هاي سليب
  • مصر
  • Loading...

رئيس مجلس الإدارة
سـعــــد سـليــــم
رئيس التحرير
عبد النبى الشحات

جيهان عبد الرحمن

برقيات

تصحر التعليم

 تعلمنا ونحن صغار أن ظاهرة السراب تحدث نتيجة لارتفاع درجات الحرارة وانكسار الضوء علي الأرض المستوية  وهي في حالة توهج شديد فيحدث نوع من الوهم البصري يجعلنا نعتقد وجود بركة من الماء علي بعد أمتار لكن حين نصل  إليها أو نقترب منها لا نجدها وتظل هكذا بعيدة المنال طوال رحلتنا تداعب خيالنا ونلهث خلفها رغم أنها غير موجودة أصلا لكنه بصرنا  فعل فعلته وخدعنا، وكما تحدث الظاهرة علي أرض الواقع نجدها تحدث أيضا عبر العالم الافتراضي المسمى الفيس بوك خاصة حين يتعلق الأمر بالتعليم  وتحديدا بشهادة الثانوية العامة.  

حيث يلهث الطلاب وأولياء أمورهم نحو السراب بكل ما تحمله الكلمة من معني للتسجيل في صفحة علي الفيس بوك تؤكد لهم أنها تستطيع رفع درجاتهم دون الحاجه إلي تقديم تظلمات عقب ظهور النتيجة رسميا مقابل ثلاثة آلاف جنيه عن كل مادة، ولمزيد من الجدية طالبت إرسال الأرقام السرية الخاصة بالطلاب،  والغريب هو الإقبال عليه مما اضطر وزير التربية والتعليم إلي التدخل وتقديم بلاغ عن تلك الصفحة الوهمية بل وكتب علي صفحته الشخصية تحذيرا منها، وان غرضها النصب علي طلاب الثانوية العامة خاصة وان الرقم السري هام جدا للطالب ولا يجب الإعلان عنه لاحد.

 بعدنا عن فلسفة التعليم الحقيقية وقيمته وبتنا نلهث عبر صحراء التعليم  القاحلة في قيظ النهار عن شربة ماء حتي لو كانت وهما، بل درجات تترجم في شهاده تؤهل لمقعد في كلية جامعيه ثم نبحث عن سراب جديد ندفع له عدة آلاف جديده علي سبيل الرشوة لشغل وظيفه غير مؤهلين لها، واستسلمنا  لخداع بصرنا، وربما التعبير الدقيق هنا خداع البصيرة.

في ثمانينات هذا القرن أراد د. فتحي سرور وقت أن كان وزيرًا للتربية والتعليم مجاملة النظام السياسي توفيرا للنفقات  وبحجج اقتصاديه لا تعليميه ولا علميه قام بإلغاء الصف السادس الابتدائي وكانت النتيجة خروج مصر من الترتيب العالمي لخفض عدد سنوات الدراسة في مرحلة التعليم الأساسي، عادت السنة السادسة في التسعينات وترتب عليها عام فراغ في الثانوية العامة، وارتباك بين أبناء الأسرة الواحدة، وحين أراد د. حسين كامل بهاء الدين تطوير التعليم أصبح لدينا امتحانان للثانوية العامة، احدهما علي النظام القديم المعروف بامتحان الفرصة الواحدة والذي تعلم فيه كل أبناء جيلي والأخر علي عامين ناهيكم عن نظام التحسين الذي رفع التنسيق في سابقه لا مثيل لها إلي 110% وربما أكثر وأذكر وقتها استعمال الوزير لفظ صراع النصف درجه للتعبير عن شدة المنافسة بعد أن تحولت الثانوية العام إلي صراع ومنافسه لا تعليم. ومن هنا جاءت ظاهرة تصحر التعليم واللهث خلف سراب الدرجات.

 بعد  25 يناير 2011 تنقلب الأوضاع  مرة أخري وتعود الثانوية العام إلي سابق عهدها امتحان علي عام واحد، لكن مع فارق بسيط  هو خروج التعليم بشكل نهائي وظاهر وجلي من المدارس إلي المنازل والسناتر، وخروجنا من أي ترتيب عالمي ولا حتي محلي إن وجد.  

 د. طارق شوقي وزير التربية والتعليم أتفق أو أختلف معه كما شئت لكنه رفض الواقع وأستنكف التعامل معه، وخلق واقعا جديدا من الناحية النظرية لامعا مثل الذهب، بل أنه مغرق في التفاؤل لدرجة التصريح بأن فنلندا طلبت الاستعانة بتجربتنا في الامتحانات الإليكترونية رغم عودتنا للامتحانات الورقية في الدور الثاني يوليو القادم وتصريحه ان الامتحانات إليكترونيه حققت نجاحا مدوياً رغم رفض طلاب الصف الأول الثانوي في كثير من محافظات مصر هذا النظام لعدم جاهزية المدارس وسقوط السيستم وشعورهم بالخطر علي مستقبلهم، منهم من ذهب للأطباء في العيادات النفسية ومنهم من أصابه التبلد وهم كثر، ومنهم من ينتظر... وألاهم من كل ذلك إنه يعد من المبكر جدا الحكم علي نجاح أو فشل التجربة فما بالنا لو كان الحكم صادر من الوزير المسئول عنها.

ما تعيشه مصر ليس محاولات للتطوير في التعليم بقدر ما هو حالة من اللهث خلف السراب ليس فقط من جانب الطلاب وأولياء أمورهم بحثا عن درجات لا يستحقونها وشهادة لا يحترمون معناها لكن أيضا من جانب مؤسسة التعليم التي حولته من قضية أمن قومي إلي خدمه تقدم لمن يدفع ثمنها والفارق بينهما لو تعلمون عظيم.