هاي سليب
  • مصر
  • Loading...

رئيس مجلس الإدارة
سـعــــد سـليــــم
رئيس التحرير
عبد النبى الشحات

جيهان عبد الرحمن

برقيات

طريقك إلي الجنة

 

أيام ونستقبل شهر رمضان المعظم  بفضائله ورحماته وذكرياته العزيزة علي النفس، ومع نسماته المباركة، تنتشر مع الأسف ظاهرة التسول التي يتفنن أصحابها في التفاصيل والحبكة الدرامية لاستدرار العطف واستغلال الطاقة الروحانية المرتبطة بتلك المناسبات، خاصة في المترو والمواصلات العامة والشوارع بل وعبر حملات التبرع المختلفة التي تهاجمك طوال الوقت في الفضائيات، حتي إذاعة القران الكريم  لم تسلم من تلك الظاهرة المؤسفة التي زادت عن حدها وتشهد كثافة إعلانيه قبل وأثناء الشهر الكريم حيث ينطلق الصوت الإذاعي الرخيم ليعلن أن التبرعات للجمعية التي يسميها هي" طريقك إلي الجنة " رغم المبالغ الطائلة التي تدفعها تلك الجهات والمؤسسات والجمعيات نظير الإعلانات واختيار توقيت إذاعتها.

قطعا ثمة علاقة وثيقة بين الوضع الاقتصادي وغلاء الأسعار وانخفاض مستوي المعيشة وزيادة نسبة الفقر والجهل وبين ظاهرة التسول لكن ما أعنيه هنا تحديدا هو استخدام الدين كورقة رابحه للتأثير، باعتبار التبرع هو " الطريق إلي الجنة " كما تعلن إذاعة القران الكريم، لتوقظ في الذاكرة ما تعلمناه  قديما عن صكوك الغفران التي ظهرت في روما  عام 1215 حيث عصور الظلام، وهي وثيقة كانت تمنحها الكنيسة الكاثوليكية الرومانية مقابل محو الذنوب والخطايا بمقابل مادي يختلف باختلاف الذنب.

وقبل أن يهاجمني أحد أو يسيئ فهم مقصدي أعترف أن ثمة  فارقا نوعيا كبيرا بين عبارة  طريقك إلي الجنة بمعني الحث علي فعل الخير وبين فكرة صكوك الغفران  التي جعلت غفران الذنب بيد كهنة الكنيسة الذين تمادوا في غيهم حتي باتوا يبيعون الصكوك الممهورة بخاتم البابا للعامة وكان الأقارب يشترونها لأمواتهم حتي يستطيعوا  دخول ملكوت السموات العلى. وكانت تلك الصكوك من أهم أسباب انشقاق البروتستانت عن الكنيسة الكاثوليكية  وهي ما حركت القس الألماني مارتن لوثر ليتزعم حركة الإصلاح الديني والتي كان لها بالغ الأثر علي الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية فيما بعد.

التكافل الاجتماعي والحث علي فعل الخيرات من صدقات وزكاة أمر محمود بلا شك لكن لكي يتحول الشهر الكريم إلي موسم للتسول العشوائي في الشوارع أو التسول المنظم عبر وسائل الإعلام المختلفة بات أمرا يحتاج إلى ثورة إصلاح حقيقي  علي غرار ثورة مارتن  لوثر لتعود الآمور إلي نصابها المعقول بلا مغالة تفقدها قيمتها أو مبالغة تضعها هي والتسول في سلة واحدة وبلا خلط بينها وبين مقاصد الدين.

وكما نهض المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام وهم بوضع المعايير والضوابط الواجب توافرها في المسلسلات والأعمال الدرامية المقرر عرضها خلال شهر رمضان، أحسب أن الأمر يحتاج تدخلا حقيقيا للحد من تلك الظاهرة السلبية التي باتت من علامات الشاشة الصغيرة خلال شهر رمضان.

من المعايير التي حرص علي وضعها الأعلى للإعلام  تجنب الألفاظ البذيئة السوقية والحوارات المتدنية، والتركيز على الجريمة وصنع أبطال وهميين والمطالبة  بعودة الدراما التاريخية والدينية مع ضرورة الرجوع فيها لأهل الخبرة اذا كان المسلسل تاريخيا أو دينيا والتوقف عن دهس القانون وفكرة التصدي للظلم باستخدام العنف بعيدا عن الدولة واستخدام الأسلحة بدلا من الطرق القانونية والكف عن تغييب العقل و تكريس الخرافات وضرورة البعد عن اللعب على وتر التطرف الديني وتشويه صورة المرأة والحد من مشاهد التدخين وتعاطي المخدرات والإدمان، والتركيز علي المواضيع الاجتماعية التي تهم الأسرة وتتضمن نماذج تستحق تسليط الضوء عليها بهدف تعميق مشاعر الانتماء والحس الوطني، والكف عن استخدام المسلسلات المستوردة التركية والإسبانية والهندية وغيرها.

الحقيقة لم يتطرق الأعلى للإعلام لظاهرة التسول المقنع في صورة إعلانات ولكنها وبحق لا تختلف كثيرا من وجهة نظري عن الصور السلبية الكثيرة التي عددها في بيانه الخاص بدراما رمضان، يبدو أن الحاجة باتت ملحة لظهور اتجاه إصلاحي حقيقي على غرار مارتن لوثر، حتي لا يتوقف الطريق إلي الجنة علي تبرعاتنا.