتها وميلادها ونضجها ومآلها.. فجعل أحمد عبده من نفسه مؤرخاً ميدانياً للثورتين, بدون أن يغيب حيه الأدبي ومعالجته العذبة, حتى أصبح يذكرني بالجبرتي معاصر الحملة الفرنسية على مصر ومؤرخها.

 

***

أحمد عبده مؤرخ الثورة, جرفه تيار الواقع, تيار التوثيق, تيار التسجيل.. فسارع بسرد يوميات الثورة وأحداثها وتحليلها, ومازال نبض الثورة دافئاً في الشوارع والميادين والنفوس, فكان كتابه الأول في هذا المشروع " ثورة يناير والبحث عن طريق 2013", ثم رصد الهجمة التترية, أو هجمة "الهكسوس الجدد", كما كنت أسميهم, في كتابه " حاخامات الدم في الشرق 2018", وتتخلص مصر من وطأتهم في كتابه" مصر تخلع النقاب 2018", ثلاثة كتب تعطي زوايا عدة من هذين الحدثين العظيمين في تاريخ مصر والعرب والعالم.. ثم أخذ الكاتب نفساً عميقاً, وأمسك بتلابيب موهبته الروائية والقصصية المتحققة لديه منذ عقود, في مجموعة أعمال سابقة على الثورتين, ونظر هذه المرة نظرة متخصصة, أو أمسك خيطاً دقيقاً بعينه من هذه الثورة, أو إن شئت فقل الثورتين. إنه هذا التجمع الشبابي الشهير المسمى " حركة 6 أبريل", المولودة في مراحل احتجاجات عمال المحلة الكبرى.., بل إنه مال إلى التخصص أكثر فوقف عند دور فتيات هذا التنظيم, وجعلهن بطلات الرواية " بنات 6 أبريل 2019", وإن لم يغيب شباب 6 أبريل .. لكن ذكاءه الروائي هداه إلى " البنات " لا " الشباب" وكأنه يشير من طرف فني إلى دور المرأة بعامة كقائد ومحرك وبطل في الثورتين, وإن اختلف موقعها, من 6 أبريل إلى تنظيم الإخوان إلى ناصريين وقوميين إلى سلفيين واشتراكيين ثوريين,  وحركة كفاية ومندسين. ثم في الموجة الثانية " ثورة 30 / 6, المرأة المثقفة والمرأة العاملة والمرأة المستنيرة, وحتى المنتميات لحزب الكنبة, خرجن لحظة إدراكهن لحاجة الوطن إليهن لمساندة الجيش والشرطة والقضاء.

يغازل أحمد عبده كل القطاع النسائي, وهو يضع "بنات 6 أبريل " عنواناً لروايته الأحدث, ويدغدغ كذلك غرائز الشباب الفضوليين  بطبيعتهم لمعرفة الجنس الآخر, وكل ما يرتبط به, ويُنشِّط ذاكرة آخرين حول أحداث بعينها ارتبطت بالنساء والفتيات تحديداً, كحادثة كشف العذرية وتعرية إحداهن في الميدان, وسقوط أخرى من بلكونة بيتها مثل سالي زهران, وتوظيف حالتها كمادة خصبة للجدال, حول حالتها بين فريق الثوار وبين التيارات الدينية, هل هي شهيدة أم قتيلة؟!

 

***

من العنوان إذن تبرز أولى سمات حرفية الروائي, ومع معايشة العمل تبدو لديه آليات عدة للتعامل مع الحدث الواقعي, ليحيله إلى سياق فني, يجد كل قارئ فيه شيئاً من ذاته, ولا يسفر الكاتب عن وجهه المباشر ولا مواقفه الصريحة, مثلما جاء في كتبه الثلاث التي نوهنا عنها, بل يدع المتلقي يؤول هذا الموقف حتى صفحات الرواية الأخيرة, والتي انتهت بما يشبه الفاجعة لهؤلاء الفتيات المغرر ببعضهن, والواعيات بعضهن, والممولات كلهن!! وإن شئنا تخفيف كلمة "الفاجعة", فلنقل المُحبِطة. أو المنصرفة من كل أحداث السياسة وكل أحلام الشهرة والزعامة إلى الترهبن في الدير!!

أي الموت بالحياة أو الحياة موتاً!! وكان ذلك بعد أن قامت الدولة بتشييع الرئيس الذي قامت عليه ثورة في جنازة عسكرية!!

وقد فشل مشروع هؤلاء الفتيات ومن دربهن في صربيا وأمريكا على تفتيت مصر وتدميرها, كما فشل مشروع بعضهن في تحويلها إلى دولة دينية.

بمزيج من المأساوية والسخرية كانت نهاية بنات 6 أبريل هكذا:

ـــ ماهينار الهباش .. تقلد القطط وأصواتها !!

ـــ نسرين الكاشف تنبح كالكلاب!!

ـــ هدى المراكبي تقلد عواء الذئب!!

ــــ  زينب النحيف تسير كمجنونة في الشوارع !!   

ــــ منيرة حافظ " الراوية" تصاب بالخرس!!

ــــ أخريات تحولن لتقليد نقيق الضفادع..

ولم يكن من حل إلا عند الأطباء النفسيين الذين اقترحوا أن تعيش هذه الفتيات المصدومات المنهارات في دير للرهبنة!!

                                   ***

أما آليات الكاتب الروائية فتتمثل في أدوات بعينها, منها:

ـــ توظيف البرنامج الإذاعي الشهير" غنوة وحدوتة" التي تقدمه أبلة فضيلة, فيفتح البرنامج قوساً واسعاً يحكي قصة السلحفاة التي أهديت إلى الملك, وقيل له أنها تعيش ثلاثمائة عام فيرد عليه الملك قائلاً: ضعها أمامي وسوف أرى!! .                                        

      وهي نفسها النكتة الشهيرة التي كانت تطلق على حسني مبارك والتصاقه بالكرسي. ويغلق قوس أبلة فضيلة بنهاية الرواية, وموت الملك والسلحفاة التي خلفت سلاحف أخرى صغيرة , وراحت تمرح في القصر!

ــــ الأرقام بديلا عن الفصول, وسيلة لتقسيم الأفكار الفرعية داخل العمل.. والمعروف أن استخدام الأرقام  يتيح مرونة أكبر للكاتب, ولا يلزمه بمسمى الفصل وحجمه, كما أنه أكثر حرية كذلك ممن يلزم نفسه بعنوان لكل فصل, كآلية قديمة تقليدية.

ــــ من حين لآخر يستدعي الكاتب, أو يتدخل في السياق, ويقطع حديث الراوية " الفتاة منيرة حافظ" ليورد شهادة من أبطال الحدث, كشاكر النحيف, وبائعة الشاي بميدان التحرير أو غيرها, فتتسع دائرة الإضاءة على أحداث قد لا تكون البنات طرفاً فيها, أو ملمات بها, وقد توجه الشهادة القارئ وجهة بعينها.

ــــ توظيف الميراث الديني والشعبي والشعري..لإضفاء مصداقية على الحدث, أو ربطه بالتاريخ وإيقاع الصدق في نفس المتلقي, فضمن المؤثرات الدينية ( الثورة تولد طاهرة وبريئة, فإما نخضبها بدم حمام الحمى, وإما نتركها على المحجة البيضاء) ص 67, وتعبير كهذا ثري بالتأويل, ويحرك مخزوناتنا من العقيدة والتسليم, فلنتصور من يقتل " حمام الحمى" في بيت الله الحرام, ويلوث بدمائه الثورة المولودة على الفطرة كالطفل..أو المحجة البيضاء.

ومنه كذلك ( يستدعي ولياً من ماركة " قبل أن تقوم من مقامك ", أو عفريتاً من طراز " قبل أن يرتد إليك طرفك" ص110, لنرى أنفسنا أمام سليمان وبلقيس والهدهد والجن والعفاريت وسائر المستحيلات.

ومنه أيضاً ( الغرب عندنا غرفة تآمر..وهم الضالون في سورة الفاتحة والظالمون في سورة الجن....) ص209

أما المؤثرات الشعبية فمبثوثة كذلك في ثنايا العمل كأن يقول ( من منا كذبة أبريل؟)  ص190, (إذا كنت نسيت اللي جرى...), (الباب الذي يأتي منه الريح سده واستريح) ص 247 , لكنه تدخل في سياق هذه الحكمة أو النصيحة الشعبية, بإقحام مفردة" الذي" بدلاً من " اللي", وأراد تفصيحها ولم تكتمل إرادته هذه لأنه ترك فعل الأمر " استريح" كما هو في سياقه الشعبي ولم يقل" استرح", وليس لنا أن نتدخل في مثل هذه الحكم والأمثال الشعبية وصياغتها.. فينبغي أن نستدعيها كما هي .

ثم يمتزج لديه الحس الديني بالحس الشعري في فقرة مطولة, كأنه يجرب نفسه فيها شاعراً, أو ناثراً, أو كاهناً .. فيقول: ( تبت يدا أبي لهب وتب ..في بدنه يرعى العطب..هذا جزاء من ما نهب.. وما أخذ وما سلب.. اليوم  يخسر ما كسب... ربى عياله على الكذب, فاليوم يجني ما ارتكب, وامرأته تلعن السبب.. على صدرها ثعبان من ذهب, وظهرها أحناه القتب ) ص 218, والإشارة "

 

***

ويرصع أحمد عبده عمله بمشاهد كاشفة تغني الجملة فيها عن صفحات, فهناك مثلاً (  صور لعقود زواج عرفي لثلاث بنات من حركة 6 أبريل, اسم الزوج في كل منها على بياض) ص91 , فالغريزة : الشهوة : الجنس.. دافع لبعض هؤلاء الفتيات الشبقات اللائي يتذرعن بالثورة على حكم مبارك, فكل فتاة منهن تريد أن  تروي ظمأ شهوتها تحت لافتة الزواج العرفي المتعدد والدائم والجاهز, فيرفع من العقد اسم رجل ليوضع آخر.      

في مشهد ثانٍ يقول (صورة أخرى لهيلاري كلينتون وهي تفرش شالها للمرشد لكي يصلي في ردهة من ردهات البيت الأبيض ...) ص91, فالبيت الأبيض أضحى كعبتهم وقبلتهم وبركات هيلاري وعبقها وبرفانها وشالها سجادة لصلاتهم!!, ونظن أن " فضيلة"  المرشد حينها صلى الظهر خمسين ركعة لا أربع ركعات!!

الدين هنا يمارس ويدار على طريقة الإخوان, لا على طريقة رسول الله وهدي القرآن. أليس الإخوان هنا " يتولون أعداءنا" ويتخذون من الأمريكان أولياء من دون المسلمين ..من دون المصريين؟

مشهد ثالث ( الإخوان يعلمون المجلس العسكري كيفية صلاة الجنازة .. وبعد أن يفرغوا من صلواتهم يهتفون يسقط حكم العسكر) ص 120

أترى ناساً أشد كذباً ونفاقاً من هؤلاء " الإخوان" ؟!

مشهد رابع (الرائد جلال شاهين أحد ضباط 8 أبريل الذين اعتصموا في ميدان التحرير دعماً للثورة في موجتها الأولى , أصبح داعماً للثورة في موجتها الثانية في 30 يونيه, حيث شارك في فض اعتصام رابعة الإرهابي المسلح,  ونُلمِّح هنا إلى انحياز الجيش للشعب في كل أحواله, ففي المرة الأولى وبعيداً عن اختراقات الثورة وركوبها, يقف ضباط 8 أبريل مع الشعب ضد السلطة الرابضة على قلبه منذ ثلاثين عاماً.

وزواج هدى المراكبي من الرائد جلال , وهي عضو بحركة 6 أبريل,  أمها إخوانية " خديجة الأهتم" وزوج أمها الإخواني " طه النمر", لم يغير هذا الزواج من توجه الرائد جلال ولم يجعله متعاطفاً مع التنظيم الإرهابي أثناء فض الاعتصام. وهنا مؤشر إلى فشل " الزواج " بين التنظيم والمجلس العسكري, وكأن زواج هدى من الرائد جلال كان زواجاً فاسداً " رغم أن هدى ليست إخوانية وإن تعاطفت مع القتلى في اعتصام رابعة", فهما على طرفي نقيض, لكن انجاب جلال من هدى طفلاً هو " آدم" جعل التنبؤ بمستقبل هذه العلاقة أمراً مفتوحاً, وغير محسوم!!

الكاتب على وعي بالقيم الفنية, فالرواية ليست حدثاً يرتبط بنشأة حركة 6 أبريل, وبناتها, وأسرهن, وانحرافاتهن, ووقائع الثورتين فقط, بل هي إبداع فني يمررهذه الأحداث والشخوص عبر الوجدان والعاطفة, لا عبر العقل المجرد ..فتلمع بعض لؤلؤات الصور الفنية في سياقاته السردية, منها على سبيل المثال ( اندلقت منهم نوبة قهقهة شرسة) ص6, القهقهة تندلق كالماء أو السائل, وهي نوبات متقطعة , وهي شرسة!!

و (مسح شاكر النحيف وجه ماهينار ونسرين بنظرة خاطفة ) ص 15, ولم يقل نظر إليهما, بل مسح, والمسح, مادي مباشر وفيه تدقيق وتحقيق, رغم السرعة الخاطفة. و ( انتفخت في بطوننا وصدورنا بالونات العاطفة) ص 19, العاطفة تنتفخ وتتضخم, داخل البطون والصدور, وهي بالونات فسوف تنفجر , وهي عاطفة هواء فارغة كذلك!! و ( أقلب البطاطا بين راحتي جوعي وخوفي, أمررها على روح يناير فبراير فيستلذ أنف الثورة بدفئها) ص219, للخوف والجوع  أيدٍ, وليناير فبراير روح , وللثورة أنف يستلذ دفء البطاطا في شتاء الثورة. وبدون تفصيل وتفسير يمكنك أن تتوقف عند هذه الصور الشعرية المبتدعة ( حين تنجح الثورة, فهي الكنز الذي عثر عليه اليتامى في دولاب أبيهم, ليشتروا كل ما يحلمون به) ص127, و ( كنا بحاجة لقوات تحمي الثورة التي تعاني من آلام النفاس, كانت في شهرها الرابع) ص 127, و ( ما العمل وقد دس الكابوس ذراعه في حلوقنا حتى أشرفنا على الموت بإسفكسيا الخنق) ص 209, و ( أثناء ولادة الشابة الجميلة .. يناير, التي قتلوها طفلة...) ص254, وأخيراً ( يناير ويونيه ضرتان في البيت المصري!!) ص255

 

***

من يا ترى أحمد عبده من بين هؤلاء الشخصيات الكثيرة: اللواء المتقاعد حسن الكاشف, أم رجل عصابة الحزب الوطني أمين الهباش, أم مدرس الفلسفة بالمعاش شاكر النحيف, أم الإخواني طه النمر, أم الرائد جلال شاهين؟ بعيداً عن شباب 6 أبريل ؟؟!

هو نفسه وزع دماء الثورة على سائر فئات المجتمع الذين تمثلهم تلك الشخصيات المختلفة المشارب, يقول بطرف خفي إنها لم تكن في البدء صناعة الأعداء, بل وجدت حركة 6 أبريل وغيرها البيئة الاجتماعية والنفسية الخصبة لاحتضانها والالتفاف حولها, ومنها مثلاً نظام الحكم الفاسد المستبد الجاهل الذي جرف الشعب وخرب الضمائر, وقتل المستقبل في نفوس الشباب.

ونعيد طرح السؤال ــ غير النقدي ــ أي هؤلاء الشخصيات يتلبس أحمد عبده أو يُلبسه رؤيته ؟ إنه مزيج من شاكر النحيف مدرس الفلسفة, الرجل الثوري, المكافح في الحياة والرافض للفساد, والذي يؤيد قيام الثورة ولو بالمؤامرة , يقول لابنته زينب" لو قابلك الشيطان يازينب خديه معاكي المحلة", يقصد المظاهرة العارمة التي بدأت من المحلة الكبرى, مع ملامح من الرائد جلال شاهين المدفوع بمثالية حماية الحق, ولذا نجده أيد الثورتين, ولذا أيضاً يظل أحمد عبده في حالة بحث دائم عن العدالة وجهر دائم بالحق, بصرف النظر عن العواقب!!!                  

---------------------

صحفي وشاعر ومفكر مصري